عندما أعلنت الصهيونية قيام دولتها في فلسطين في الخامس عشر من مايو عام 1948م أطلقت عليها اسم إسرائيل، وطبع هذا الاسم في الأعداد الأولى من الجريدة الرسمية والتي أطلقوا عليها أيضًا اسم إسرائيل…
الأستاذ الدكتور بليغ حمدي
بقية: إسرائيل عندما ترتدي قناع الاعتدال
بقية: الفكرة والدولة
بقية: حديث عن الصهيونية:
الأصل التاريخي للصهيونية
تنسب تسمية إسرائيل إلى النبي يعقوب A حيث ترد في التوراة قصة مفادها كما جاء بسفر التكوين أنه “خاض عراكًا ضد رجل حتى مطلع الفجر عند جدول صغير في منطقة الأردن يدعى (يبوق)، ولما رأى الرجل أنه لا يقدر عليه، طلب منه أن يطلقه، فقال له: لا أطلقك حتى تباركني، فباركه وقال له: لن يدعى اسمك يعقوب من بعد، بل إسرائيل؛ لأنك صارعت الله والناس وغلبت”.
ولفظة إسرائيل كما يشير رائد الدراسات العبرية الدكتور رشاد الشامي في كتابه (إشكالية الهوية في إسرائيل، 1997م) مكونة من كلمتين ساميتين قديمتين هما “إسر بمعنى غلب”، و”إيل” أي الإله أو الله. وقد أصبحت هذه التسمية مصدر فخر من الناحية القومية لبني إسرائيل وأصبحوا ينسبون لأنفسهم لها فيقولون: “بيت إسرائيل” أو “آل إسرائيل” أو “بني إسرائيل”، وكثيرًا ما يختصرون التعبير فيقولون: “إسرائيل” فقط، والاسم العبري لفلسطين هو “إيرتس يسرائيل” أي “أرض إسرائيل”.
وبالرغم من أن تيودور هرتزل زعيم الصهيونية السياسية ورئيس المؤتمر الصهيوني العالمي الأول لم يتردد في تسمية كتابه المتضمن دعوته هذه (دولة اليهود) فإن الحركة الصهيونية آثرت وحرصت عند الكتابة عن فلسطين أن تسميها (أرض إسرائيل) حرصًا على تأكيد انتماء هذه الأرض إلى من يزعمون أنهم أسلافهم الأول، وهم أبناء يعقوب أو بنو إسرائيل.
وعندما أعلنت الصهيونية قيام دولتها في فلسطين في الخامس عشر من مايو عام 1948م أطلقت عليها اسم إسرائيل، وطبع هذا الاسم في الأعداد الأولى من الجريدة الرسمية والتي أطلقوا عليها أيضًا اسم إسرائيل.
ويحلل الدكتور رشاد الشامي (1997م) أسباب تفضيل الصهاينة استخدام هذا الاسم “دولة إسرائيل” لدولتهم بدلًا من الاسم الذي كان قد اختاره تيودور هرتزل وهو “دولة اليهود” منها ما يلي:
1- إيجاد تناسق بين اسم الدولة، والاسم العبري لفلسطين وهو “أرض إسرائيل”.
2- إيثار الصفة العنصرية الكامنة في اسم إسرائيل على الصفة الدينية في لفظة اليهود.
3- عدم الرغبة في التذكير بالحدود القديمة لمملكة يهودا البائدة التي لم تكن تشمل إلا القسم الجنوبي من فلسطين من دون ساحل البحر، مما يمثل قيدًا تاريخيًّا للمطامع التوسعية الاستعمارية للصهاينة الذي يريدون أن يضعوا تحت قبضتهم أوسع رقعة ممكنة من الوطن العربي.
وقد خلقت هذه التسمية عدة مشكلات حقيقية أمام رجال التشريع اليهود؛ حيث انتقلت صفة الإسرائيلي من الشعب (صفة مذكرة في العبرية) إلى الدولة (وهي صفة مؤنثة في العبرية)، وهو الانتقال الذي أدى إلى انطباق هذه الصفة على كل من يقيم داخل إسرائيل من العرب والمسلمين والمسيحيين، وأرغم السلطات الإسرائيلية على اعتماد هؤلاء العرب المقيمين فيها في عداد المواطنين الذين يتمتعون بالجنسية الإسرائيلية.
وذكر نيوبرجر تحديد الأصل التاريخي لكلمة صهيونية Zionism فيقرر أنها هي الكلمة التوراتية Zion التي غالبًا ما استخدمت كمرادف للقدس وأرض إسرائيل، ويضيف الكاتب الصهيوني أن الصهيونية أيديولوجية تعبر عن ” أشواق يهود العالم التي تركزت حول وطنهم التاريخي زيون أي أرض إسرائيل”. ويرى الكاتب نفسه كما يشير السيد ياسين في كتابه عن الأسطورة الصهيونية (2001م) أن أرض فلسطين كانت موطن الشعب اليهودي وهنا صيغت هويتهم الروحية والدينية والسياسية، هنا ظهروا لأول مرة كدولة، وخلقوا قيمهم الثقافية والتي لها دلالة قومية وعالمية.
ويحاول مؤرخو الصهيونية العالمية عبر كتاباتهم تأسيس الأسطورة الدينية والسياسية المؤكدة لظهور الصهيونية، فيقرروا أن فكرة الصهيونية كما يذكر السيد ياسين (2001م، ص ص 28 – 29) تعتمد على العلاقة بين الشعب اليهودي وأرضه، وهي صلة بدأت منذ حوالي 4000 سنة حين استقر إبراهيم في كنعان والتي عرفت فيما بعد بأرض إسرائيل، ومن هنا يمكن اعتبار أن مفهوم أرض إسرائيل بالنسبة للفكر اليهودي الموطن التاريخي للشعب اليهودي والاعتقاد بأن الحياة خارج هذه الأرض هي حياة مهجر لا أكثر، ومن الملفت للنظر أن كُتَّاب الصهيونية يعتبرون الصهيونية السياسية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي والتي ظهرت في القرن التاسع عشر في سياق القومية الليبرالية، ويمكن رصد بعض الإحداثيات المرتبطة بهذا الظهور الرسمي منها أن الصهيونية كفكر سياسي ظهر كرد فعل لفشل حركة التنوير اليهودية المعروفة بالهاسكلاه والتي حاولت حل مشكلة اليهود التاريخية، ومفاد هذا الظهور هو أن التحرر الشخصي والعدالة لا يمكن تحقيقهما؛ لأن المشكلات القومية لا تحلها سوى حلول قومية.
وأجهل ما يمكننا معرفته عن فكر مؤرخي الصهيونية هو ذاتية الصورة الذهنية؛ حيث إن تأكيدهم التاريخي والعقدي على وجود اليهود بفلسطين بشكل شرعي جعلهم يتغافلون الآخر تمامًا ويتناسون بصورة قصدية وعمدية وجود الشعب الفلسطيني على أرضه منذ آلاف السنين، هذا هو ما دفع بعض قادة إسرائيل عقب نكسة يونيو 1967م إلى الزعم بأنه لا يوجد شعب فلسطيني من الأساس.
لكن المثير للدهشة أنه رغم تشتت الفكر الصهيوني ما بين ديني متطرف ويميني معتدل وثالث علماني؛ إلا أنهم يشتركون جميعًا في وحدة الهدف وهو تدشين الصهيونية كفر سياسي وديني واجتماعي. ومن المحزن ونحن بصدد الحديث عن حركة الصهيونية أن نعلن بصراحة وكشف صادق بأن العرب فشلوا جميعًا في تحليل بقاء واستقرار المشروع الصهيوني بهذه القوة والامتداد!.
والمشكلة الحقيقية التي تواجه العربي وهو بصدد تفكيك مصطلح الصهيونية واليهودية أنه ينبغي أن يحدد بدقة كنه المصطلح لكي يصل إلى فهم أكثر لخصائص وسمات أي طائفة يهودية وأي شخص يهودي ينتمي لهذا الكيان الصهيوني.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية