أخبار عاجلة

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود مما خلقه في الأرض والسماء وما فيهما، خلقه الله ليعمر به ملكه وملكوته، وجعله خليفة عنه في أرضه، والخليفة في الأرض هو سيد مَن في الأرض ومَن في السماء، وجعل له ملك الأرض مقرًّا للإقامة ومستقرًّا له بعد موته، ثم ينشئه النشأة الثانية، فيمنحه الملك الكبير.

لذلك ابتلاه الله تعالى بأن سخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وصرَّفه تصريف الربوبية في المُلْك، فكل ما في المُلْك والمَلَكُوت مسخَّر له بإذنه تعالى.

السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

 بقية: مرحلة جديدة لإصلاح المجتمع بعد بعثة النبي

وصية أبي طالب ووفاته:

ثم جاء عام الحزن الذي فيه توفي أبو طالب والد الإمام عليّ كرم الله وجهه، وفي فراش الموت حيث اجتمع عنده سادةُ قريش أوصاهم وصية جامعة وحاسمة.

ذَكَرَ الصالحي في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال:

يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنْتُمْ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَقَلْبُ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تَتْرُكُوا لِلْعَرَبِ فِي الْمَآثِرِ نَصِيبًا إِلَّا أَحْرَزْتُمُوهُ، وَلَا شَرَفًا إِلَّا أَدْرَكْتُمُوهُ، فَلَكُمْ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ الْفَضِيلَةُ، وَلَهُمْ بِهِ إِلَيْكُمُ الْوَسِيلَةُ، وَالنَّاسُ لَكُمْ حَرْبٌ وَعَلَى حَرْبِكُمْ إِلْبٌ “أي: مجتمعون على عداوتكم”.

وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ فَإِنَّ فِيهَا مَرْضَاةً لِلرَّبِّ، وَقِوَامًا لِلْمَعَاشِ، وَثَبَاتًا لِلْوَطْأَةِ.

صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَا تَقْطَعُوهَا فَإِنَّ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ مِنْسَأَةً فِي الْأَجَلِ وَزِيَادَةً فِي الْعَدَدِ، وَاتْرُكُوا الْبَغْيَ وَالْعُقُوقَ فَفِيهِمَا هَلَكَتِ الْقُرُونُ قَبْلَكُمْ.

أَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَأَعْطُوا السَّائِلَ فَإِنَّ فِيهِمَا شَرَفَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ.

عَلَيْكُمْ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَإِنَّ فِيهِمَا مَحَبَّةً فِي الْخَاصِّ وَمَكْرَمَةً فِي الْعَامِّ.

وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِمُحَمَّدٍ خَيْرًا فَإِنَّهُ الْأَمِينُ فِي قُرَيْشٍ، وَالصِّدِّيقُ فِي الْعَرَبِ، وَهُوَ الْجَامِعُ لِكُلِّ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ .

وَايْمُ اللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى صَعَالِيكِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْبَرِّ فِي الْأَطْرَافِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النَّاسِ قَدْ أَجَابُوا دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَعَظَّمُوا أَمْرَهُ، فَخَاضَ بِهِمْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، فَصَارَتْ رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ وَصَنَادِيدُهَا أَذْنَابًا، وَدُورُهَا خَرَابًا، وَضِعَافُهَا أَرْبَابًا، وَأَعْظَمُهُمْ عَلَيْهِ أَحْوَجُهُمْ إِلَيْهِ، وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ أَحْظَاهُمْ عِنْدَهُ، قَدْ مَحَضَتْهُ الْعَرَبُ وِدَادَهَا، وَأَصْفَتْ لَهُ فُؤَادَهَا، وَأَعْطَتْهُ قِيَادَهَا.

دُونَكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ابْنَ أَبِيكُمْ كُونُوا لَهُ وُلَاةً، وَلِحَرْبِهِ حُمَاةً، وَاللَّهِ لَا يَسْلُكُ أَحَدٌ مِنْكُمْ سَبِيلَهُ إِلَّا رَشَدَ، وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ بِهَدْيِهِ إِلَّا سَعِدَ، وَلَوْ كَانَ لِنَفْسِي مُدَّةٌ وَلِأَجَلِي تَأْخِيرٌ لَكَفَيْتُ عَنْهُ الْهَزَاهِزَ؛ وَلَدَافَعْتُ عَنْهُ الدَّوَاهِيَ. ولم يلبث إلا أن توفي أبو طالب في العام العاشر من البعثـة،

بعدَ عشرِ سنوات من الدفاع عن رسول الله o.

وكانت القبائل العربية إذا مات فيها سيد أو عظيم يسمون عام موته بعام الحزن.

وفاة السيدة خديجة:

وفي العام ذاته توفيت السيدة خديجة B زوج رسول الله o، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: (أتى جبريلُ A إلى النبيِّ o فقال له: يا رسولَ اللهِ؛ هذه خديجةُ قد أتَتْ ومعها إناءٌ فيه طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أتتكَ فاقرأ عليها السلامَ مِن رَبِّهَا ومِنِّي، وبَشِّرْها ببيتٍ في الجنةِ مِن قصب، لا صخبَ فيه ولا نصب). فأخبر الرسول o السيدة خديجة بما قال جبريل فقالت: (اللهُ هُوَ السَّلامُ ومِنهُ السَّلامُ وعَلَى جبريلَ السَّلام).

ثم لازمت A فراش الوفاة، وفي رمضان من السنة العاشرة بعد البعثة فاضت رُوحها إلى بارئها، تحفها الرحمة، وقد لقيت ربها طاهرة راضية مرضية. فبكاها رسول الله o كما لم يبك أحدًا أبدًا، ثم قام فدفنها بالحجون.

فبوفاة السيدة خديجة والسيد أبي طالب في ذلك العام سُمِّي عام الحزن، وعلى أثر ذلك جدت أحداث في شأن الدعوة، وشهد ذلك العام بدايةَ تحول للدعوة الإسلامية، فقد اشتد العناد والإيذاء لرسول الله o.

نقطة تحول في الدعوة

بعد وفاة السيد أبي طالب والسيدة خديجة ظنت قريش أن ظهر رسول الله قد انكشف، وأن الدعوة في فناء، ولم يعلموا أن الله ناصره، وأن الدعوة ستقوى أكثر وأكثر بمرور الوقت، حيث بدأ سيدنا رسول الله o مرحلة جديدة خرج فيها بالدعوة إلى الأرجاء ويعلن كلمة الله بين القبائل الوافدة والعابرة.

قال ابن إسحاق: لما مات أبو طالب نالت قريشٌ من رسول الله o من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابًا، ودخل o بيته والترابُ على رأسه، فقامت إليه ابنته السيدة فاطمة B، فجعلت تغسلُ عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله o يقول لها: (لَا تَبكِى يا بُنَيَّة، فإنَّ اللهَ مانعٌ أبَاكِ).

بدأ رسول الله o يعلن الإسلام خارج مكة، فذهب إلى الطائف لكنهم آذوه إيذاء شديدًا، وعرض الإسلام على القبائل، وكان الإمام عليّ ملازمًا لرسول الله o، قال الإمام عليّ كرّم الله وجهه: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر. “البداية والنهاية – دلائل النبوة للبيهقي”.

وتمت بيعة العقبة الأولى والثانية، التي بايع فيها قوم من يثرب رسول الله o على الإسلام، وبهذا بدأ رسول الله يعد يثرب – دار هجرته – لتكون مستقرًّا له ومنطلقًا للدعوة الإسلامية.

ثم بدأ المسلمون الهجرة إلى يثرب، وبقي في مكة سيدنا رسول الله o وزوجته السيدة سودة بنت زمعة 1 التي تزوجها بعد وفاة السيدة خديجة B، كما بقي الإمام عليّ والسيدة فاطمة الزهراء والسيدة أم كلثوم D وسيدنا أبو بكر الصديق 0، وكان أبو بكر يستأذن رسول الله o في الهجرة فيقول له رسول الله o: (لا تَعْجلْ لَعَلَّ اللهَ يجعل لكَ صاحبًا)، فيطمع أبو بكر أن يكونه.

المؤامرة والهجرة

ولا زالوا كذلك حتى ائتمرت قريش في دار الندوة على أن يقضوا على سيدنا رسول الله o، وعندها أذن لرسول الله o بالهجرة إلى المدينة، فأخبر رسول الله o أبا بكر أنه سيكون صاحبَه في سفره، فبكى أبو بكر فرحًا بصحبة رسول الله o.

أما الإمام عليّ فقد أقامه مقام نفسه يرد أمانات الناس، وأمره أن بيت في فراشه، فكان منه أعظم الفداء، قال له رسول الله o: (نَمْ عَلَى فِرَاشِي، وتَسَجَّ ببردِي هذا الحضرميّ الأخضر، فنَمْ فيه، فإنه لن يخلُصَ إليك شيءٌ تكرهه منهم).”ابن هشام – فتح الباري”.

وفي مبيته في فراش رسول الله إشارة، أنه لم يحظ بهذا الشرف إلا من استحقه، وهو الإمام عليّ، وقد كان الإمام عليّ يبيت في فراش رسول الله o في شعب أبي طالب حين المقاطعة، حتى لا يغتال أحدٌ رسول الله o، كما نال الإمام عليّ الشرف في أن ينام أيضًا في فراشه o عند الهجرة ليفتدي رسول الله o بنفسه.

وها هو الإمام عليّ علَى فراش الرسول o مسجى ببرده الأخضر، وقد أحاط المشركون بالدار، إذ يسمع أصواتهم كأنها طنين نحل، وليس بمستبعد أن يأخذوا الفادِي الحاضر بالمفتدَى المهاجر، لكنه كان صافي الذهن، لم يطف بعينه نوم، وأولئك القوم عُمْي القلوبِ والبصائر، لم يلبثوا حتى فقدوا أيضًا حدة البصر، فاخترق رسول الله o جمعهم.

وكان عليّ في مرقده واجف القلب إشفاقًا على الرسول، فأخذ o حفنة من التراب في يده فجعل ينثره على رؤوسهم وهو يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس: 9)، وحقت كلمة الله، فلم يره منهم أحد، واطمأن قلب الإمام عليّ، وسكنت نفسه سرورًا لنجاة رسول الله o.

ثم إن الواقفين على باب الدار تسوروا على الإمام عليّ، ودخلوا شاهرين سيوفهم، فثار في وجههم الإمام عليّ فعرفوه، وقالوا: هو أنت؟!، أين صاحبك؟!، فقال: لا أدري، فخرجوا عنه وتركوه ولم يصل إليه من مكرهم شيء، وحفظه الله بعنايته وتولاه برعايته في ليلته.

ذكر الزبيدي في كتابه “إتحاف السادة المتقين”: أوحى الله إلى جبريل وميكائيل: إني قد آخيتُ بينكما، وجعلتُ عمر أحدِكما أطولَ من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبَه بالحياة؟، فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثلَ عليّ بن أبي طالب؟، آخيت بينه وبين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه, فنزلا، فكان جبريل عند رأسه، وميكائيل عند رجله, فقال جبريل: بخ بخ مَن مثلك يا عليّ فقد باهي اللهُ بك ملائكتَه، ونزل قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207).

وأقام الإمام عليّ ثلاثة أيام في مكة، وكان يظهر ما تغيب يومًا واحدًا، فلما أيقن أنه قد أنفذ ما أوصاه به رسول الله o ورَدّ للناس ودائعهم؛ خرج ومعه الفواطم وبعض المستضعفين، وجعل يتبع طريق رسول الله o إلى يثرب يسبقه شوقه، ولم يكن له مركب ولا ظهر إبل، وإنما سخر قدميه، وأمعن بهما في الرمال.

وظل في رحلته أربع عشرة ليلة، حتى وصل إلى رسول الله o، فلما رآه رسول الله o احتضنه، بينما كان الإمام عليّ يشكو ألم قدميه؛ وإذ برسول الله o يمسحهما بيديه فيبرءا لوقتهما، فلم يَشْكُ الإمامُ عليّ بهما بعد ذلك إلى أن استشهد A.

يقول الإمام أبو العزائم في كتابه: “النجاة في سيرة سيدنا رسول الله”: إن الإمام عليًّا بنومه في فراش النبي o يكون هو أول من باع نفسه في الله، ووقى بها رسول الله o، وهذا مما يَشهد له كرم الله وجهه بقوة جَنانه، وثبات أركانه، وتمييزه على نظرائه وأقرانه؛ من أبطال الحرب وشجعانه.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

في ذكرى ميلاد المجدد الثاني.. ما خصائص مدرسة الإمام جعفر الصادق؟

لَمْ تَمْضِ فَتْرَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ زَوَاجِ السَّيِّدَةِ (أُمِّ فَرْوَةَ) بالإمَامِ مُحَمَّدٍ البَاقِرِ A؛ حتَّى حَمَلَتْ، …