السيد علاء أبو العزائم
شيخ الطريقة العزمية
ورئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية
رسالة الموازنة في فهم المواطنة (2)
في زمن يتسارع فيه الصراع الإقليمي، يبرز بوضوح مخطط تفتيتي يستهدف دول المنطقة العربية والعالم الإسلامي، يعتمد على استغلال أي تنوع فكري أو ديني أو طائفي أو عرقي لزعزعة الأمن والاستقرار.
هذا المخطط ليس جديدًا، بل هو امتداد لإستراتيجيات استعمارية قديمة تهدف إلى تقسيم الدول إلى كيانات صغيرة ضعيفة، لصالح الكيان الصهيوني الذي يجد في الفرقة الاسمية ضمانًا لأمنه وتوسعه، فالعدو لا يقاتلنا بالسلاح فقط، بل يزرع الفتن بيننا ليحقق ما عجز عنه في ساحات المعارك.
تحدثنا اللقاء الماضي أن العدو يحاول زرع الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في مصر، وبيَّنَّا تاريخ التضامن والبطولات المشتركة بين المسلمين والمسيحيين، وقمنا بالرد على بعض الشبهات التي تثار حول العلاقة بينهما.
بيَّنَّا أن نصوص الدين ليست مجرد أحكام فقهية، بل هي دستور للمواطنة في الإسلام، فالاختلاف في العقيدة لا يبرر الظلم أو الاضطهاد.
الموازنة في المواطنة
في قلب مفهوم المواطنة يقع التوازن الدقيق بين الحقوق التي تكفلها الدولة لكل فرد، والواجبات التي يلتزم بها المواطن تجاه وطنه ومجتمعه.
هذا التوازن ليس مجرد نصوص قانونية جافة، بل هو أساس الوحدة الوطنية في مصر، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون معًا كإخوة في الوطن الواحد.
دستور جمهورية مصر العربية لعام 2014م (المعدل عام 2019م) يؤكد في ديباجته ومواده أن النظام الجمهوري الديمقراطي يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون، ويضمن المساواة التامة بين المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو العقيدة أو أي عامل آخر.
هذه المساواة ليست شعارًا سياسيًّا، بل التزامًا دستوريًّا يحمي الجميع، مسلمين ومسيحيين، ويمنع أي محاولة للوقيعة أو التمييز التي يروج لها البعض من الإخوان أو السلفية المتطرفة أو العلمانية المتشددة.
حقوق وواجبات المواطن المصري:
يبدأ حق المواطنة بالمساواة أمام القانون، كما نصت المادة 53 من الدستور صراحة: «المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر».
هذا النص يعني عمليًّا أن المواطن المسيحي له نفس الحقوق التي للمواطن المسلم في كل المجالات: في التعليم والعمل والصحة والمشاركة السياسية، ولا يحق لأحد أن يحرم الآخر من فرصة بسبب دينه، ولا يجوز للدولة أو المجتمع أن يفرض تمييزًا إيجابيًّا أو سلبيًّا يخل بالتوازن.
من أبرز الحقوق الشخصية: حق الحياة الكريمة والحرية الشخصية، وحرمة الحياة الخاصة، كما في المواد 51 إلى 55 من الدستور.
يحظر الدستور الاعتداء على حرية المواطن أو حرمة مسكنه أو مراسلاته أو خصوصيته، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًّا، كما يضمن الدستور حرية العبادة والاعتقاد (المادة 64)، فكل مواطن له الحق في ممارسة شعائر دينه دون إكراه أو اضطهاد، مع احترام النظام العام. هذا الحق يعكس تمامًا توجيه الإسلام في قوله تعالى: )لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( [البقرة: 256]، ويمنع أي فئة من استخدام الدين لتضييق على الآخر.
أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فهي عماد الحياة الكريمة، فالعمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة (المادة 12)، ويحظر الإجبار على العمل إلا في إطار الخدمة العامة.
والوظائف العامة حق لكل مواطن على أساس الكفاءة دون محاباة أو تمييز (المادة 14)، كذلك يضمن الدستور الحق في التعليم (المادة 19) بجودة عالمية، والحق في الصحة (المادة 18) برفع جودة الخدمات وعدالة توزيعها جغرافيًّا.
أما الحق في الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي (المادة 17)، فهو يشمل كل مواطن يعاني من الفقر أو البطالة أو العجز، سواء كان مسلمًا في قرية صعيدية أو مسيحيًّا في حي شعبي بالقاهرة.
هذه الحقوق تترجم إلى واقع ملموس: المواطن المسيحي يحق له الترقي في الوظائف العامة أو الترشح للبرلمان أو تولي مناصب قيادية.
ولا ننسى الحقوق السياسية والثقافية، فمشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاء (المادة 87)، وهذا يعني أن المواطن المسيحي له حق كامل في تشكيل الأحزاب أو الترشح للرئاسة أو العضوية في المجالس النيابية، دون أي قيد ديني، كما يحق له التمتع بالثقافة والإعلام والفنون (المادة 48)، والحق في بيئة صحية نظيفة (المادة 46).
هذه الحقوق جميعها مشتركة، وتؤكد أن المواطنة ليست مجرد جنسية ورقية، بل انتماء حقيقي يمنح كل مصري – مسلمًا كان أو مسيحيًّا – كرامة وعزة وفرصًا متساوية.
مقابل هذه الحقوق تأتي الواجبات، فالمواطنة علاقة تبادلية.
وأول الواجبات: الولاء للوطن والدفاع عنه، فالدستور يعتبر الدفاع عن الوطن واجبًا مقدسًا (المادة 87 ضمن السياق العام)، ويفرض الخدمة العسكرية على الذكور.
هذا الواجب مشترك: المواطن المسلم والمسيحي يدافعان معًا عن مصر، ولا يجوز لأحد أن يتهرب من هذا الواجب بحجة دينية، فالإسلام نفسه يأمر بالدفاع عن الأرض التي يعيش فيها المسلم مع غيره.
ثانيًا: احترام القانون والنظام العام، فكل مواطن ملتزم بطاعة القوانين واللوائح، ودفع الضرائب والرسوم المقررة، فهذه هي مصادر تمويل الحقوق الاجتماعية للجميع.
الدستور يجعل احترام الدستور والقانون شرطًا أساسيًّا لممارسة الحقوق (كما في يمين الوزراء والرئيس)، وهذا الواجب يمنع الفوضى، ويضمن أن يستفيد كل مواطن من حقوق الآخرين.
ثالثًا: المشاركة الإيجابية في التنمية الوطنية، فالدستور يعتبر المشاركة في الحياة العامة واجبًا وطنيًّا، سواء بالتصويت أو العمل التطوعي أو المساهمة في المشروعات القومية، كما يفرض الواجب بالحفاظ على الممتلكات العامة والمحافظة على البيئة والتراث. في السياق الإسلامي، يأمر الدين بالتعاون على البر والتقوى، ويحرم الإفساد في الأرض، سواء كان إفسادًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا.
رابعًا: الالتزام بالقيم الأخلاقية والاجتماعية، فالدستور يجعل الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية (المادة 10)، ويحمي المرأة والطفل والمسن. هذا يعني أن كل مواطن – مسلمًا أو مسيحيًّا – ملتزم بتربية أبنائه على قيم الولاء والتسامح، ومنع أي سلوك يهدد الوحدة الوطنية.
يؤكد الإسلام هذا التوازن تمامًا، فالنبي J أمر بمعاملة أهل الذمة بالعدل، ونهى عن الاعتداء عليهم، كما في حديث: (من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا خصمه يوم القيامة) (رواه أبو داود).
هكذا تكون المواطنة في الإسلام: حقوق متساوية في الحماية والعدالة، وواجبات مشتركة في الدفاع والولاء.
في مصر، هذا التوازن واقع معاش، فالمواطن المسيحي يدفع الضرائب كالمسلم، ويتمتع بحقوق متساوية، ويشارك في الدفاع عن الوطن.
أي محاولة لتضييق الحقوق باسم «الاختلاف العقدي» مرفوضة دستوريًّا وشرعيًّا؛ لأن العقيدة لا تنفي المواطنة، بل تثريها بالتسامح.
دور ثالوث التفريق
في خدمة الأعداء
في قلب مصر، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون منذ قرون كإخوة في الوطن الواحد، تبرز ثلاث قوى سياسية وفكرية تعمل على تقويض الوحدة الوطنية:
الإخوان المسلمون، والسلفية، والعلمانية.
هذه الفئات الثلاث، رغم اختلاف مشاربها، تشترك في إثارة الفتنة الطائفية أو الاجتماعية التي تُضعف تماسك المجتمع المصري. فالإخوان: من خلال الإجرام المباشر والاعتداءات على الكنائس والمسيحيين. والسلفية: من خلال الفتاوى التي تُبيح التمييز وتُحرّم التسامح. والعلمانية: من خلال محاربة الأديان ونشر أفكار تهدم القيم والأخلاقيات الدينية.
ونقدم ذلك للشعب المصري – مسلمين ومسيحيين – لتكون هناك حالة من الوعي أمام المخططات التي تستهدف وحدتهم، وإلى تفصيل ذلك:
الإخوان.. الإجرام المنظم
بدأ دور الإخوان في تقويض الوحدة الوطنية يتجلى بوضوح خلال فترة حكم محمد مرسي (2012-2013م)، ثم تفجر بعد عزله في 3 يوليو 2013م.
لم يكن الأمر مجرد خلاف سياسي، بل حملة انتقامية مباشرة ضد المسيحيين الذين اتهمهم الإخوان بدعم «الانقلاب».
في 14 أغسطس 2013م، بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، شن أنصار الإخوان هجمات منظمة على الكنائس والممتلكات المسيحية في محافظات متعددة مثل المنيا وأسيوط والفيوم والجيزة والسويس وسوهاج وبني سويف وشمال سيناء.
وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن المهاجمين أحرقوا أو دمروا 37 كنيسة على الأقل، واستهدفوا عشرات المؤسسات المسيحية الأخرى، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل.
في المنيا وحدها، سُجلت أكثر من ست هجمات في أسابيع قليلة قبل ذلك.
أفاد تقرير لمنظمات حقوق الإنسان بأن أكثر من 66 مبنى مسيحيًّا تعرض للتدمير، منها 49 كنيسة، كما أحرقت كنائس في بني سويف وسوهاج، وأُلقيت أعلام القاعدة على بعضها.
لم تكن هذه الهجمات عفوية؛ بل سبقتها خطابات طائفية في اعتصامي رابعة والنهضة، حيث اتهم خطباء الإخوان الأقباط بـ«المؤامرة» ضد مرسي.
حتى بعد الحادث، أصدر بعض قادة الإخوان بيانات إدانة شكلية، لكن الواقع يظهر أن التنظيم استغل الغضب السياسي ليحول المسيحيين إلى كبش فداء
قبل ذلك، في أبريل 2013م، هاجمت مجموعات من أنصار الإخوان كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في العباسية، وهي المرة الأولى التي يُستهدف فيها مقر البطريركية بهذا الشكل.
هذه الجرائم ليست حادثة معزولة؛ فتاريخ الإخوان يشهد على توظيف الطائفية للاستقطاب السياسي.
في السبعينيات والثمانينيات، شاركت مجموعات متفرعة عن الإخوان في هجمات على المسيحيين.
النتيجة: كانت زعزعة الثقة بين المكونين الرئيسيين للشعب المصري، وإضعاف الجبهة الداخلية أمام أي تهديد خارجي.
الإخوان، بهذه الأفعال، لم يهاجموا المسيحيين فقط، بل هاجموا فكرة «مصر للمصريين» التي بناها الأجداد في ثورة 1919م.
السلفية.. الفتاوى التي تزرع الكراهية
أما السلفية، فدورها في تقويض الوحدة يأتي عبر الفتاوى المتطرفة التي تُبث على الفضائيات والمنابر، وتُحوّل الاختلاف العقدي إلى عداء اجتماعي.
أحد أبرز الدعاة السلفيين أصدر فتوى تحرم على سائقي التاكسي والحافلات المسلمين نقل الكهنة الأقباط إلى كنائسهم.
فتاوى أخرى كفرت المسيحيين أو أباحت التمييز ضدهم، كما صدرت فتاوى تُحرّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وتطالب بفرض الجزية «برؤوس منكسرة»،.
كما أفتى بعضهم بمنع بناء الكنائس أو إصلاحها، وبحظر السلام على الأقباط أو التهنئة بعيدهم.
هذه الفتاوى ليست مجرد آراء فقهية؛ بل أدت إلى حوادث ميدانية. فأكثر من مرة منع سلفيون ترميم كنيسة وطالبوا بإزالة القباب والصلبان.
في قرى الصعيد، أدت مثل هذه الخطابات إلى حصار كنائس أو منع صلوات في منازل.
القنوات التلفزيونية السلفية روّجت لفكرة أن المسيحيين «صليبيون» أو «كفار»، مما غذى التوترات الطائفية.
السلفية، بهذه الفتاوى، تحول الإسلام من دين رحمة إلى أداة للتمييز، وتُضعف الوحدة الوطنية خدمة لأعداء الأمة.
النتيجة: مجتمع مشتت، ينظر بعضه إلى بعض بعين الريبة، بدلًا من التعاون في بناء الوطن.
العلمانية.. محاربة الأديان وتفكيك القيم
العلمانية، في صورتها المتطرفة في مصر، لا تكتفي بفصل الدين عن الدولة، بل تتحول إلى حملة منظمة لمحاربة الأديان ونشر أفكار تهدم القيم الدينية والأخلاقية.
بعض المثقفين والناشطين العلمانيين يروّجون للإلحاد، ويُسخرون من الثوابت الدينية للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، معتبرين الدين «سبب التخلف».
يدعون إلى «زواج مدني» يتجاوز الأحكام الشرعية والكنسية، ويُروّجون لقيم غربية مثل: الشذوذ الجنسي والإجهاض والمساكنة والحرية المطلقة في العلاقات، مما يُصدم القيم الأسرية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين.
في وسائل التواصل والصحافة، يُقدمون الدين كـ «أفيون الشعوب»، ويُهاجمون الكنيسة والأزهر معًا بتهمة «الرجعية».
هذا الخطاب يُثير غضب الغالبية الدينية، فيُتهم المسيحيون أحيانًا بـ«التواطؤ» مع العلمانيين، أو يُنظر إلى المسلمين كـ«متطرفين» إذا دافعوا عن معتقداتهم.
النتيجة: تفكك اجتماعي، حيث يفقد الشباب الثقة في الدين كمصدر للأخلاق، ويُصبح المجتمع عرضة للانقسام بين «متدينين» و«علمانيين».
العلمانية، بهذا، لا تبني دولة محايدة، بل تُهدم الرابط الروحي الذي يجمع المصريين – المسلم والمسيحي – في قيم مشتركة مثل العفة والأسرة والوطنية، فهي تُمهد لفراغ قيمي يستغله المتطرفون من الجانب الآخر، ويساعد أعداء الوطن على تقسيمه.
دعوة للتكاتف
أيها المصريون، مسلمين ومسيحيين، إن فهم حقوقكم وواجباتكم بهذا التفصيل يحميكم من الفتنة، ولا تدعوا أحدًا يقنعكم بأن المواطنة «درجات» حسب الدين.
الدستور والإسلام يقولان: حقوق واحدة، وواجبات واحدة، فمارسوا حقوقكم بالمشاركة، وأدوا واجباتكم بالولاء، فبهذا نبني مصر قوية موحدة، لا تُقسم ولا تُفتت.
لنحافظ على وحدتنا كما حافظ عليها أجدادنا في 1919م و1973م، فمصر ليست للمسلمين فقط، ولا للمسيحيين فقط؛ مصر للمصريين جميعًا.
إن وقفنا صفًّا واحدًا، فلن ينال منا عدو، ولن يفلح مخططه لتفتيت الوطن، فالوحدة قوة، والفرقة هزيمة.
والآن.. الوحدة هي أعظم حق، والتكاتف أسمى واجب.
وإلى المقال المقبل لبيان دور الطريقة العزمية منذ عهد الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم 0 وحتى الآن في لم شمل الشعب المصري، وتقليل الفجوة بين المسلمين والمسيحيين؛ حتى لا يدخل منها العدو.
وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وسلم.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية