لَمْ تَمْضِ فَتْرَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ زَوَاجِ السَّيِّدَةِ (أُمِّ فَرْوَةَ) بالإمَامِ مُحَمَّدٍ البَاقِرِ A؛ حتَّى حَمَلَتْ، وعَمَّتِ البُشْرَى أفْرَادَ الأُسْرَةِ العَلَوِيَّةِ، وتَطَلَّعُوا إلى المَوْلُودِ العَظِيمِ تطَلُّعَهُمْ لِمَشْرِقِ الشَّمْسِ، ولَمَّا أشْرَقَتِ الأرْضُ بوِلادَةِ المَوْلُودِ المُبَارَكِ لثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمَانِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، سَارَعَتِ القَابِلَةُ لتَزُفَّ البُشْرَى إلى أبِيهِ فَلَمْ تَجِدْهُ في البَيْتِ، وإنَّمَا وَجَدَتْ جَدَّهُ الإمَامَ زَيْنَ العَابِدِينَ A، فهَنَّأَتْهُ بالمَوْلُودِ الجَدِيدِ..
الدكتور عبدالحليم العزمي
الأمين العام للاتحاد العالمي للطرق الصوفية
في ذكرى ميلاد المجدد الثاني..
ما خصائص مدرسة الإمام جعفر الصادق عليه السلام؟
لَمْ تَمْضِ فَتْرَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ زَوَاجِ السَّيِّدَةِ (أُمِّ فَرْوَةَ) بالإمَامِ مُحَمَّدٍ البَاقِرِ A؛ حتَّى حَمَلَتْ، وعَمَّتِ البُشْرَى أفْرَادَ الأُسْرَةِ العَلَوِيَّةِ، وتَطَلَّعُوا إلى المَوْلُودِ العَظِيمِ تطَلُّعَهُمْ لِمَشْرِقِ الشَّمْسِ، ولَمَّا أشْرَقَتِ الأرْضُ بوِلادَةِ المَوْلُودِ المُبَارَكِ لثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمَانِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، سَارَعَتِ القَابِلَةُ لتَزُفَّ البُشْرَى إلى أبِيهِ فَلَمْ تَجِدْهُ في البَيْتِ، وإنَّمَا وَجَدَتْ جَدَّهُ الإمَامَ زَيْنَ العَابِدِينَ A، فهَنَّأَتْهُ بالمَوْلُودِ الجَدِيدِ.
وغَمَرَتِ الإمَامَ زَيْنَ العَابِدِينَ مَوْجَاتٌ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ؛ لأنَّهُ عَلِمَ أنَّ هذا الوَلِيدَ سَيُجَدِّدُ مَعَالِمَ الدِّينَ، ويُحْيِيِ سُنَّةَ جَدِّهِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ o، ولأنَّهُ سَيَكُونَ هُوَ الإمَامُ المُجَدِّدُ للقَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ بَعْدَ جَدِّهِ الإمَامِ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ الإمَامِ المُجَدِّدِ للقَرْنِ الأوَّلِ الهِجْرِيِّ.
وأخْبَرَتْهُ القَابِلَةُ بأنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ زَرْقَاوَيْنِ جَمِيلَتَيْنِ، فتَبَسَّمَ الإمَامُ زَيْنُ العَابِدِينَ وقَالَ: (إنَّهُ يُشْبِهُ عَيْنَيْ وَالِدَتِي).
وبَادَرَ الإمَامُ إلى الحُجْرَةِ فتَنَاوَلَ حَفِيدَهُ فقَبَّلَهُ، وأجْرَى علَيْهِ أَحْكَامَ الوِلادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فأذَّنَ في أُذُنِهِ اليُمْنَى، وأقَامَ في اليُسْرَى، وقَدْ غَذَّاهُ بهَذِهِ الكَلِمَاتِ التي هِيَ سِرُّ الوُجُودِ؛ لِتَكُونَ أُنْشُودَتَهُ في مُسْتَقْبَلِ حَيَاتِهِ.
وَاصَلَ الإمَامُ الصَّادِقُ A تَطْوِيرَهُ لجَامِعَةِ أهْلِ البَيْتِ التي أسَّسَهَا الأئِمَّةُ مِنْ قَبْلِهِ، وانْتَقَلَ بِهَا إلى آفَاقٍ أرْحَبَ، فاسْتَقْطَبَتِ الجَمَاهِيرَ مِنْ مُخْتَلَفَ ِالبِلادِ الإسْلامِيَّةِ؛ لأنَّهَا قَدْ لَبَّتِ الرَّغْبَةَ في نُفُوسِهِمْ، وسَعَتْ لِمِلْءِ الفَرَاغِ الذي كَانَتْ تُعَانِيهِ الأُمَّةُ آنَذَاكَ.. فماذا فعل؟
خَصَائِصُ المَدْرَسَةِ العِلْمِيَّةِ للإمَامِ الصَّادِقِ A
أوَّلاً: من مَمَيِّزَاتِ مَدَرَسَةِ الإمَامِ الصَّادِقِ واخْتِلافِهَا عَنْ بَاقِي المَدَارِسِ أنَّهَا لَمْ تَنْغَلِقْ في المَعْرِفَةِ علَى خُصُوصِ العَنَاصِرِ المُوَالِيَةِ لأهْلِ البَيْتِ، وإنَّمَا انْفَتَحَتْ لتَضُمَّ طُلَّابَ العِلْمِ مِنْ مُخْتَلَفِ الاتِّجَاهَاتِ، والمَوَاقِفُ التي وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أبي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ تُؤَكِّدُ هذَا المَعْنَى.
ثَانِيًا: انْفَتَحَتْ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ علَى مُخْتَلَفِ فُرُوعِ المَعْرِفَةِ الإسْلَامِيَّةِ والإنْسَانِيَّةِ، فاهْتَمَّتْ بالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والفِقْهِ والتَّأْرِيخِ والأُصُولِ والعَقِيدَةِ والكَلامِ والفَلْسَفَةِ الإسْلاَمِيَّةِ، كمَا اهْتَمَّتْ بعُلُومٍ أُخْرَى مِثْلِ: عِلْمِ الفَلَكِ، والطِّبِّ، والحَيَوَانِ، والنَّبَاتِ، والكِيمْيَاءِ، والفِيزْيَاءِ.
ثَالِثًا: لَمْ تَتَّخِذْ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ طَابِعَ الانْتِمَاءِ إلى الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ أوِ العَبَّاسِيَّةِ، ولَمْ تتَلَوَّثْ بسِيَاسَةِ الحَاكِمِينَ، ولَمْ تَكُنْ أدَاةً لخِدْمَةِ الحُكَّامِ، بل رَأَتِ الأُمَّةُ أنَّ هذهِ المَدْرَسَةَ هي التي تُحَقِّقُ لَهَا تَطَلُّعَاتِهَا، خُصُوصًا أنَّ علَى رَأْسِهَا وَارِثَ النَّبِيِّ وعِمْلاقَ الدَّعْوَةِ الإسْلَامِيَّةِ الإمَامَ أبَا عَبْدِ اللهِ جَعْفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ A، المَعْرُوفَ بمَوَاقِفِهِ واسْتِقَامَتِهِ؛ حتَّى لُقِّبَ بالصَّادِقِ لسُمُوِّ أخْلاقِهِ، وعَدَمِ مُسَاوَمَتِهِ وخُضُوعِهِ لسِيَاسَةِ الحُكَّامِ المُنْحَرِفِينَ.
مِنْ هُنَا شَكَّلَتْ مَدْرَسَتُهُ حِصْنًا سِيَاسِيًّا وفِكْرِيًّا يَلُوذُ بهِ طُلَّابُ الحَقِيقَةِ، ومَنْ كَانَ يَشْعُرُ بالمَسْؤُولِيَّةِ، ويُرِيدُ التَّخَلُّصَ مِنَ التِّيهِ الذي خَلَّفَتْهُ التَّيَّارَاتُ الفِكْرِيَّةُ والسِّيَاسِيَّةُ المُتَضَارِبَةُ في أهْدَافِهَا ومَسَارَاتِهَا.
رَابِعًا: تمَيَّزَتْ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ بمَنْهَجِهَا السَّلِيمِ وعُمْقِهَا الفِكْرِيِّ، ولَمْ تَكُنْ أُطْرُوحَتُهَا في الإعْدَادِ العِلْمِيِّ مُبْتَنِيَةً علَى حَشْوِ الذِّهْنِ، وإنَّمَا كَانَتْ تَعْتَمِدُ الفِكْرَ والتَّعَمُّقَ والأصَالَةَ، ونُمُوَّ الكَفَاءَاتِ العِلْمِيَّةِ، وتَعْتَبِرُهَا مُهِمَّةً في المَنْهَجِ العِلْمِيِّ والتَّرْبَوِيِّ.
خَامِسًا: أنْتَجَتْ هذهِ المَدْرَسَةُ رُمُوزًا للعِلْمِ والتَّقْوَى والاسْتِقَامَةِ، وعُرِفَتْ بالعَطَاءِ العِلْمِيِّ والدِّينِيِّ للأُمَّةِ، وبِمَا أبْدَعَتْهُ في تخَصُّصَاتِهَا العِلْمِيَّةِ، وما حَقَّقَتْهُ مِنْ إنْجَازَاتٍ علَى صَعِيدِ الدَّعْوَةِ والإصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وأصْبَحَ الانْتِسَابُ إلى مَدْرَسَةِ الإمَامِ الصَّادِقِ مَفْخَرَةً للمُنْتَسِبِينَ، كمَا نَاهَزَ عَدَدُ طُلَّابِهَا الأرْبَعَةَ آلافٍ كُلُّهُمْ يقُولُ: قَالَ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ، واتَّسَعَتْ هذهِ المَدْرَسَةُ فِيمَا بَعْدُ، وشَكَّلَتْ عِدَّةَ فُرُوعٍ لهَا في الكُوفَةِ، والبَصْرَةِ، وقُمٍّ، ومِصْرَ.
سَادِسًا: لَمْ يَجْعَلِ الإمَامُ الصَّادِقُ مِنْ جَامِعَتِهِ العِلْمِيَّةِ والجُهْدِ المَبْذُولِ فِيهَا نَشَاطًا مُنْفَصِلًا عَنْ حَرَكَتِهِ التَّغْيِيرِيَّةِ وأنْشِطَتِهِ الأُخْرَى، بَلْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ بَرْنَامَجِهِ الإصْلَاحِيِّ؛ لأنَّهَا كَانَتْ تُسَاهِمُ بحَقٍّ في خَلْقِ المَنَاخِ المُنَاسِبِ لبِنَاءِ الفَرْدِ الصَّالِحِ، وكانت امْتِدَادًا وَاعِيًا ومُؤَثِّرًا في المَسِيرَةِ العَامَّةِ للأُمَّةِ، فَضْلًا عَنِ النَّتَائِجِ السِّيَاسِيَّةِ الإيجَابِيَّةِ الخَاصَّةِ، حَيْثُ نَجِدُ الكَادِرَ العِلْمِيَّ الحَاضِرَ في مَدْرَسَةِ الإمَامِ الصَّادِقِ هُوَ نَفْسُهُ الذي يَحْضُرُ نَشَاطَاتِ الإمَامِ الخَاصَّةِ.
سَابِعًا: تمَيَّزَتْ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ بالارْتِبَاطِ المُبَاشِرِ بمَصْدَرَيِ التَّشْرِيعِ والمَعْرِفَةِ وهُمَا: الكِتَابُ الكَرِيمُ، والسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ بنَحْوٍ لا مَثِيلَ لَهُ، حَيْثُ حَرِصَ الإمَامُ عَلَى تَدْوِينِ الحَدِيثِ والحِفَاظِ علَى مَضْمُونِهِ، ولَمْ يَسْتَجِبْ لقَرَارِ المَنْعِ مِنَ التَّدْوِينِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ لِكُلِّ الشِّعَارَاتِ التي رُفِعَتْ لتَجْعَلَ الهَدَفَ مِنْ حَظْرِ تَدْوِينِ الحَدِيثِ هُوَ الحِفَاظُ علَى القُرْآنِ، وسَلامَتُهُ مِنَ التَّحْرِيفِ، بينمَا كانَ الهَدَفُ البَعِيدُ من مَنْعِ تَدْوِينِ الحَدِيثِ هُوَ تَغْيِيبُ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الذي كانَ يُؤَكِّدُ رَبْطَ الأُمَّةِ بأهْلِ البَيْتِ D؛ لأنَّ ظُهُورَ الحَدِيثِ يَحُولُ بَيْنَ الأُمَّةِ وبَيْنَ الانْسِيَاقِ وَرَاءَ كُلِّ نَاعِقٍ سِيَاسِيٍّ أوْ حَاكِمٍ جَائِرٍ.
يَقُولُ الإمَامُ الصَّادِقُ: (… أمَا واللهِ إنَّ عِنْدَنَا مَا لا نَحْتَاجُ إلى أحَدٍ، والنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَيْنَا، إنَّ عِنْدَنَا الصَّحِيفَةَ بإمْلاءِ رَسُولِ اللهِ o، وخَطِّ عَلِيٍّ، طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا، فِيهَا كُلُّ حَلالٍ وحَرَامٍ)([1]).
ثَامِنًا: تَمَيَّزَتْ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ بالاهْتِمَامِ بالتَّدْوِينِ بشَكْلٍ عَامٍّ، بَلْ ومُدَارَسَةِ العِلْمِ لإنْمَائِهِ وإثْرَائِهِ، فكَانَ A يَأْمُرُ طُلَّابَهُ بالكِتَابَةِ، ويُؤَكِّدُ لَهُمْ ضَرُورَةَ ذَلِكَ، فيَقُولُ: (احْتَفِظُوا بكُتُبِكُمْ؛ فإنَّكُمْ سَوْفَ تَحْتَاجُونَ إلَيْهَا)([2]).
وكانَ يُشِيدُ بنَشَاطِ زُرَارَةَ الحَدِيثِيِّ إذْ كانَ يَقُولُ: (رَحِمَ اللهُ زُرَارَةَ بنَ أعْيَنَ، لَوْلَا زُرَارَةُ لانْدَرَسَتْ أحَادِيثُ أبِي)، وقالَ فِيهِ وفي جَمَاعَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ مِنْهُمْ: أبُو بَصِيرٍ، ومُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ، وبُرَيْدٌ العَجْلِيُّ: (لَوْلا هَؤُلاِء ما كَانَ أحَدٌ يَسْتَنْبِطُ هذا الفِقْهَ، هؤلاءِ حُفَّاظُ الدِّينِ وأُمَنَاءُ أبِي علَى حَلالِهِ وحَرَامِهِ، وهُمُ السَّابِقُونَ إلَيْنَا في الدُّنْيَا والآخِرَةِ)([3]).
وكانَ يَأْمُرُ طُلَّابَهُ بالتَّدَارُسِ والمُبَاحَثَةِ، فقد قَالَ للمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ: (اكْتُبْ، وبُثَّ عِلْمَكَ في إخْوَانِكَ، فإنْ مِتَّ فأوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ، فإنَّهُ يَأْتِي علَى النَّاسِ زَمَانُ هَرَجٍ([4])، لا يَأْنَسُونَ فِيهِ؛ إلَّا بكُتُبِهِمْ)([5]).
علَى هذا الأسَاسِ اهْتَمَّ أصْحَابُهُ بكِتَابَةِ الأحَادِيثِ والنُّصُوصِ المَأْثُورَةِ التي سَمِعُوهَا عَنِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ وتَدْوِينِهَا؛ حتَّى تَأَلَّفَتْ واجْتَمَعَتِ الأُصُولُ الأرْبَعُمِائَةٍ المَعْرُوفَةَ عِنْدَ أصْحَابِ المَذْهَبِ الجَعْفَرِيِّ.
التَّخَصُّصُ العِلْمِيُّ في مَدْرَسَةِ الإمَامِ:
تَاسِعًا: تمَيَّزَتِ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ بإنْمَاءِ الفِكْرِ الإسْلامِيِّ وتَطْوِيرِهِ مِنْ خِلالِ التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ في مُخْتَلَفِ فُرُوعِ المَعْرِفَةِ الإسْلاَمِيَّةِ؛ لأنَّهُ بالتَّخَصُّصِ تتَنَوَّعُ عَطَاءَاتُ الفِكْرِ، فيَكُونُ الإبْدَاعُ أعْمَقَ نِتَاجًا وأكْثَرَ احْتِوَاءً؛ لِذَا وَجَّهَ الإمَامُ الصَّادِقُ طُلَّابَهُ نَحْوَ التَّخَصُّصَاتِ العِلْمِيَّةِ، وتَصَدَّى بنَفْسِهِ للإشْرَافِ، فكَانَ يُعَالِجُ الإشْكَالَاتِ التي تُسْتَجَدُّ، ويَدْفَعُ مَسِيرَةَ الحَرَكَةِ العِلْمِيَّةِ إلى الأمَامِ، ولا يُمْكِنُ في هَذَا المَقَالِ أنْ نَسْتَوْعِبَ كُلَّ هذهِ التَّخَصُّصَاتِ، وإنَّمَا نَقْتَصِرُ علَى ذِكْرِ بَعْضِ النَّمَاذِجِ فِيمَا يَأْتِي:
1- فِي الطِّبِّ: سُئِلَ الإمَامُ عَنْ جِسْمِ الإنْسَانِ فقَالَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ الإنْسَانَ علَى إثْنَيْ عَشَرَ وُصْلًا([6])، وعلَى مِائَتَيْنِ وثَمَانِيَةٍ وأرْبَعِينَ عَظْمًا، وعلَى ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ عِرْقًا، فالعُرُوقُ هِيَ التي تَسْقِي الجَسَدَ كُلَّهُ، والعِظَامُ تُمْسِكُهُ، واللَّحْمُ يُمْسِكُ العِظَامَ، والعَصَبُ تُمْسِكُ اللَّحْمَ، وجَعَلَ في يَدَيْهِ اثْنَيْنِ وثَمَانِينَ عَظْمًا، في كُلِّ يَدٍ إحْدَى وأرْبَعِينَ عَظْمًا، مِنْهَا في كَفَّهِ خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ عَظْمًا، وفي سَاعِدِه إثْنَانِ، وفي عَضُدِهِ وَاحِدٌ، وفي كَتِفِهِ ثَلاثَةٌ، فذَلِكَ إحْدَى وأرْبَعُونَ، وكَذَلِكَ في الأُخْرَى.
وفي رِجْلِهِ ثَلاثَةٌ وأرْبَعُونَ عَظْمًا، مِنْهَا في قَدَمِهِ خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ عَظْمًا، وفي سَاقِهِ اثْنَانِ، وفي رُكْبَتِهِ ثَلاثَةٌ، وفي فَخْذِهِ وَاحِدٌ، وفي وِرْكِهِ إثْنَانِ، وكذلكَ في الأُخْرَى.
وفي صُلْبِهِ ثمَانِيَ عَشْرَةَ فَقَارَةً، وفي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَنْبَيْهِ تِسْعَةُ أضْلاعٍ، وفي وَقْصَتِهِ([7]) ثَمَانِيَةٌ، وفي رَأْسِهِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عَظْمًا، وفي فِيهِ ثَمَانِي وعِشْرُونَ عَظْمًا، أو اثْنَانِ وثَلاثُونَ عَظْمًا)([8]).
يَقُولُ الشَّيْخُ مِيرزَا مُحَمَّدٌ الخَلِيلِيُّ([9]): ولعَمْرِي إنَّ هذَا الحَصْرَ والتَّعْدَادَ هو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ المُشَرِّحُونَ في هذَا العَصْرِ، لَمْ يَزِيدُوا ولَمْ يَنْقُصُوا.
وشَرَحَ الإمَامُ الصَّادِقُ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِ الدَّمِ في الجِسْمِ، ولأوَّلِ مَرَّةٍ في حَدِيثِهِ مَعَ المُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ، وقد سَبَقَ بذلكَ العَالِمَ (هَارْفِي) الذي عُرِفَ بأنَّهُ مُكْتَشِفُ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ.
قالَ A: (فَكِّرْ يا مُفَضَّلُ في وُصُولِ الغِذَاءِ إلى البَدَنِ وما فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ، فإنَّ الطَّعَامَ يَصِيرُ إلى المَعِدَةِ فتَطْبُخُهُ، وتَبْعَثُ بصَفْوِهِ إلى الكَبِدِ في عُرُوقٍ رِقَاقٍ وَاشِجَةٍ بَيْنَهَا، قد جُعِلَتْ كالمَصْفَى للغِذَاءِ، لِكَيْلَا يَصِلَ إلى الكَبِدِ مِنْهُ شَيْءٌ فيَنْكَأُهَا، وذَلِكَ أنَّ الكَبِدَ رَقِيقَةٌ لا تَحْتَمِلُ العُنْفَ، ثُمَّ إنَّ الكَبِدَ تَقْبَلُهُ فيَسْتَحِيلُ فيها بلُطْفِ التَّدْبِيرِ دَمًا، فيَنْفُذُ في البَدَنِ كُلِّهِ، في مَجَارٍ مُهَيَّأَةٍ لذلكَ بمَنْزِلَةِ المَجَارِي التي تُهَيَّأُ للمَاءِ؛ حتَّى يَطَّرِدَ في الأرْضِ كُلِّهَا، ويَنْفُذُ ما يَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الخَبَثِ والفُضُولِ إلى مَغَايِضَ أُعِدَّتْ لذلكَ، فمَا كانَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ المُرَّةِ الصَّفْرَاءِ جَرَى إلى المَرَارَةِ، وما كانَ مِنْ جِنْسِ السَّوْدَاءِ جَرَى إلى الطِّحَالِ، وما كانَ من جنسِ البَلَّةِ والرُّطُوبَةِ جَرَى إلى المَثَانَةِ، فتَأمَّلْ حِكْمَةَ التَّدْبِيرِ في تَرْكِيبِ البَدَنِ، ووَضْعِ هذهِ الأعْضَاءِ مِنْهُ مَوْضِعِهَا، وإعْدَادِ هذهِ الأوْعِيَّةِ فِيهِ لتَحْمِلَ تِلْكَ الفُضُولَ لئَلَّا تَنْتَشِرَ في البَدَنِ فتُقَسِّمُهُ وتُنْهِكُهُ، فتَبَارَكَ مَنْ أحْسَنَ التَّقْدِيرَ وأحْكَمَ التَّدْبِيرَ)([10]).
2- فِي الوِقَايَةِ الصِّحِيَّةِ: حذَّرَ الإمَامُ الصَّادِقُ مِنَ الأمْرَاضِ المُعْدِيَةِ، وأوْصَى بعَدَمِ الاخْتِلاَطِ بالمُصَابِينَ، بِمِثْلِ مَرَضِ الجُذَامِ، حيثُ قالَ فِيهِ: (لا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مَجْذُومًا؛ إلَّا أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا قَدْرَ ذِرَاعٍ)([11]). وقد جَاءَ في الطِّبِّ الحَدِيثِ أنَّ مَيكْرُوبَ الجُذَامِ يَنْتَشِرُ في الهَوَاءِ حَوْلَ المُصَابِ نَحْوَ مَسَافَةِ مِتْرٍ.
وقَالَ A: (كُلُّ دَاءٍ مِنَ التُّخْمَةِ)([12]). وقالَ أيضًا: (اغْسِلُوا أيْدِيَكُمْ قَبْلَ الطَّعَامِ وبَعْدَهُ)([13])، فإنَّ غَسْلَ اليَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ تَعْقِيمٌ مِنَ الجَرَاثِيمِ المُحْتَمَلَةِ، والغَسْلَ بعدَ الطَّعَامِ يُعَدُّ مِنَ النَّظَافَةِ.
3- عِلْمُ الحَشَرَاتِ: قَالَ الإمَامُ الصَّادِقُ في مَمْلَكَةِ النَّمْلِ: (انْظُرْ إلى النَّمْلِ واحْتِشَادِهِ في جَمْعِ القُوتِ وإعْدَادِهِ، فإنَّكَ تَرَى الجَمَاعَةَ مِنْهَا إذَا نَقَلَتْ إلى زُبْيَتِهَا([14]) بمَنْزِلَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَنْقُلُونُ الطَّعَامَ أو غَيْرَهُ، بَلْ للنَّمْلِ في ذَلِكَ مِنَ الجِدِّ والتَّشْمِيرِ ما لَيْسَ للنَّاسِ مِثْلُهُ. أمَا تَرَاهُمْ يتَعَاوَنُونَ علَى النَّقْلِ كمَا يتَعَاوَنُ النَّاسُ علَى العَمَلِ، ثُمَّ يَعْمِدُونَ إلى الحَبِّ فيَقْطَعُونَهُ لكَيْلا يَنْبُتَ فيَفْسَدَ علَيْهِمْ، فإنْ أصَابَهُ نَدًى أخْرَجُوهُ فنَشَرُوهُ؛ حتَّى يَجِفَّ، ثُمَّ لا يَتَّخِذُ النَّمْلُ الزُّبْيَةَ؛ إلَّا في نَشْرٍ مِنَ الأرْضِ كَيْلَا يَفِيضَ السَّيْلُ فيُغْرِقَهَا، وكُلُّ هذا مِنْهُ بِلَا عَقْلٍ، ولا رُؤْيَةٍ بَلْ خِلْقَهٌ خُلِقَ علَيْهَا لمَصْلَحَةٍ مِنَ اللهِ U)([15]).
وتَكَلَّمَ الإمَامُ الصَّادِقُ أيْضًا في كُلٍّ مِنَ عُلُومِ: النَّبَاتِ، والفَلَكِ، والكِيمْيَاءِ، والفِيزْيَاءِ، والعِلاجَاتِ النَّبَاتِيَّةِ([16]).
كَمَا تكَلَّمَ في الفَلْسَفَةِ والكَلامِ ومَبَاحِثِ الإمَامَةِ والسِّيَاسَةِ والمَعْرِفَةِ والفِقْهِ وأُصُولِهِ والحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ والتَّأْرِيخِ، وشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ.
تخَصُّصُ الطُّلاَّبِ:
تَمَيَّزَتْ مَدْرَسَةُ الإمَامِ الصَّادِقِ أيْضًا بتَخَصُّصِ طُلَّابِهَا كمَا يَلِي:
– تَخَصَّصَ في مَبَاحِثِ الكَلامِ: هِشَامُ بنُ الحكَمِ الدَّاعِي الأَوَّلُ، وهِشَامُ بنُ سَالِمٍ، ومُؤْمِنُ الطَّاقُ، ومُحَمّدُ بنُ عبدِ اللهِ الطَّيَّارُ، وقَيْسٌ المَاهِرُ… وغَيْرُهُمْ.
– تَخَصَّصَ في الفِقْهِ وأُصُولِهِ وتَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ: زُرَارَةُ بنُ أعْيَنَ، ومُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ، وجَمِيلُ بنُ دَرَّاجٍ، وبُرَيْدُ بنُ مُعَاوِيَةَ، وإسْحَاقُ بنُ عَمَّارٍ، وعبدُ اللهِ الحَلَبِيُّ، وأبُو بَصِيرٍ، وأبَانُ بنُ تَغْلِبَ، والفُضَيْلُ بنُ يَسَارٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومَالِكُ بنُ أَنَسٍ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، وسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، ويَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، وسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
– تَخَصَّصَ في الكِيمْيَاءِ: جَابِرُ بنُ حَيَّانَ الكُوفِيُّ، إمَامُ العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ عِنْدَ العَرَبِ بِلَا مُنَازِعٍ، ونَجِدُ تَأَثُّرَهُ الكَبِيرَ بمُعَلِّمِهِ الإمَامِ الصَّادِقِ A حيثُ يُصَدِّرُ كُتُبَهُ ورَسَائِلَهُ بقَوْلِهِ: قَالَ لي سَيِّدِي جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وألْقَى عَلَيَّ سَيِّدِي جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ، وأخَذْتُ هذا العِلْمَ مِنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ أهْلِ زَمَانِهِ.
ويُؤَكِّدُ جَابِرُ بنُ حَيَّانَ في كِتَابِ (الأحْجَارِ)، أنَّ عِلْمَهُ تَلْقِينِيٌّ، لَقَّنَهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ، ولَيْسَ باسْتِطَاعَةِ أيِّ إنْسَانٍ آخَرَ أنْ يُلَقِّنَهُ مِثْلَهُ، فَيَقُولُ: (وحَقِّ سَيِّدِي لَوْلا أنَّ هذهِ الكُتُبَ بِاسْمِ سَيِّدِي، لمَا وَصَلْتَ إلى حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ آخِرَ الأبَدِ؛ لا أنْتَ ولا غَيْرُكَ إلَّا فِيكَ لبُرْهَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الزَّمَانِ)([17]).
– بَرَزَ في المُنَاظَرَةِ: هِشَامُ بنُ الحَكَمِ الدَّاعِي الأَوَّلُ، وحِينَ اسْتَمَعَ الإمَامُ الصَّادِقُ لمُنَاظَرَاتِهِ مَعَ زَعِيمِ المُعْتَزِلَةِ – عمرِو بنِ عُبَيْدٍ – وأخْبَرَهُ بانْتِصَارِهِ علَيْهِ قالَ لهُ الإمَامُ: (يا هِشَامُ! مَنْ عَلَّمَكَ هذَا؟) قالَ: يا بنَ رَسُولِ اللهِ جَرَى علَى لِسَانِي، قالَ الإمَامُ: (هذا واللهِ مَكْتُوبٌ في صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى)([18]).
وبِسَبَبِ نِشَاطِ طُلَّابِ الإمَامِ الصَّادِقِ – كُلٌّ حَسْبَ اخْتِصَاصِهِ في التَّأْلِيفِ والمُنَاظَرَةِ – بَلَغَتْ مُؤَلَّفَاتُهُمْ نَحْوَ سِتَّةِ آلافٍ وسِتِّمِائَةِ كِتَابٍ([19]).
حَرَكَةُ الاجْتِهَادِ:
مِنَ الأهْدَافِ الكُبْرَى للمَدْرَسَةِ العِلْمِيَّةِ عِنْدَ الإمَامِ الصَّادِقِ A إلى جَانِبِ الاخْتِصَاصَاتِ الكُبْرَى – تَنْشِيطُ حَرَكَةِ الاجْتِهَادِ الفِقْهِيِّ الخَاصِّ إلى جَانِبِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ بشَكْلٍ عَامٍّ.
مِنْ هُنَا نَجِدُ تَأْصِيلَ مَنْهَجِ الاجْتِهَادِ الفِقْهِيِّ واسْتِنْبَاطِ أحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، قَدْ تَمَثَّلَ في الرَّسَائِلِ العِلْمِيَّةِ التي دَوَّنَهَا أصْحَابُهُ في خُصُوصِ أُصُولِ الفِقْهِ، وفي الفِقْهِ والحَدِيثِ، والتي تَمَيَّزَتْ بالاعْتِمَادِ علَى مَدْرَسَةِ أهْلِ بَيْتِ الوَحْيِّ D، واتَّخَاذِهَا أسَاسًا للفِقْهِ والإفْتَاءِ دُونَ الرَّأْيِّ والاسْتِحْسَانِ.
قالَ الإمَامُ الصَّادِقُ: (حَدِيثِي حَدِيثُ أبي، وحَدِيثُ أبي حَدِيثُ جَدِّي، وحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الحُسَيْنِ، وحَدِيثُ الحُسَيْنِ حَدِيثُ الحَسَنِ، وحَدِيثُ الحَسَنِ حَدِيثُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وحَدِيثُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ o، وحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ قَوْلُ اللهِ U)([20]).
وقَالَ A: (إنَّا لَوْ كُنَّا نُفْتِي النَّاسَ برَأْيِنَا وهَوَانَا لكُنَّا مِنَ الهَالِكِينَ، ولكِنَّا نُفْتِيهِمْ بآثَارٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ o، وأُصُولِ عِلْمٍ عِنْدَنَا نتَوَارَثُهَا كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ، نَكْنِزُهَا كَمَا يَكْنِزُ هَؤُلاءِ ذَهَبَهُمْ وفِضَّتَهُمْ)([21]).
وعَلَّمَ الإمَامُ الصَّادِقُ طُلَّابَهُ كَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ، كَمَا عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ التَّعَامُلِ مَعَ الأحَادِيثِ المُتَعَارِضَةِ.
– قَالَ فِيمَا عَارَضَ القُرْآنَ: (مَا لَمْ يُوَافِقْ مِنَ الحَدِيثِ القُرْآنَ فهُوَ زُخْرُفٌ([22]))([23])، وقَالَ أيْضًا: (إنَّ علَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، وعلَى كُلِّ صَوَابٍ نُورًا، فمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فخُذُوهُ، وما خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَدَعُوهُ)([24]).
– وقالَ في حَالَةِ تَعَارُضِ الأحَادِيثِ فِيمَا بَيْنَهَا: (إذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثٌ فوَجَدْتُمْ لهُ شَاهِدًا من كِتَابِ اللهِ، أوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ o، وإلاَّ فالذي جَاءَكُمْ بِهِ أوْلَى بِهِ)([25])، وقالَ أيضًا: (إنَّمَا علَيْنَا أنْ نُلْقِيَ إليْكُمُ الأُصُولَ، وعلَيْكُمْ أنْ تُفَرِّعُوا)([26])، يُرِيدُ الإمَامُ هُنَا أنْ يَقُولَ لأتْبَاعِ أهْلِ البَيْتِ: نُرِيدُ أتْبَاعًا بَاحِثِينَ مُدَقِّقِينَ، عُلَمَاءَ عَامِلِينَ، ولَيْسَ مُجَرَّدَ نَقَلَةٍ جَهَلَةٍ، أوْ مُتَعَصِّبِينَ سَفَلَةٍ.
أعْلامُ السُّنَّةِ الذينَ أخَذُوا عَنِ الإمَامِ الصَّادِقِ:
أخَذَ عَنْهُ عِدَّةٌ من أعْلامِ السُّنَّةِ وأئِمَّتِهِمْ، وما كان أخْذُهُمْ عَنْهُ كمَا يَأْخُذُ التِّلْمِيذُ عنِ الأُسْتَاذِ، بل لَمْ يَأْخُذُوا عَنْهُ إلَّا وهُمْ مُتَّفِقُونَ علَى إمَامَتِهِ وجَلالَتِهِ وسِيَادَتِهِ – كمَا يَقُولُ سُلَيْمَانُ القَنْدُوزِيُّ الحَنَفِيُّ في يَنَابِيعِ المَوَدَّةِ، والنَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِ الأسْمَاءِ واللُّغَاتِ-، بَلْ عَدُّوا أخْذَهُمْ عَنْهُ مَنْقَبَةً شَرُفُوا بِهَا، وفَضِيلَةً اكْتَسَبُوهَا – كمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ في مَطَالِبِ السُّؤُولِ-.
وقد أوْرَد َالنَّوَوِيُّ في التَّهْذِيبِ، والشِّبْلِنْجِيُّ في نُورِ الأبْصَارِ، وسِبْطُ بنُ الجَوْزِيِّ في التَّذْكِرَةِ، والشَّافِعِيُّ في مَطَالِبِ السُّؤُولِ، وابنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ في الصَّوَاعِقِ، وسُلَيْمَانُ القَنْدُوزِيُّ في يَنَابِيعِ المَوَدَّةِ، وأبُو نُعَيْمٍ في حِلْيَةِ الأوْلِيَاءِ، وابنُ الصَّبَّاغِ المَالِكِيُّ في الفُصُولِ المُهِمَّةِ.. وسِوَاهُمْ كَثِيرٌ، أوْرَدُوا شَطْرًا مِنْ أُولَئِكَ الأعْلامِ، مثلِ: أبي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ، ومَالِكِ بنِ أنَسٍ، وسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وسُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، ويَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيِّ، وابنِ جُرَيْجٍ المَكِّيِّ، وأبِي سَعِيدٍ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ البَصْرِيِّ، ومُحَمَّدِ ابنِ إسْحَاقَ بنِ يَسَارٍ صَاحِبِ المَغَازِي والسِّيَرِ، وشُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ، وأيُّوبَ بنِ أبي تَمِيمَةَ السِّجِسْتَانِيِّ البَصْرِيِّ.
وكمِثَالٍ علَى ذَلِكَ:
قالَ الآلُوسِيُّ في مُخْتَصَرِ التُّحْفَةِ الاثْنَى عَشْرِيَّةِ ص8: وهذا أبُو حَنِيفَةَ وهُوَ هُوَ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ كانَ يَفْتَخِرُ ويَقُولُ بأفْصَحِ لِسَانٍ: (لَوْلا السَّنَتَانِ لهَلَكَ النُّعْمَانُ) يُرِيدُ السَّنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَحِبَ فِيهَا – لأخْذِ العِلْمِ – الإمَامَ الصَّادِقَ.
إذًا هؤلاءِ بعضُ من نُسِبُوا إلى تَلْمَذَةِ الإمَامِ الصَّادِقِ A من أعْلامِ السُّنَّةِ وفُقَهَائِهِمُ البَارِزِينَ، وقَدْ عَدُّوا غَيْرَ هَؤُلاءِ فِيهِمْ أيْضًا، انْظُرْ في ذلكَ حِلْيَةِ الأوْلِيَاءِ لأبي نُعَيْمٍ.
وهذا يؤكدُ أنَّ تَوْحِيدَ كَلِمَةِ الأُمَّةِ يَبْدَأُ مِنَ الاعْتِرَافِ بالإمَامِ الصَّادِقِ إمَامًا للأئِمَّةِ في جَانِبِ الفِقْهِ والحَدِيثِ والتَّصَوُّفِ والسِّيرَةِ وغَيْرِهَا.
ويَحِقُّ لنَا أنْ نَقُولَ: إنَّ الحَضَارَةَ الإنْسَانِيَّةَ اليَوْمَ مَدِينَةٌ إلى تُرَاثُ الإمَامِ الصَّادِقِ بشَكْلٍ خَاصٍّ، باعْتِبَارِ عِنَايَتِهِ الفَائِقَةِ بجُمْلَةٍ مِنَ العُلُومِ الطَّبِيعِيِّةِ.
ويَحِقُّ لنَا أيْضًا أنْ نَقُولَ: إنَّ التُّرَاثَ الذي جَمَعَهُ عُلَمَاءُ مَدْرَسَةِ أهْلِ البَيْتِ، والذي رَوَوْهُ عنِ الإمَامِ الصَّادِقِ A يَفُوقُ تُرَاثَ كُلِّ إمَامٍ مِنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ مِنْ حَيْثُ الكَمُّ، ومِنْ حَيْثُ الاهْتِمَامُ بشَتَّى العُلُومِ الإنْسَانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ جَمِيعًا.
نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى، الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.
=========================
([1]) ينظر: بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص149.
([2]) ينظر: الكافي للكليني 1/52.
([3]) ينظر: وسائل الشيعة للحر العاملي 8/57 – 59.
([5]) ينظر: أصول الكافي للكليني 1/52.
([6]) وُصْلٌ: طَرَفٌ، يَدٌ أو رِجْلٌ، كل عُضو على حِدَةٍ.
([8]) ينظر: بحار الأنوار للمجلسي 14/480.
([9]) ينظر: طِبّ الإمَامِ الصَّادِقِ للشيخ ميرزا محمد الخليلي ص3.
([10]) ينظر: بحار الأنوار للمجلسي 3/57.
([11]) ينظر: وسائل الشيعة للحر العاملي 2/208.
([12]) ينظر: بحار الأنوار للمجلسي 63/336.
([14]) حفرة في موضع عالٍ تغطى فُوَّهتها.
([15]) ينظر: بحار للمجلسي 3/61 و62/102.
([16]) ينظر: كتاب حياة الإمام الصادق للشيخ باقر شريف القرشي 2/289 وما بعدها.
([17]) ينظر: الأحجار لجابر بن حيان 2/164.
([18]) ينظر: الاحتجاج للطبرسي 2/125 – 128.
([19]) ينظر: تأسيسي الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر ص228.
([20]) ينظر: أصول الكافي للكليني 1/53 – 58.
([21]) ينظر: بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار ص300.
([23]) ينظر: وسائل الشيعة للحر العاملي 18/78.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية