ولهؤلاء اليهود من بني إسرائيل ممن أخبرنا الله عنهم – كما يبين الإمام المجدِّد – أشباه ونظائر من المسلمين، وهم أنواع بحسب مراتبهم في ضعف الإيمان؛ أو النفاق أو الكفر..
فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي
خير العلم الذي ينفعك اللهُ به
في قول الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 100)؛ يخبرنا الله تعالى عن يهود بني إسرائيل – لا ليبين لنا حقائق كانوا عليها ولا أخلاقًا تمسكوا بها -، ولكن يريد سبحانه أن يعلمنا العلم النافع من حيث لا نحتسب، وخير العلم الذي ينفعك الله به؛ أن ترى شر الأشرار فتجتنبه، وإحسان المحسنين فتسارع إليه، ويكون هذا خير تربية لك.
فإن الله أدب الأنبياء وعلمهم بهذا الأسلوب، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود: 120)، وقال عيسى بن مريم – وقد سئل كيف تأدبت؟ -؛ قال: (رأيتُ ما أكرَهُ مِن غيري فاجتنبتُه، ورأيتُ ما أُحِبُّه مِن غيرى فسارعتُ إليه).
اليهود يديمون الخيانة
ويرمون عهودهم ومواثيقهم وراء ظهورهم
يوبخ الله اليهود ويشنع عليهم شر التشنيع لما وقعوا فيه مما أوبقهم في سجين القطيعة عن الله تعالى، يقول سبحانه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا﴾ مستفهمًا استفهامًا تقريريًّا؛ لأنهم وقعوا في تلك الخطايَا، والواو هنا للعطف والجملة معطوفة على ما قبلها، و﴿كُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا﴾؛ بيان لدوام خيانتهم ورميهم عهودهم ومواثيقهم وراء ظهورهم بديل قوله تعالى: ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾، ونَبَذَ لغة بمعنى: ألقى ورمى، وهؤلاء الذين نبذوه هم الذين يتظاهرون بالباطل الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.
وقد بين الإمام أبو العزائم في سياق تفسيره أن الفريق الذي نبذ عهود الله ومواثيقه نفوسهم خبيثة لا تقبل، ودائمًا كان قبولهم العهد والميثاق – بحسب أنواع تلك العهود والمواثيق – بالقوة القاهرة؛ التي إن لم يلبوا قبول العهد والميثاق لَدُكُّوا كما تُدَكُّ الجبال الشامخات، فلما ستر المشهد المقتضي رجعوا إلى خبث نفوسهم فأبوا قبول العهد والميثاق.
مثال ذلك أن الله رفع فوق رؤوسهم الطُّور وقال: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ (البقرة: 93)، وقلوبهم منعقدة على العصيان، ولذلك يقول الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (البقرة: 93).
كذلك يوم أن أصعقهم الله تعالى عندما قالوا لموسى A: أرنا الله جهرة، فتضرع موسى لربه حتى أذهب عنهم الصاعقة، فلما رجعوا إلى قومهم كذبوا على الله ورسوله.
وفوق ذلك سر خفيّ يقبله أهل سابقة الحسنى، وهو أن الله تعالى يوم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ واجه ذرية آدم التي أخرجها من ظهورهم فرسمت أنوار المواجهة على جواهر النفوس ونادى ربُّنا Y: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ (الأعراف: 172) لقهر المشهد ولاتضاح الحقيقة، ثم إنه سبحانه عاهدهم عهدًا بقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ (الأعراف: 172، 173) وغير ذلك من العهود التي خانوها؛ هذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾.
يخبرنا ربنا Y عن الأكثر من الفريق الذين نبذوا عهده بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ ذلك لأنهم علموا ما أنزل الله تعالى وما عاهدهم به، ولكنهم أبوا أن يقبلوا أو يصدقوا، وإن أظهروا القبول والتصديق.
ويبين الرازي في تفسيره لتلك الآية أن الله تعالى دل بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ﴾ على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم، فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول o عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالًا بعد حال…
وفي العهد وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة سيدنا محمد o وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه، وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله I.
وثانيها: أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه o: لئن خرج النبيّ لنؤمنن به ولنُخرجن المشركين من ديارهم.
وثالثها: أنهم كانوا يعاهدون الله كثيرًا وينقضونه.
ورابعها: أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحدًا من الكافرين؛ فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق.
من أفانين البلاغة
توفية الخَصم حقَّه في الجدال
ويبين ابن عاشور في تفسيره لتلك الآية أن النبذ أُسْنِد إلى فريق؛ إما باعتبار العصور التي نقضوا فيها العهود كما تؤذن به: ﴿كُلَّمَا﴾، أو: احتراسًا من شمول الذم للذين آمنوا منهم، وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر المتكلم أنه يوفي حق خصمه في الجدال؛ فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر قبل الإبطال.
الوفاء بالعهد من علامة الإيمان
ومن إشارة لابن عجيبة: نقض العهد مع الله أو مع عباده من علامة النفاق؛ ومن شيم أهل البعاد والشقاق، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان، ومن شيم أهل المحبة والعرفان، قال تعالى في صفة المفلحين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8)، ولا سيما عهود الشيوخ؛ أهل التمكين والرسوخ، فمن أخذ عقد الصحبة مع الشيخ الذي هو أهل للتربية؛ فيحذر مِنْ حَلّ العقدة بينه وبينه، فإنَّ ذلك يقطع الإمداد، ويوجب الطرد والبعاد…
لليهود أشباه ونظائر من المسلمين
ولهؤلاء اليهود من بني إسرائيل ممن أخبرنا الله عنهم – كما يبين الإمام المجدِّد – أشباه ونظائر من المسلمين، وهم أنواع بحسب مراتبهم في ضعف الإيمان؛ أو النفاق أو الكفر:
فمنهم من ينكر الأحاديث الواردة التي تحظر على المؤمن أن يتوسع في المباح، أو يبيح ما حرمه الله تعالى.
ومنهم من ينكر الشفاعة، وينكر ما لأولياء الله تعالى من الجانب عند الله تعالى، أو يحقر أولياء الله تعالى الأحياء لزهدهم في الدنيا، وعكوفهم على بيوت العبادة.
ومنهم من يؤول ما ورد في القرآن بحسب رأيه وهواه وحظه.
ومنهم من يجحد بالله ورسوله وبأيامه.
ومنهم من يقلد من أعمى الله بصائرهم في اتخاذ المادة فاعلًا مختارًا، وعبادته لها لوقوفه عندها.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ (النحل: 37)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ (النمل: 81).
ومن علامة هؤلاء جميعًا ترك الصلاة والصيام والحج، والمسارعة في أعداء الله تعالى من الإفرنج وغيرهم، وصرف أنفاسهم في تفرقة المسلمين نصرة للكافرين.
وما من آية شنعت على مَن كانوا قبلنا من أهل الكتاب إلا وهي تجر بذيلها من قلدوهم في هذا الزمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 159)، وقال o: (لَا تزالُ طائفةٌ مِن أُمَّتِي قائمة على الحقِّ لا يضرُّهم مَن خالفَهم حتى يأتي أمرُ اللهِ وهم على مَا هم عليه)، نسأل الله I أن يحفظ إيماننا؛ وأن يقمنا في محابه ومراضيه.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية