أخبار عاجلة

من أسرار القرآن .. بقرة بني إسرائيل (3)

ويعلم من سياق الآية الشريفة أن الله تعالى أمر بذبح البقرة – وهو القادر على إحياء الموتى بدون سبب -، ولكن ليظهر لنا الحكمة والقدرة..

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

المدافعة قد تكون باليد وباللسان عند الاختلاف

يقول الله تعالى: )فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا( (البقرة: 72) أي في القتلة التي وقعت على النفس المقتولة .. ومعنى )ادَّارَأْتُمْ( أي: تدافعتم، والمدافعة قد تكون باليد وباللسان عند الاختلاف على ما يقع من المنكرات.

وقد أورد الرازي في قوله تعالى: )فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا( وجوها:

أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها؛ لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا أي: يدافعه ويزاحمه.

وثانيها: )ادَّارَأْتُمْ( ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره.

وثالثها: دفع بعضكم بعضًا عن البراءة والتهمة.

وجملة القول فيه أن الدرء هو: الدفع.

دليل على الإعجاز في نسق القرآن

يبين الإمام أبو العزائم في تفسيره لقول الله تعالى: )وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ( “البقرة: 72” أن ذكر لفظة: )مُخْرِجٌ( التي تدل على الاستقبال – والمقام بعد ذكر تلك القصة يدل على الماضي -؛ لأنه أتى بها في سياق الحكاية على الحادثة قبل ذبح البقرة لتأخير هذه الجملة مع أن محلها التقديم يدل على الإعجاز في نسق القرآن؛ لأن الله تعالى أراد أن يبين مخازي بني إسرائيل منظمة مرتبة.

فأمر موسى قومه أن يذبحوا بقرة مع ترددهم وكثرة أسئلتهم؛ دليل على ضعف ثقتهم بالكليم A.

فهي تناسب ما سبق من الآيات، وتأخر السبب عن الحكم في اللفظ لا يقتضي تأخيره عن تنفيذ الحكم.

اللهُ تعالى يُظْهِر سريرةَ العبدِ المقبلِ على الله

وفي “إشارة” يبين الإمام أن قوله تعالى: )وَاللَّهُ مُخْرِجٌ( بيان لأهل البصائر أن الله تعالى يظهر جمال سريرة العبد المقبل على الله ولو اختفى عن جوارحه في أعماله القلبية، كما يظهر قبائح السرائر مهما أخفاها الإنسان؛ لأن القلب محل نظر الله تعالى.

وهنا نعلم أن ظهور العبد التقي بين الناس لا يضره بشيء؛ لأن الله تعالى هو الذي جعل جمال سريرته علانية لخلقه ليكون هداية لأهل عصره.

نسأل الله تعالى أن يجمل سريرتنا لذاته العلية مخلصين له الدين؛ حتى يجعل لنا لسان صدق في الآخرين.

الله تعالى أراد أن يظهر سببًا من الأسباب تطمئن به قلوب الشاهدين

وفي قول الله تعالى: )فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ( (البقرة: 73)؛ يبين الإمام المجدِّد أن الله تعالى قادر على أن يحيى القتيل، بضرب؛ وبغير ضرب؛ وبعصا موسى.

ولكنه عليم خبير بدسائس نفوس عباده.

ولو أن موسى ضربه بالعصا أو كلمه وخاطبه القتيل لظنت النفوس الشريرة أن ذلك سحر.

ولكن الله تعالى أراد أن يظهر سببًا من الأسباب تطمئن به قلوب الشاهدين، طمأنينة تجعلهم يعتقدون حقًّا.

ولما لم يرد في القرآن ولا في أثر من آثار العلم تعيين الجزء المضروب به من البقرة، فنحن نصدق خبر الله تعالى ونسلمه لجنابه المقدس تسليمًا.

الذي أحيا قتيلاً بضرب قطعة لحم هو القادر الذي يحيي الموتى

وفي قول الله تعالى: )كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى( هنا كلام محذوف ملحوظ، أي: فضربوه فأحياه الله وقال: قتلني فلان وفلان.

ولكن الله Y يُظْهِر في حادثة صغيرة آية عجيبة ينبه بها أهل البصائر ممن أهَّله لنيل مشاهدة جماله العلي…

فكأنه يقول: يا من رأيتم قتيلًا ضُرِب بقطعة من بقرة مذبوحة فأحياه الله؛ لا تنكروا البعث، فإن القادر الحكيم الذي أحيا قتيلًا بضرب قطعة لحم؛ هو القادر الذي يحيي الموتى.

في هذه الحادثة آيات كثيرة:

وآية )كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى( حجة على موضوع آخر؛ لأن الذي أحياه لم يكن ميتًا ولكنه كان قتيلًا، ولم يكن جمعًا ولكن كان شخصًا واحدًا، وتلك الحادثة آية واحدة.

وقوله تعالى: )وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ( يشير سبحانه إلى أن في هذه الحادثة آيات كثيرة:

كالإحياء…

ومسألة البقرة…

وإظهار القاتل…

وصفاء قلوب بني إسرائيل وتأديبهم الأدب اللازم الذي يناسب مخاطبة الرسل.

أو أن الله يشير إلى الآيات التي أظهرها في مكوَّناته مما يؤيد حكم البعث.

والله Y يعظم بعض الحوادث الصغيرة لما يريد أن ينفذه ويظهره من دلائل البعث، ومن إزعاج قلوب المنكرين.

الله تعالى يكشف لكل مرتبة من مراتب خلقه آيات تناسبهم

في قول الله تعالى: )لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ( فالعقل ما يحفظ الحقائق من النزوع إلى المفاسد، كما تعقل الجَمَل فتحفظه.

والعقل هنا بمعنى تصور الحقائق بمدلولاتها التي تؤديها أو تومي إليها، وقد جعلها الله تعالى السلطان الذي يقبل ويرد، وكفاه شرفًا أن الله تعالى يقول: )لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(.

والعقل إنما يشير الله إليه في الآيات المحسوسة الملموسة كآية إحياء القتيل.

وأما ما فوق تلك الآيات مما ليس للعقل أن يتصورها أو يرسم صورها على جوهر النفس؛ فالله تعالى يسندها إلى أهل مقام الإيمان؛ أو الإحسان؛ أو الإيقان؛ أو أولي الألباب.

وليست الآيات التي أراها الله رسولَه J ليلة الإسراء كتلك الآية التي في الكون المحسوس الملموس، ولا كالآية التي أراها موسى لفرعون.

والله تعالى يكشف لكل مرتبة من مراتب خلقه آيات تناسبهم؛ وهذا شيء لا يتذوقه إلا العارفون بالله تعالى.

إظهار الحكمة والقدرة:

يقول الشيخ العقاد: ويعلم من سياق الآية الشريفة أن الله تعالى أمر بذبح البقرة – وهو القادر على إحياء الموتى بدون سبب -، ولكن ليظهر لنا الحكمة والقدرة:

فإن البقرة كانت سببًا في غناء صاحبها لصلاحه وتقواه…

وكانت سببًا في كشف ما في نفوس اليهود من المعارضة وكثرة السؤال، لنتمسك بالشريعة وهي الأخذ بالأسباب، ونتمكن بمعرفة الحقيقة التي هي فوق الأسباب…

فالقتيل إنسان ذهبت حياته، والبقرة حيوان مذبوح وهي أقل من رتبة الإنسان، وقد صار الإنسان في حكم الجماد بموته، وكذلك البقرة بذبحها…

غير أن الله تعالى أودع فيها سرًّا إلهيًّا إذا لمست مقتولًا سرى منها إليه روح تحييه، لينبهك الحق إلى أنه قد يضع سره في حقيقة أقل من حقيقة الإنسان؛ لأنه هو المتجلي في الإنسان وغيره…

ولكنه سبحانه يريد بذلك وقوف الإنسان على باب التواضع لله؛ حتى لا يتكبر بمواهبه الكثيرة، وصارت البقرة كأنها ينبوع حياة يفاض على قتيل…

والحق تعالى أودع سره في العصا وهي نبات فاهتزت لها المملكة، وأودع سره في البقرة وهي حيوان فالتفتت إليها الأنظار، ليبين لك أن سره إذا اتصل بجماد ارتفع شأنه، ووقفت القوة الإنسانية أمامه خاضعة، وكأنه يقول: أنا المتجلي فاشهدوني…

هناك لأهل الذوق إشارة في البقرة، مأخوذة من التأويل، وهي: أن النفس الإنسانية بما فيها من قوة غذائية وشهوانية وقوة دفاعية تتصور أنها جميلة وتنفذ بقوتها ما تحب، فإذا أسعدك الحظ وذبحت النفس كنت كأنك ذبحت البقرة التي يظهر فيها سر ربك وهو حياتك الأبدية…

والسيف الذي تذبحها به هو تقديمها قربانًا للحق…

فلا تعارض في ذبحها كما عارض اليهود، ولكن اذبحها، وقد قال بعض العارفين: موت النفوس حياتها…

فيظهر سر الحياة في هيكلك هذا؛ فتكون سببًا في إحياء الكثيرين من خلق الله:

فلسانك يحيي القلوب بوعظه…

وعينك تحيي النفوس بنظرها…

ويدك تدفع الألم بلمسها…

فتكون كلك ينبوعًا للحياة الروحية متحققًا بقوله: )أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ( (الأنعام: 122)؛ أذاقنا الله حلاوة إشارات القرآن.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …