الحكمة الرابعة والثمانون بعد المائة
الفناءُ ثلاثُ مراتب: فناءٌ عن مرادك بمراده، وفناءٌ عن الدنيا والآخرة برضوانِه، وفناءٌ به عنك.
الأستاذ سميح محمود قنديل
الفناء لغة: هو مصدر فنى يفني فناء، إذا اضمحل وتلاشى وعدِم، وقد يطلق على ما تلاشت قواه، وأوصافه مع بقاء عينه، كما تأتي بمعنى الزوال: قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾.
الفناء اصطلاحًا: الفناء الصوفي له معنيان هما:
1- معنى أخلاقي عام: يتحقق بفناء الصفات المذمومة، مما يدل ضمنًا على الاتصاف بالصفات المحمودة والبقاء فيها، من خلال المجاهدة والرياضة والتزكية.
2- معنى صوفي خاص: يتمثل بفناء الصوفي عن نفسه، وعن الإحساس بالغير عبر الاستغراق التام في الله سبحانه، والتحقق في البقاء في وجود الحق حالًا وشهودًا، وهو ما عبر عنه: بالفناء الذاتي، ولكي يتحقق الصوفي بفناءه الذاتي، لا بد من تحققه أولًا بالفناء الأخلاقي، ويرى الجنيد 0 أن الفناء هو إزالة الحجب، قالوا له: إنك تقول: الحجب ثلاثة: حجاب النفس، وحجاب الخَلق، وحجاب الدنيا، فقال: إن هذه الحجب ثلاثة عامة، وهناك ثلاثة حجب خاصة هي: مشهد الطاعة، ومشهد الثواب، ومشهد الكرامة.
فالفناء عند الصوفية هو أن تبدو العظمة والجلال على العبد، فتنسيه الدنيا والآخرة والدرجات، والأحوال والمقامات والأذكار، وتغنيه عن كل شيء، وعن عقله وعن نفسه وفنائه عن الأشياء، وعن فنائه عن الفناء، فيغرق في صفة الفناء، وهو أن يكون الحق هو سمعه وبصره، فتفنى صفة البشرية، وتبقى صفة الألوهية.
وفى جوامع كلمه يبين الإمام أبو العزائم 0 بعض الحقائق عن الفناء مؤكدًا أن: علامة الفناء: ذهاب الحظ من الدارين، ومبينًا أنه: ليس بينك وبين ربك إلا أنت، فامح أنا ترى المسرة والهنا، فالفناء: هو العجز عن إدراك العبودية، والبقاء: دوام مشاهدة الإلهية، وحقيقة العبودية: واقعة بين الفناء والبقاء.
وفى كتابه القيم: “مصطلحات الصوفية” يبين الإمام أبو العزائم 0 أن الفناء: تجريد ومجاهدة: فيقول: الفناء تجريد عن لوازم البشرية، ومقتضيات الآدمية، ونوازع الإبليسية، وميول النباتية، ودواعى الجمادية، مسارعة إلى الزهد فى الدنيا، والمجاهدة لتلك النفوس بتحمل فادح الآلآم صبرًا وعزيمة، تشبهًا بالعالم الروحانى، اقتداء برسول الله o وبأئمة أهل الهدى.
ثم يبين أن الفناء هو برزخ بين الوجودين، بين الوجود الباطل، وبين الوجود الحق بالحق، والفناء هو معراج الاجتباء، والبقاء هو مراقى الاصطفاء، وبينهما برزخ لا يبغيان، وليس الفناء محو الحقيقة الإنسانية كما يظن أهل الجهالة، إنما هو الاقبال على الله تعالى من غير فترة، قال تعالى: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ( [الأحزاب: 21]، فى حاله o، ومقاله o، وعمله o.
أنا عند الفناءِ مرادُ قلبـــــــى
وعند الجمْع محبوبى وحِبــــى
ونورُ الكنز بل كنزٌ أضاءت
بمظهره الحقائقُ عند قربــــى
أُديرُ براحَتىْ الكونَ حتــــــى
يكن ما شئتُه من غير صَعـْـب
تخِر لى العوالمُ إن أضــاءت
شموسُ بيانها فى حالِ شُربى
تسيرُ جميعُها لى خاضِعـــاتٍ
لتحْظى بالسعادةِ عند ربــــــى
أنواع الفناء
1- الفناء النفسي: هي مرحلة الفناء الكامل، بوصول النفس إلى مرتبة الشهود الحق بالحق، قال الجنيد 0: هو ذهاب القلب عن حس المحسوسات، بمشاهدة ما شاهد ثم يذهب عن ذهابه، فليس شيء يوجد، ولا يحس بشيء يفقد، ولقد قال الجيلي 0: إن الفناء هو عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها، وعباراته تتمثل في: اخرج عن نفسك، اخرج عن همك، اخرج عن علمك، اخرج عن عملك، اخرج عن اسمك، اخرج عن كل ما بدا لك (أي ظواهر الكون المادي كله) ويكون مطلوبك هو الله، وهمك وذكرك ونطقك هو الله، فالسالك هنا يفني تفكيره في الموضوع؛ حتى يصير القلب متأهبًا للامتلاء بالمحبوب، ولا شيء غير ذلك.
2- الفناء الأخلاقي: هو يتمثل في فعلين هما:
– التخلية: وفيها يتخلى العبد عن كل ما يهبط بالنفس، ويجذبها إلى مستوى أهواء الدنيا من لذات وآلام وشرور.
– التحلية: وفيها يتحلى بالأخلاق الحسنة، والفضائل الروحية، التي تسمو بالبشرية إلى أعلى مراتبها.
3ـ الفناء العرفاني: هو أن يرى السالك الخَلق بعين الفناء، فيسقط عنه رؤيتهم والتزين لهم، والمعرفة لا تتم إلا بعلم البقاء لا بعلم الفناء، وغاية المعرفة هو العجز عن المعرفة.
وهناك علاقة بين الفناء والبقاء يوضحها أهل الفناء، حيث يبين العارف بالله ابن عطاء الله 0 ذلك فى حكمه ومنها:
1- الفناء: يوجب غيبتهم عن كل شيء، والبقاء: يحضرهم مع الله تعالى في كل شيء، فلا ينقطعون عنه في شيء، وكذلك الفناء يميتهم والبقاء يحييهم.
2- الفناء: هو الغيبة عن الخلق بشهود الحق، والبقاء: هو شهود الخلق بالحق إن كان بعد الفناء، وإن كان قبله فهو شهود خلق بلا حق، وهو محل أهل الحجاب.
3- الفناء: وصف العبد، والبقاء: وصف الرب، والفناء هو استغراق العبد في الله حتى لا يشهد سوى ذات الله، ويقال لصاحبه غريق في بحار الأحدية، والبقاء هو الرجوع بعد الفناء إلى ثبوت الآثار بشهود ذات، وصفات المؤثر فيها.
4- الفناء: مطلوب لغيره، والبقاء: مطلوب لنفسه. حيث يعتبر الصوفية أن أول الفناء هو الخوض في حقائق البقاء، فكمال السالك إلى الفناء لا يتحقق إلا بالتزود من حقائق وآثار البقاء.
5- الفناء: مرحلة يقطعها الصوفي إلى الخالق U، وأما البقاء: فهو رحلة في الله U.
ويبين الإمام أبو العزائم 0 فى هذه الحكمة أن الفناء يكون على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: فناء عن مرادك بمراده: ومعناها: الفناء عن إرادة ما سواه، فيكون فانيًا بمراد محبوبه منه عن مراده هو فضلًا عن إرادة غيره، قد اتحد مراده بمراد ربه، أي: المراد الديني الشرعي لا القدَري الكوني، وهذا فناء خواص الأولياء والمقربين، ومن تحقيق هذا الفناء ألا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا في الله، ولا يوالي إلا في الله، ولا يعادي إلا في الله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يرجو إلا الله، ولا يستعيذ إلا بالله، فيكون أمره كله باطنه وظاهره كله لله، فهذا فناء عن مراده بمراد مولاه الذى تولاه.
المرتبة الثانية: فناء عن الدنيا والآخرة برضوانه: وفى هذا المعنى يقول الإمام أبو العزائم 0 نظمًا:
تجرَّد عن الكونين إن رُمْت ترآه
وانـفـيـكَ واثـبــت يـــا بُنـــى اللهُ
ولتفنَ حتى عن فنائِك إنـــــــــــه
عـيـــنُ الـــبــقاء فعند ذاك تــراه
فإذا فنيتَ به فلست بذاتِــــــــــــه
أيــــضًا ولا أنـــت تــكونُ سواه
والمقصود بالتجرد عن الكونين: التجرد عن الدنيا والآخرة، ثم لا يرى لنفسه فناء فيفنى عن فنائه، فإذا فنيت به فليس معنى ذلك أن تكون ذاته تنزه سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا، وفى نفس الوقت تكون أنت مخلوق بيديه على صورته.
المرتبة الثالثة: فناء به عنك: فالله تعالى أراد منك أن تصرف له العبادة، فأنت تقدم حقه، وأراد منك أداء الفرائض، فتقدم حقه، وإذا نازعتك نفسك تقدم حق الله، فتفنى وتتناسى حقك من أجل تقديم حق الله، أراد منك ترك المحرمات فتتركها ولو نازعتك نفسك؛ لأنك فنيت بمراد ربك عن مراد نفسك، فتلغي مراد نفسك، بل ومراد الخلائق كلها، ولا تنظر إليه من أجل تقديم مراد الله وما يحبه الله من أداء الفرائض، والابتعاد عن المحارم، والاستقامة على دين الله.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية