أخبار عاجلة

مذكرة المرشدين والمسترشدين (7)

إخواني – طهَّر الله قلوبنا من وسوسة الشيطان – اعلموا أن كل مسافر إلى جهة لا يخرج من بيته إلا بعد إعداد الزاد، والتحقق من استقامة الطريق، وأنه أقرب الطرق الموصلة لمقصوده، وطمأنينة قلبه بأنه آمن، ولا يكمل اطمئنانه إلا برفيق عالم بالطريق، يسلم له قياد نفسه، ينزله متى شاء ويسير به متى شاء، يطيعه في كل أمره، ويعتقد أنه لو خالفه هلك أو ضاع ماله…

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

بقية: الطريقة المستقيمة وحصون الأمن والمرشد والمسترشد البحث عن الرفيق العالم بالطريق:

إخواني – طهَّر الله قلوبنا من وسوسة الشيطان – اعلموا أن كل مسافر إلى جهة لا يخرج من بيته إلا بعد إعداد الزاد، والتحقق من استقامة الطريق، وأنه أقرب الطرق الموصلة لمقصوده، وطمأنينة قلبه بأنه آمن، ولا يكمل اطمئنانه إلا برفيق عالم بالطريق، يسلم له قياد نفسه، ينزله متى شاء ويسير به متى شاء، يطيعه في كل أمره، ويعتقد أنه لو خالفه هلك أو ضاع ماله. ولكنه لا يختار الدليل إلا إذا تحقق أنه عالم بالطريق وبأماكن الخوف فيه وأماكن الأمن وجهات المياه، ويعلم أنه له معرفة بالقاطنين بتلك الجهات، كل ذلك يعده المريد للسفر خوفًا على حياته الفانية. ولكنَّا نرى المسلم المسافر إلى الدار الآخرة، المتحقق أنه سيرجع إلى ربه، لا يُعِدُّ الزاد لهذا الطريق، ولا يجتهد في البحث عن الرفيق، ولا يخطر على قلبه أنه مسافر: إمَّا إلى جنة، وإمَّا إلى نار، فيهمل أمر الرفيق الذي يذكِّره بأيام الله، ويبين له سُبُلَ الله، ويسلك به على أقرب الطرق المستقيمة، ويزكي نفسه ويطهرها من أدرانها، وبإهماله في هذا الأمر يقع في هوة الغفلة فينسى اليوم الآخر، فينساه الله تعالى من أن يمنحه العناية والتوفيق، والنور والهداية، والعلم والإيمان، والرحمة والشفقة والإنابة، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (الجاثية: 34) فيكون بإهماله في طلب الرفيق المرشد الشفيق، سارٍ على الطريق المعوج المهلك البعيد عن الوصول، وهو طريق الحظ والهوى والغرور والأمل، ويحسب أنه يحسن عملًا.

السنَّة العملية أن يكون لكل سالك رفيق:

كيف يتهاون في اتخاذ الرفيق؟.. وقد جعل رسول الله J لكل رجل من الصحابة أخًا يأنس به في خلوته، ويستعين به إذا ذكر، ويتنبه به إذا نسى، ويعلِّمه ما تلقاه عن رسول الله J إذا غاب، مع أن شمس ذاته المحمدية كانت مشرقة. فإذا كانت السنة العملية أن يكون لكل سالك رفيق يزداد بعلمه علمًا، وبمكارم أخلاقه كرمًا، وذلك بأمر رسول الله J وبعمله، فكيف بنا ونحن في هذا الزمان المظلم نتساهل بالرفيق ونتهاون بالدليل؟.

حال الغافلين عن الآخرة:

إنما يتساهل بالرفيق من لم يؤمن بيوم الحساب، ويتهاون بالدليل من جهل المبدأ والمآل، أبعدهم الله عن الطريقة المستقيمة لانحراف قلوبهم عن الحق، قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ (الصف: 5) طمس الله بصيرتهم عن مشاهدة جمال الآخرة ونعيمها لما فرحوا بالحياة الدنيا، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾ (يونس: 7) صُمَّتْ آذانهم عن سماع الذكرى؛ لأن الله I لم يمنحهم العناية في (ألَسْتُ) فصمت عندها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ (الصافات: 13) هذا حال الغافلين عن الآخرة، والجاهلين بجمالها ونعيمها، وبما فيها من أليم العذاب وشديد العقاب، فهم كما قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (الحشر: 19) ومن جهل نفسه ونسيها كان الشرك أقرب إليه من الإيمان، وكيف يكون من جهل نفسه مؤمنًا كامل الإيمان وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: 106) ؟.

حال من منحوا التسليم والانقياد:

أما حال من منحوا التسليم والانقياد للطريق وأهله، فإن التسليم بلغ ببعضهم إلى درجة؛ حتى أخرجهم عن الحالة الوسط التي هي السعادة والفوز والفلاح. فإن بعضهم قد يسلم لأهل الجهل المدعين تسليمًا يجعلهم يكرهون الاستقامة، وينفرون من العارفين بالله تعالى العالمين بأيامه وأحكامه، ويظنون في أنفسهم أنهم خير من غيرهم، وذلك ظن الشيطان بنفسه.

وبعضهم يسلم لأهل الجذب الذين أفناهم الحب عن سوى المحبوب، وبلغت بهم الرياضة والتزكية مبلغًا جعلهم روحانيين؛ حتى صاروا بحيث يعملون أعمالًا لا تقبلها العقول: كترك الأكل زمنًا، وكبغض الدنيا وما فيها، وكتحمل البرد والحر، وكالفرار إلى الصحارى وغير ذلك، فسلموا لهم معتقدين أنهم مرشدون وتركوا أهل العلم بالله والمعرفة، وهؤلاء المنجذبون بكليتهم إلى الجناب العلي ليسوا أئمة للمتقين، ولا هداة للمسلمين، ولكنهم منحوا الحب والوجد والمعرفة لأنفسهم خاصة، وهم أبدال الأنبياء وليسوا أبدالًا للرسل، وإني ليسرني أن المسلم يعامل هؤلاء معاملة الأطفال الرضع، فيرحمهم ويشفق عليهم إكرامًا لله ورسوله، ولا يقتدي بهم، فإن اقتداءه بهم يصير به هالكًا؛ لأن لهم مواجيد ومشاهد ملكوتية، ومكاشفات عن حضرة العزة والجبروت بها سكروا، وإليها جذبوا، وفيها فنوا، وعن سواها غابوا، فمن اقتدى بهم وقلدهم – مع ما هو فيه من طمس البصيرة، وفساد السريرة، والحجاب عن مشاهد القدس – فقد هلك وأهلك غيره.

وجوب الاقتداء بإمام المتقين:

وإنما إمام المتقين من وصل إلى جناب القدس، ثم ورَّثه الله علوم الرسالة والنبوة، فقام داعيًا للحق بالحق، دالًّا على الحق بالحق، مجددًا للسنة، مبينًا لسيرة السلف الصالح. هذا هو الإمام المقتدى به، وإذا أظهره الله في عصر من العصور وجب على كل طالب أن يقتدي به، أو بمن اقتدى به، أو بمن اقتدى بمن اقتدى به، فإن هؤلاء في الجنة ماداموا محافظين على تلك الأسرار، ومن تلقى تلك الأسرار، عمن تلقى عمن تلقى عمن تلقى عن الممنوح الذي جعل الله له نورًا، الذي مات فأحياه الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: 40) وكما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (الأنعام: 122) فهو على الصراط المستقيم، ومن صلح له التلقي وأعانه الله على العمل كان ممن أخبر الله عنهم بأنه ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (النساء: 69). وشرط التلقي أن يكون المتلقي عنه تحصَّل على العلوم النافعة، وفهم حِكم الأحكام، وعرف أمراض النفوس، فقام يرشد عباد الله بالقول والعمل والحال على طبق العلم، والمحافظة على ما علمه من المرشد أو ما علمه ممن تلقى عنه من أبدال المرشد أو نوابه، بذلك يتحقق لمن تلقى العلم والعمل والحال والقول أنه سالك على الطريق المستقيم، ناهج مناهج المؤمنين، مؤهل للفوز والرضوان من رب العالمين.

هذا، وبعض أهل الطريق – إذا مات المرشد أو مات الشيخ المأذون بالطريق – يسلمون لأحد أولاده أو أقاربه، وهذا أمر حسن لو أن من سلموا له يكون على شيء من العلم والعمل والحال، واجتهد في تحصيل ما به كمال نفسه ونفع غيره، وحافظ على الاقتداء بالمرشد محافظة حقيقية في القول والعمل والحال.

أما إذا سلموا لابن المرشد أو لأحد أقاربه وكان صبيًّا لم يبلغ الحلم، أو كبيرًا على غير استقامة بعيدًا عن معرفة الطريق وأهله، فإنهم بذلك يكونون عرضوا من اقتدوا به للهلاك وأهلكوا أنفسهم؛ لأنهم بذلك يجعلوه يغتر بنفسه، ويتكبر على العلم، ويحتقر العلماء، ولا يزيده الإقبال عليه إلا غرورًا وبعدًا عن الله، وكأنهم بذلك أساءوا إلى مرشدهم، فإنه جملهم بالعلم والعمل والحال، وهم لم يحسنوا إليه في أولاده وأهله، وكان الواجب عليهم أن يجتهدوا في تربية ابن الأستاذ أو من يكون من أهله تربية حقيقية، علمًا وتهذيبًا وعملًا؛ حتى يكون لسان صدق لوالده، ووارثًا لعلومه وأحواله.. وإني لأعجب من رجل لا يرضى أن يجعل الحصرم من العنب زبيبًا، ويرضى أن يجعل الطفل الصغير المؤهل للتربية والتهذيب والتعليم مرشدًا عظيمًا، ويظن أنه يحسن صنعًا!..

فيا إخواني: دلنا الله على الخير لنعمل به وأعاننا على عمله، وأعاذنا الله تعالى من أن نعمل الشر ونعتقد أنه خير، فكم رحمة هي عين العذاب، وكم تعظيم هو عين الاحتقار. إن الله I حكم في كتابه العزيز في ميراث الأرض خاصًّا لمخصوصين، وحكم في ميراث السماء أنه فضله يؤتيه من يشاء، فحكم سبحانه وتعالى في خير الدنيا بما هو واضح، وحكم في ميراث الأنبياء والمرسلين والفضل العظيم بأنه لمن يشاء: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (الحديد: 21).

فيم يتنافس أهل الطريق ؟:

إخواني: – حفظني الله وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا – اعلموا أن المزاحمة والمنافسة إنما تكون في الفرار من الدنيا إلى الآخرة، وفي التخلي عن الرذائل النفسانية للتجمل بالفضائل الروحانية، في عمل الخير النافع لجميع الإخوان، وفي السبق في عمل القربات، والمسارعة إلى المنافسة في رفعة الدرجات عند الله لا عند الخلق، وفي احتقار نفسه ليعظمه الله، وفي الرضا بالفقير ليغنيه الله، وفي التواضع لعباد الله ليرفعه الله، وفي بغض الشهرة والسمعة والرياسة خوفًا من القطيعة عن الله. وفي اعتقادي أن الدار الدنيا فانية زائلة: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (غافر: 43).

في ذلك تكون المنافسة والمزاحمة، ينافس في ذلك أهل الله الصالحون، وأحباب الله المقربون: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26) وليست المنافسة والمزاحمة في جمع ما يفنى من المال، وما لا ينفع من الشهرة والسيادة، وما لا يدوم من ملاذ المأكل والمشرب والمنكح والملبس والمسكن. هذه هي منافسة البهائم الرتع، فإن النمل يدخر ويعتني بمسكنه، والخنازير والديكة تعتني بالمنكح، والسباع تفتخر بالجرأة والسيادة. وليس للمتقين ولا للأبرار بل ولا لعامة المؤمنين حرص على ما يزول، ولا رغبة شديدة فيما يفنى، ولكن يطلبونه بقدر الحاجة، خصوصًا إذا كان المؤمن ذا أهل وعيال، فإنه يهتم لطلب الرزق على قدر الحاجة واثقًا بالله متوكلًا على الله، عاملًا بأحكام الله، متباعدًا عن مخالفة السنة. فإذا كان المؤمن العامي الذي صدق بقلبه وأقر بلسانه وعمل بجوارحه من غير علم ولا كشف، لا ينافس إلا فيما يبقى نعيمه وتدوم بهجته، فكيف بمن يدعي أنه من أهل الطريق؟.

وإنما أهل الطريق من منحوا اليقين بعد الإيمان والحب والشوق والعلم بالآخرة، فكيف يتجملون بتلك المعاني ويتنافسون في الفاني؟ أو يسعى بعضهم في أذية بعض؟ ويقوم بعضهم ينقص البعض؟… ليسوا أهل طريق الآخرة، ولكنهم أهل طريق الدنيا، جعلوا طريق الله حبائل وشباكًا، فيتوجه الرجل منهم ويبذل المال ويأخذ ورقة تشهد له بأنه خليفة أو أنه مرشد، وهو يجهل الضروري من الدين، فيقوم ليصرف الوجوه إليه، وينفر الخلق بعضهم من بعض؛ حتى أصبح اسم الطريق بعد أن كان أهله الأئمة العلماء، والقادة الحكماء، كالإمام سيدنا أبي بكر الصديق، والخلفاء الراشدين عليهم رضوان الله، وسلمان وأبي ذر وسعيد بن جذيم وعبد الله ابن عمر وأبي هريرة، وجميع أهل الصُّفَّة بل وجميع الصحابة. وقام بعدهم التابعون كالحسن البصري وابن سيرين وابن جبير، والأئمة من أهل البيت كسيدنا علي زين العابدين والإمام زيد ابن علي رضي الله عنهم جميعًا، ثم فضيل بن عياض وحبيب البلخي وابن أدهم ورابعة وابن جريج والثوري والزهري، والأئمة من أهل البيت كالكاظم والباقر رضي الله عنهم جميعًا.

ما كان عليه أهل الطريق:

وهكذا.. كان الرجل من أهل الطريق يمشي فيجتمع الناس عليه، فيردهم الناس عنه بالسياط فلا يرتدون، ويمر بعده أمير المؤمنين في كل عصر، والناس يضربون الناس بالسياط ليجتمعوا عليه فلا يجتمعون. كان أمير المؤمنين يزور أهل الطريق في بيوتهم فيسمع منهم القوارس من الوعظ حتى يبكي، وفي زيارة أمير المؤمنين هارون لفضيل، وما واجه به ابن جريج أبا جعفر المنصور، وما كتبه بعض الصحابة لأمير المؤمنين عمر، كل هذا دليل على أن أهل الطريق كانوا أئمة للأمراء وسادة للخلفاء؛ لأنهم خافوا الله فأخاف منهم كل شيء، وأقبلوا على الله فأقبل بقلوب الخلق عليهم، وجملوا سرائرهم لله فجمل الله علانيتهم لعباده، أنت تسمع من أسرارهم وكراماتهم ما دوّنه أهل التاريخ عنهم، خصوصًا من ترجموا لأهل الطريق واعتنوا بآثارهم. كانوا إذا جلسوا في مجلس لاحت أنوار الحكمة، وظهرت أسرار المعرفة، وامتلأت القلوب إيمانًا وذُكِر الله لرؤيتهم، وكره الناس الدنيا بما فيها، ورغبوا في الآخرة وما فيها، وكم أسلم يهودي ونصراني ومجوسيّ عند سماع عباراتهم، وعلم أحوالهم، وبيان أخبارهم، هكذا كان الطريق وكان أهل الطريق؛ حتى بلغ من التعظيم في القلوب أن الناس كانوا إذا أقسموا يقولون: »وحياة أهل الطريق«.

الطريق وأهله الآن:

أما الآن – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – أصبح اسم الطريق مرذولًا، وأهل الطريق محقرين، وأقوالهم مردودة، وأحوالهم منكرة، وأعمالهم مقبحة عند أهل الغرة وأهل الدنيا، لم ذلك؟ وكيف كان ذلك؟.. لم يكن ذلك إلا لأن رجالًا اتخذوا الطريق مغنمًا ومكسبًا. فزينوا ظاهرهم للناس لخراب سرائرهم، وباعوا الدين بالدنيا، وعملوا أعمال الآخرة للدنيا، فذهبت أنوار الطريق ومحيت أسراره وانطمست معالمه، وجهلت أحوال أهله، وحجبت الإمدادات السماوية، والفيوضات الربانية التي كانت تفاض على القلوب العامرة باليقين، والأبدان العاملة بسنة سيد المرسلين، والعقول الجائلة في الفكر في آيات السماوات والأرضين، والأنفس السابحة في ملكوت السماوات والأرض، والأرواح المواجهة لقدس الجبروت، أما الآن فأصبحت أجسامهم بلا أرواح. كل ذلك للاشتغال بالدنيا عن الآخرة، وترك البحث عن الرجل المرشد العامل الدال على الله بقوله وعمله وحاله. كثر الحفاظ والمرشدون، وقلَّ الراغبون والطالبون. يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، ويجلسون مجالس الأنبياء والقلوب قلوب شياطين.

مآل من نسى يوم الحساب:

فيا إخواني: لا تشغلنكم الدنيا عن الآخرة، ولا الحظ الفاني عن النعيم الأبدي، ولا الخلق عن الحق، واعلموا أن الإنسان لو عاش ألف سنة في أوفر الملاذ وأكبر الحظوظ ثم انتقل إلى النار كان كأنه لم ينعم. ولو أنه عاش ألف سنة في فقر وعناء وذل وهوان. ثم انتقل منها إلى الجنة كأنه لم يتألم. وشقاء عاقبته الجنة: نعيم، ونعيم عاقبته النار: شقاء. هلم إخواني إلى العمل بالسنة في أنفسنا، وخيركم من أحيا سنة الله ورسوله J في نفسه ليقتدي به أولاده وأهله وجيرانه، فيكون إمامًا للمتقين.

هذا وإن تلك اللذة العاجلة والحظوظ الفانية وإن كانت مشهودة محسوسة تميل إليها النفس وترغب فيها وتحرص عليها، إلا أنك لو خطر على قلبك أنك سوف تموت، وأنك ستحاسب في القبر، وأن القبر سيكون إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وأنك بعد ذلك تصير إلى المحشر، إلى موقف ترمى فيه جهنم بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر، فلو تصورت هذا الموقف لعلمت قدر الدنيا وفررت منها، ثم بعد ذلك تساق إلى الصراط – وهو جسر على متن جهنم أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعرة – ثم إلى الميزان، ثم بعد ذلك تقف بين يدي ربك وبيدك صحيفتك، وتكشف لك حقائق نعمه سبحانه ومننه عليك، وجميل إحسانه إليك، ولطيف عنايته بك، مع غناه عنك وقدرته عليك، ثم ترى ما قابلت به مولاك من كفران نعمته، ومن الجحود به، ومبارزتك له بمخالفة أمره، والتستر من الخلق عند عصيانه جهلًا منك أنه معك، وظلمك لنفسك باعتقاد أنك تملك، وأنك تنفع وتضر، وتخلقك بأخلاق إبليس، وعملك بعمل البهائم، ومخالفتك للمرشد الناصح.

هنا – والله – تقشعر الجلود وتذوب القلوب، وتنسى حظ الدنيا، وتتمنى أن لم تكن شيئًا مذكورًا، ويقول العبد: يا ليتني كنت ترابًا، هذا مآل من نسى يوم الحساب.

أما إخواننا المؤمنون الذين عملوا بالسنة فإنهم لا يحجبون عن ربهم بل يُشْهِدهم جماله، ويمنحهم رضوانه، ولديها تحصل البهجة والسرور لمن سبقت لهم الحسنى، فينسون كل ما تألموا به في الدنيا، من الصبر على شرور الخلق وأذيتهم، والصبر على مر القضاء، فتكون فرحتهم لا تساويها فرحة، وسرورهم لا يساويه سرور. فتأمل يا أخي تلك المواقف، واعتقد أن الدنيا نعيمها حساب وعقاب، والمهانة فيها غفران ورضوان. فإن لم تستطع أن تفر بجسمك ففر إلى ربك بقلبك، ولا تجمع على قلبك وجسمك الاشتغال بالدنيا عن الآخرة، بل اشغل قلبك بربك، واشغل جسمك بقدر ما فرض الله عليك في الدنيا وبيَّن لك، وإياك أن تتبع غير سبيل المؤمنين، فيضل من اتبع غير سبيل المؤمنين ويهلك، والحلال بيِّن والحرام بيِّن، والعالم بطريق الله لا يخفى إلا على قلب أعماه الحظ والهوى، وقطعه الأمل والغرور، نعوذ بالله من حال يوجب غضب الله ويقرب من النار، ونسأله فضله ورضوانه إنه مجيب الدعاء.

الصراط المستقيم:

أنت يا أخي – منّ الله عليّ وعليك بعلوم اليقين واتباع سبيل المؤمنين – في كل يوم نسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم أكثر من ثلاثين مرة، كلما صليت في فرض أو نفل فإنك تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: 6-7) فلو كنت مخلصًا أيها المريد في صلاتك لدّلك الله على الذين أنعم الله عليهم، فاتبعتهم واقتديت بهم، ووفقك للمحافظة على حسن الاتباع لهم، وحفظك من السبل والشعوب، سبل الضالين ممن جعلوا لله ولدًا، والمغضوب عليهم ممن حرفوا كلام الله عن مواضعه. فالصراط المستقيم يا أخي أمران كما قررنا في (معارج المقربين):

الأمر الأول: السير على الطريقة المستقيمة. الأمر الثاني: تزكية النفس وتطهيرها؛ حتى تكون سابحة في عوالم الملكوت الأعلى؛ لأنها روح طاهرة زكية. فإذا منَّ الله عليك بالعالم بكتاب الله وسنة رسول الله، العالم بالنفوس وتزكيتها، فقد فزت بحقيقة السعادة، وما بقي عليك إلا أن تسلم له تسليم الطفل الرضيع للوالدين الرحيمين. عليك يا أخي أن تجاهد نفسك، وتقدم حظ هذا المرشد على حظ نفسك، وهواه على هواك، وتترك كل لذة وشهوة إذا أمرك، وترضى بما يؤلم من القول والعمل لتفوز بأن تَزْكُوَ نفسك وتكون من السالكين على مناهج الصديقين والمقربين.

تزكية النفس:

وأهم شيء في الطريق تزكية النفس، فإنك بتزكية نفسك تكون تشبهت بالعوالم الروحانية، وتخلقت بالأخلاق الملكية، وتجملت بمعاني أهل معية رسول الله J التي ذكرها الله في آخر الفتح، فتكون وأنت في آخر الزمان مع رسول الله حكمًا، فائزًا بفضل أهل المعية، ممنوحًا المواهب الإلهية، والعلوم الربانية، بفضل تحققك بنسب المعية. وقد تبلغ بك درجة التزكية إلى أن تكون روحانيًّا كلك، ربانيًّا جميعك، فيتفضل الله عليك بنور يقذفه في قلبك على لسان ملك الإلهام فتكون من الراسخين في العلم، الذين مدحهم الله في كتابه العزيز وأثنى عليهم، وضرب بهم الأمثال ولهم الأمثال، وبذلك تكون أنفع لعباد الله من الشمس المشرقة، ومن السحب الهاطلة، ومن تصريف الرياح، ذلك لأنك تكون نجاة لأنفسهم وأبدانهم من هاوية البعد والجهل، ويقظة لقلوبهم من نومة الغفلة ورقدة الجهالة، يرزقهم الله على يدك ولسانك الرزق الذي به السعادة الأبدية والنعيم السرمدي.

السالك لهذا الطريق:

السالك لهذا الطريق عليه أن يتحصن بحصون الأمن، ويتجمَّل بالجمال الذي يحبه الله تعالى ويحبه رسول الله J.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

في ذكرى: الولي العالم المربي فارس الدعوة (2)

جرت الحكمة الإلهية أن يكون بجوار كل إمام من أئمة أهل البيت في وقته فارسٌ، …