أخبار عاجلة

معارج المقربين (23)

هي إما معاملة الله تعالى، أو معاملة خلقه. أما معاملة الخلق فإن الله سبحانه خلق الخلق محتاجًا بعضهم إلى بعض، لا يمكن لواحد منهم أن يقوم بضرورياته، فضلًا عن كمالياته..

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

الركيزة الثالثة: المعاملة

هي إما معاملة الله تعالى، أو معاملة خلقه. أما معاملة الخلق فإن الله سبحانه خلق الخلق محتاجًا بعضهم إلى بعض، لا يمكن لواحد منهم أن يقوم بضرورياته، فضلًا عن كمالياته، إلا بمساعدة كثير من بني جنسه، ليقوم كل واحد منهم بعمل للآخر. فكان من الحكمة وجود المبادلة، والمبادلة تؤدي إلى المفاوضة، وقد تؤدي المفاوضة إلى المعارضة، ولا تطمئن القلوب إلا بحكم الحكم العدل. فأنزل الله تعالى أحكام المعاملات في كتابه العزيز، وبيَّن لنا رسول الله J ذلك، فمن أراد أحكام البيع والشراء، والكفالة والحوالة، والرهن والشركة والإجارة، وغير ذلك، فليراجع ذلك في كتاب: (أصول الوصول) ولكني في هذا المختصر أحببت أن أبين فضائل المعاملة، ومعاملة السلف الصالح، ولما كانت معاملة الله سبحانه وتعالى قاصرة على علم القلوب، قد بينت ذلك في علوم اليقين، من كتاب: (أصول الوصول) فما بقي إلا أن أشرح فضائل المعاملة، فأقول وبالله التوفيق:

المعاملات وفضائل المعاملين:

المعاملة هي المقام العلي، الذي يتفاضل فيه المسلمون، ويتسابق فيه أهل النفوس العالية؛ لأنه نتيجة اليقين الكامل بالتوحيد الخالص من شوائب الشكوك، وأدران الحظوظ، ورين التقليد والعصبية، حتى أن الإنسان ليكون أقرب من الملائكة عند الله تعالى، وأحب إلى النفس عند العقلاء من إخوانه بحسن معاملته، وجميل أخلاقه؛ حتى يبلغ درجة من السعادة في الدنيا والآخرة لا يبلغها الشهداء.

وقد حصر رسول الله J الدين في المعاملة حصرًا حقيقيًّا؛ لأن الدين هو معاملة دائرة بين حقوق عليك لله تعالى، ولرسوله J، ولوالديك وأهلك وأرحامك، وخاصة المسلمين وعامتهم، وجميع بني آدم، وجميع الحيوانات الحية. فما من رتبة في الوجود إلا وأنت تطالبها بحق، وتطالبك بحق، فإذا حسنت معاملتك مع كل رتبة، كنت مسلمًا كامل الإسلام.

إذن فالدين المعاملة لا شك، وبها السعادة في الدنيا والآخرة. والمعاملة نتائج العقيدة، فإن العقيدة تحقق صاحبها بأن له إلهًا متصفًا بجميع الجمالات والجلالات والكمالات، منفردًا بالإرادة والمشيئة في إيجاد كل موجود، وإمداده بما به بقاؤه، وهو المقدر لكل شيء، وإليه يرجع كل شيء. فإذا تحقق في هذا راقبه في خلقه، وعامله في عباده، فلا يتحرك حركة، ولا يتنفس نفسًا، إلا وهو ملاحظ عظمة هذا الرب الجبار المقدر المنفرد بالتقدير، فيجعل كل حركاته وسكناته فيما يرضيه، وبما به يفوز لديه بنعيم جزائه، فتحسن معاملته لكل كائن حي، ومراقبته للخالق.

نموذج من حسن المعاملة:

وإليك نموذج من حسن المعاملة: إذا تحققت أنك تساء إذا اغتابك آخر، أو سعى في مضرتك مالًا أو جاهًا أو منزلة، أو استهان بك في حضورك أو غيبتك، وأنك بهذا تميل إلى الانتقام منه بحولك وقوتك بأكثر مما بلغك عنه، وتتلذذ بمضرته، وينشرح صدرك لذلك وتستحسنه، ولا تقبل نصيحة من ناصح فيه، فأحرى بك أن تمتنع عن أن تعمل في أخيك ما به يحصل له ما كان حاصلًا لك. فإذا وقعت في مثل هذا فاعتقد أن أخاك له العذر، وبادر إليه معتذرًا لتزيل ما به من نار الغيظ، واسع في معاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به من المحافظة على النصيحة لهم بطريقتها الشرعية المألوفة للعقل والمروءة، واضعًا نفسك موضع من تنصحه، وأنه هو الناصح لك، فتستعمل الدواء الذي تحب أن تستعمله لنفسك عند انحراف مزاجك. ولا تنس مراقبة الحق، والإخلاص لذاته سبحانه وتعالى في كل ذلك؛ حتى تفوز برضاء الله تعالى، ورضاء إخوانك، ورضاء الفضيلة.

وليس كل من صام وصلى وزكى وحج يكون كامل الإسلام حتى تكمل أخلاقه، وتطهر صفاته، وتزكو نفسه، فإن تلك الأعمال تنهي عن الفحشاء والمنكر لمن قام بها، عاملًا بحقائقها، مراقبًا في عملها مكانته من العبودية، ومكانة من قام بها لذاته العلية من الألوهية والعظمة، والقدرة والعزة والقوة، منزهًا جنابه العلي عن العلة والغرض والشريك والمعاون؛ حتى يتحقق بمقام الخوف والخشية والرهبة من جلاله وكبريائه. وبذلك تتزكى نفسه، وتتهذب أخلاقه، وتحسن معاملته لجميع إخوانه والناس أجمعين. وإذا كانت المقدمات لا تنتج فهي على غير وجهها الذي وضعت له، وإذن لا تنتج في الآخرة.

وإن كثيرًا من المسلمين في هذا الزمان، يتساهل في القيام بأركان الدين، مادام في عافية من الأمراض والفقر والخوف، بل تأخذه العزة بالإثم فيعتقد عقيدة قارون: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص: 78)، فيتكبر ويستهين بأعمال البر، ومكارم الأخلاق، ومعاملة ربه، ويزدري بالقربات، وبأهل التمسك بالدين، ويفتخر بأعمال الفجار، والمتهتكين وغيرهم، حتى إذا نزلت به نازلة المصائب، وفاجأته فاجئة البلايا: ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ (الزمر: 8)، وندم على ما فرط، وسعى لأهل الصلاح تائبًا مبتهلًا، وأقبل على الله سبحانه، ولكن قل أن ينفعه إقباله؛ لأنه مخادع كاذب في دعواه، وما رجع به إلى الله سبحانه إلى سوط النقمة، وبادرة البلية. فالعاقل من تقرب إلى الله في الرخاء؛ حتى يتقرب الله تعالى إليه في الشدائد. هذا وإن لم تبادره المصائب في حياته، واستدرجه الله سبحانه حتى غادرته منيته، وفاجأته المنون: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ (الروم: 57).

وكثير منهم من يكثر الصلاة والصيام وغيرهما، مع قيامه بمضرة إخوانه المسلمين، وانتقادهم وإساءتهم وإظهار عيوبهم بغير أسلوب النصيحة، ويبيت الليل والنهار بين غيبة ونميمة، وتنقيص المسلمين، وسعى في مضرة أفرادهم، ويحسب أنه يحسن عملًا، مع أنه – والعياذ بالله – أشبه إبليس في علمه وعمله. وبحقك متى يكون المشابه لإبليس مسلمًا حقيقة؟!.

فيا أيها المسلم: تحقق أن المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، أتحسب أن الإسلام طهارة بالماء؟ الماء لا يطهر الخبائث النفسانية، ولا يزكي النفوس الشيطانية، ولا يكون المسلم مسلمًا إلا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه، وبذلك يحسب مسلمًا حقًّا عدلًا عند الله وعند عباده:

مَعَالِمُ السَّيْرِ بَعْــــــــــــــــــــدَ يَقِينِ إِيمَانِ

فِيهَا خَفِيٌّ وَمَا قَدْ تُظْهِــــــــــــــرُ الْعَيْنَانِ

أَمَّا الْجَلِيُّ فَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ قَـــــــــــــــدْ

وَضَحَتْ مَعَالِمُهَا بِدَلِيـــــــــــــــــلِ تِبْيَانِ

هِيَ الصَّلَاةُ صِيَامٌ وَالزَّكَاةُ كَــــــــــــــذَا

وَالْحَــــــــــــــجُّ وَالنُّطْقُ وَالتَّهْلِيلُ بِلِسَانِ

وَرَحْمَةٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ عَنْ عَمَــــــــــــلٍ

بِالْقَوْلِ وَالْعَقْلِ فِي عَجْـــــــــــزٍ وَإِمْكَانِ

بِرُّ الأَقَارِبِ وَالأَرْحَامِ وَصِلَتُهُــــــــــــمْ

بِالْمَالِ وَالْبِشْرِ وَ بِعُلُــــــــــــــومِ عِرْفَانِ

وُدُّ الْبَعِيدِ وَإِكْرَامُ الضُّيُوفِ بِـــــــــــــهِ

نَيْلُ الْقَبُولِ وَإِحْسَانٌ لِجِيــــــــــــــــرَانِ

وَغَضُّ بَصَرٍ عَـــــنِ السَّوْءَاتِ حِفْظُ يَدٍ

عَنِ الدَّنِيءِ وَعَـــــــــــــنْ زُورٍ وَبُهْتَانِ

حِفْظُ اللِّسَانِ عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ وَعَــــــنْ

كَشْفِ السَّتَائِرِ عَنْ قَاصٍ وَعَـــــــنْ دَانِ

لَا تَأْكُلَنَّ طَعَامًا تَدْرِي شُبْهَتَـــــــــــــــهُ

وَازْهَدْ فَفِي تَرْكِهِ لِلْمَــــــــــرْءِ حِصْنَانِ

وَالْفَرْجَ فَاحْفَظْهُ لَا تَهْتِكْ مَحَارِمَــــــــهُ

فَفِي الزِّنَا مِـــــــــــــنْ نَعِيمٍ كُلُّ حِرْمَانِ

وَاسْتَحِي مِـــــــــــنْ عَالِمٍ يَرْآكَ مُرْتَكِبًا

تِلْكَ الْفظَائِعَ وَاخْشَىٰ حَـــــــــــرَّ نِيرَانِ

إِيَّاكَ وَالْقَتْلَ لِلنَّفْسِ الْبَرِيئَـــــــــــــــةِ إِذْ

فِيهِ الْخُلُـــــــــــــــودُ وَفِيهِ كُلُّ خُسْرَانِ

وَلَا تَمُدَّ يَدًا لِلْمَالِ تَأْخُــــــــــــــــــــذُهُ

إِلَّا بِحَقٍّ بَدَا فِـــــــــــــــي نَصِّ فُرْقَانِ

وَالأَهْلَ وَالصَّحْبَ وَالإِخْوَانَ تُكْرِمُهُمْ

بِكُلِّ لُطْفٍ وَلَا تَظْهَـــــــــــرْ كَشَيْطَانِ

وَمَنْ تَوَلَّاكَ مِنْ خَدَمٍ وَمِــــــــنْ حَشَمٍ

فَرَاعِ جَانِبَ قَهَّارٍ وَسُلْطَـــــــــــــــانِ

وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ عَبْــــــــــدٌ وَاجْتَنِبْ سَفَهًا

وَدَعْ حَمَاقَةَ مَغْــرُورٍ وَغَفْـــــــــــلَانِ

وَاحْفَظْ مَوَاهِبَ مَوْلَاكَ الَّتِي وُهِبَـتْ

بِالْفَضْلِ تَحْظَــىٰ بِإِحْسَانٍ وَرِضْـوَانِ

وَاسْتَرْعَ مَا أَنْتَ تَرْعَاهُ بِرَحْمَتِــــهِ

فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ حَــــــــــــــــــقٌّ بِبُرْهَانِ

الحقوق ثلاثة

حق فيك، وحق عليك، وحق لك

1- الحق الذي فيك:

ولا يتسنى للإنسان أن يفي بما عليه وما له، إلا بعلم ما فيه؛ لأنهما لازمان له، وناتجان عنه، وعلمه محظور على من ليس له قلب؛ لأنه علم بأسرار عالية، ومعان غيبية، وأنوار بالحس والحظ والشهوة والهوى محجوبة.

علم به التحقق بما أودع في العالم من الخواص والفوائد والفطر، وما امتاز به الإنسان من الفضل والإكرام؛ حتى سخر له كل كائن من عوالم الإمكان.

علم تنكشف به حقيقة النفس، وتصغر به خفيات الحكمة القدسية، وأسرار المعاني العلية، حتى يعرف الإنسان ما فيه من الحكم الربانية، وما أبدعته يد القدرة الإلهية، وجملته به من الصفات، وحلته به من الكمالات، حتى أفرغ في أجمل الصور، وظهر في أكمل هيئة، سميعًا مبصرًا مفكرًا عالمًا قادرًا مريدًا عاقلًا قاهرًا لما دونه، مسخرًا كل شيء لإرادته، باحثًا في كل شيء، مخترعًا مبدعًا يدرك ما غاب بما شهد، ويعلم ما احتجب بما ظهر.

علم: هو العلم، من جهله فهو دون مرتبة الحيوان الأعجم – وإن ملك الأرض وما فيها – لأنه بجهله لنفسه لم يملكها، ومن لا يملك نفسه كيف يملك غيره؟! وإنما مثاله كمرض قام بجسد قوي أرقده، فهو يعالج خلاصه منه، مع خضوعه له وإذلاله لحكمه، حتى إذا قوي وزال مرضه فارقه وهو عدو له في الحالين.

أما من علم هذا العلم، فإنه يملك نفسه، ومتى ملك نفسه، صار كل كائن خاضعًا له، مقتديًا به منقادًا لأوامره.

وهذا الحق الذي هو في الإنسان: سر الإيجاد والإمداد المفاض من الله سبحانه؛ لأن الإنسان إما عدم أو طين أو ماء مهين، فهذه المراتب لا يخرج عنها في الحقيقة، وما زاد عليها بفيض من المنعم المتفضل المبديء المعيد، بديع السموات والأرض، فلو كوشف بتلك الأسرار، وتحقق بما ظهر له فيه، كملت معانيه، وتيسرت أمانيه، وصار عبدًا لخالقه وبارئه، ملكًا حرًّا لا عبودة فيه لغير مولاه، الذي بمحض الفضل من العدم أنشأه ووالاه، وهذا الخفي الجلي، والنور الكامن المضيء، لا يظهر لطالبه الصادق، ولا يشهد لمريده المخلص، إلا ببيان المرشد الكامل بعد العلم والعمل والرياضة، وترك الحظ والأمل؛ لأنه حق مبين، ولكنه عليُّ عن عقول العالمين.

2- الـحــق الـــذي عليك:

إذا تحققت بما فيك، انكشف لك نور الحكمة في كل شيء، وعلمت مراتب الوجود، ونسبة كل مرتبة إلى موجد الوجود، فقمت عاملًا لله سبحانه، قائمًا بتوفيقه في علمه سبحانه الذي أوجبه عليك، بعد العلم اليقيني بمعرفته سبحانه، وأنك عبد مكلف بتأدية ما أوجب.

عندها تتحقق أنك مطالب بالشكر للمنعم على نعم أسبغها، وبركات أولاها، ثم بالشكر لمن أوصل لك النعمة على يديه من غير مبادلة، بل بالقصد والتخصيص لك كوالديك، ومعلمي الخير، وأئمة المسلمين.

والشكر للمنعم سبحانه، بأن تخصه سبحانه بالعبادة دون غيره، وتراقب جنابه العلي في كل أحوالك، بالقيام بعمل ما كلفك به، وترك ما نهاك عنه، مخلصًا لذاته، صادقًا في معاملاته.

وشكر غيره ممن أجرى النعمة لك على يدهم بالقصد منهم بدون مبادلة، هو الإحسان إليهم بما يمكنك من المكافأة أو الدعاء، والاتباع لنصائحهم، والتباعد عن مخالفتهم وأذيتهم، معاملة لمولاك، وصدقًا في عبادته، خصوصًا بر والديك، وصلة أرحامك وأقاربك، والعناية بأهلك وأولادك، وإكرام جيرانك، والوفاء بالعهود، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وحسن الأداء، وأداء الأمانة، والعطف على أهل البلايا، والرحمة بالمساكين، والشفقة على الفقراء، وغض البصر عن مساوئ الخلق، وترك غيبة من تستر عنك ذنوبه وسيئاته، والسعي بالصلح بين الناس، وأن يأمن جارك بوائقك، ودفع السيئة بالحسنة، والتواضع لجميع الخلق لله تعالى، وإلانة الجانب لهم، والإحسان إلى الجليس والمعاشر وإن أساءا، وأن لا يسمع منك جليسك إلا خيرًا، وأن تصمت وتظهر الغضب إذا قال شرًّا في غيرك في مجلسك؛ حتى يعلم أنك تكره الشر من القول والعمل.

ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحًا، ولا تفتح على نفسك باب شر، فيشغلك عن عمل الخير، وإذا بليت بشرير: فإما أن تجتهد في أن تجمل أخلاقه إن كان قابلًا وأهلًا، أو تجتهد أن تحفظ نفسك منه إن كان مفطورًا على الشر، باشتغالك عنه بعمل نافع من صلاة وذكر وقراءة قرآن، في أوقات فراغك، أو عمل نافع في أوقات عملك حتى يفارقك إذا لم يرك مشابهًا له في خلقه.

يجب عليك أن تعمر كل أوقاتك بما يناسبها من ذكر، أو شكر، أو عمل نافع، أو راحه لبدنك، وربما كان النوم أفضل من بعض النوافل مع الحمقى، هذا بعض ما يجب عليك، وهي كليات يمكنك أن تفهم بقية الجزئيات منها.

3- الحق الذي لك:

الواجب لك على أخيك، هو عين ما يجب عليك له، فإن قام أخوك بالواجب عليه لك من نفسه، وقمت له بذلك من نفسك كنتما رفيقين في الجنة. وإن لم يقم لك بالواجب عليك، فقد نقصت فضيلته، وضاعت مروءته، وحرم ثواب الله تعالى، فقم أنت له بالواجب عليه له، ولا ترض لنفسك بتلك الرذائل والنقائص، ليكون لك الذكر الجميل في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، وهذا نهج الصديقين، وطريق المقربين، وعمل المتقين، والله سبحانه وتعالى يوفقنا لما يرضيه، ويحفظنا مما يغضبه، إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين.

الركيزة الرابعة: الأخلاق

اعلم – يا أخي – أن حسن الخلق والسيرة العادلة هما من أخلاق الملائكة، ولكن بعضها من جهة النفوس مركوزة فيها، وبعضها عادة جارية معتادة. وهذا حكم خلق السوء والسيرة الجائرة، هما من أخلاق الشياطين، بعضها جبلة مركوزة في النفس، وبعضها عادة جارية، هي التي نشأ عليها الصبيان من الصغر ويتربون من الصغر عليها، ويأخذها الناس ممن تصحبه وتتربى معه من الآباء والأمهات والأخوة والإخوان والجيران والمعلمين.

واعلم أنه ربما لا يتفق الإنسان هذه الأمور المحمودة من الصغر على حسب ما ينبغي، ولكن يجب على العاقل أن يتفقد أحواله وأخلاقه وسيرته وعاداته واعتقاداته، ويتبصر فيترك ما كان منها فاسدًا رديئًا، ويجتهد وينظر ويميز ويبحث فإن الله تعالى ما بعث الرسل والأنبياء إلا لإصلاح الأمور الفاسدة الثابتة مع الطباع الرديئة، والعادة الجارية. وقد ذكر العلماء والحكماء في كتب الأخلاق أنه ينبغي لكل إنسان أولًا أن يبتدئ بإصلاح أخلاق نفسه وعاداته، فإذا عدلها واستوت، فعند ذلك له أن يصلح غيره، وقال عليه الصلاة والسلام: » كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته « وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ (المائدة: 105).

ثم اعلم أن أكثر الناس قد تركوا وصية ربهم ونصيحة نبيهم، فيما أمرهم به من إصلاح ذات بينهم، وما فيه نجاة نفوسهم من العذاب الأليم، بما رسمه لهم من التعاون والتعاضد والتناصر والتحابب والتودد والألفة فيما بينهم. فاشتغلوا بعمل ما نهوا عنه من  ذكر عيوب بعضهم بعضًا، والشنعة من بعضهم على بعض، وصاروا فرقًا ومذاهب وشيعًا، وتوقدت بينهم نيران العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وذلك أنهم يعيب بعضهم بعضًا بحرقة قلوبهم، وألم نفوسهم، وهم في العذاب مشتركون، أولهم مع آخرهم، كما ذكر الله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ (الأعراف: 38) التي خالفتها وقالوا: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ (ص:59) وقالوا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ (الأعراف: 38) يعني من كان موافقًا لهم، وقيل لهم: ﴿  فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ (الأعراف: 39) لما تركتم وصية ربكم ونصيحة نبيكم، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118) فكانوا هم الظالمين بتركهم الوصية.

هذه الكلمة المجملة في الأخلاق، تفصيلها ميسور لكل من تدبر.

الخُلق وأقسامه:

الخلق حال داعية للنفس إلى أفعالها، من غير فكر ولا روية، وهي قسمان: منها ما هو من أصل المزاج وتركيب الأبدان، ومنها ما هو مستفاد بالعادة والتدريب وتزكية النفس:

1- فالأول كسرعة الغضب من أقل شيء، والخوف والجبن من أيسر شيء، والتهور والضحك بغير موجب حقيقي، وهذا من أصل الفطرة والمزاج، ومن الصعب علاجه.

2- أما المستفاد فقد يكون مبدؤه الروية والفكر والمجاهدة، ثم يصير حالًا للنفس لازمًا.

وقد اختلف علماء الأخلاق في الخُلق، فقال بعضهم: من كان له خُلق فطري لا ينتقل عنه، وقال آخرون: ليس شيء من الأخلاق طبيعيًّا للإنسان، ولا غير طبيعي، واستدلوا بأن الناس مطبوعون على قبول الخلق، ويؤثر فيهم التأديب والمواعظ، إما بسرعة وإما ببطء.

وهذا الرأي اختاره؛ لأنه مشاهد عيانًا، ولأن المذهب الأول يؤدي إلى إبطال قوة التمييز والعقل، ورفض التعاليم والتزكية، وترك الناس همجًا، وترك العناية بالصبيان، وهذا ظاهر الفساد والشناعة.

واختلافات القدماء في الخلق لا لزوم لتفصيلها في هذا المختصر، وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يدل على أن الإنسان يتغير خلقه، قال الله تعالى: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ (الزمر: 17-18) وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾(الزمر: 23) وقال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الذاريات: 55). وقال تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ (فصلت: 34) وقال تعالى: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ (الشمس: 8-9) وكثير من الآيات ورد في هذا المعنى.

وقد ورد في السنة ما يدل على ذلك، ومن طالع سير الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، يظهر له صحة ذلك.

ولما كان ولا بد لكل مؤمن أن يحيط علمًا بأخلاق سيدنا ومولانا رسول الله J ليجاهد نفسه على حسن الاقتداء والتشبه بحضرته المحمدية عليه الصلاة والسلام، كان ولا بد من ذكر قطرة من محيط أخلاقه الطاهرة النبوية، التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ونذرًا يسيرًا من شمائله J، وليحسن للمريد حسن الاتباع في القول والعمل اللَّذين بيناهما فيما سبق من الكتب، ويحصل له جمال الاقتداء به J، في جمال أخلاقه الطاهرة الزكية، فيكون في معيته بالتشبه به صلوات الله وسلامه عليه.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

لماذا إذا سقطت إيران سقطت الأمة الإسلامية؟!!

في احتفالٍ الاتحاد العالمي للطرق الصوفية ومشيخة الطريقة العزمية بمناسبة ذكرى غزوة بدر الكبرى ومولد …