أخبار عاجلة

نصرة النبي المختار في أهل بيته الأطهار (90)

من أقوال السيدة زينب: يا من كفانى عن جميع خلقه، ولم يكفنى عن خلقه أحد سواه، يا أحد يا من لا أحد إلاه، انقطع الرجاء إلا منك يا الله، فاغثني يا غياب المستغيثين…

المستشار رجب عبد السميع وأ. عادل سعد

بقية: ابتلاءات أهل البيت ومحنهم

بقية: ابتلاء واستشهاد آل البيت في عهد الدولة الأموية

تحقق عهد رسول الله في استشهاد آل بيته:

ورد بكتاب ابنة الزهراء بطلة الفداء زينب 1 تأليف الأستاذ/ على أحمد شلبى الصادر من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لجنة التعريف بالإسلام، ما جاء على لسان العقيلة زينب بنت الإمام علي 5 من أنه: وها هي ذي السيدة زينب 1 ترى أمامها عليًّا زين العابدين ابن الحسين، وقد وقعت أبصاره على أهله وأنصارهم قتلى شهداء وبينهم والده الحبيب، فى صورة تنفطر لها القلوب وتقشعر منها الأبدان والجلود، فيعظم ذلك عليه ويشتد اضطرابه وينفذ صبره ويزيد جزعه وقلقه لصغر سنه، فتضمه عمته العقيلة إلى صدرها الحنون وتأخذ في التخفيف عنه، وتصبره قائلة له: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدى وأبى وإخوتي. فيقول لها: – وكيف لا أجزع وأهلع وأنا أرى سيدى وإخوتي وعمومتي وولد عمى مصرعين بدمائهم مرملين([1]) بالعراء لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربنهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم. فتجيبه:

– لا يجزعنك ما ترى، فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله J إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة والجسوم المضرجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف([2]) علمًا لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يمحى رسمه، ولا يدرس أثره، ولا يزداد إلا علوًّا على مر الأيام وكر الليالي، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة فى محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورًا وأمره إلا علوًّا. فقال لها: وما هذا العهد وما هذا الخبر؟ فقالت 1 (كما جاء فى كتاب زينب الكبرى بنت الإمام على بن أبى طالب 0 تأليف جعفر النقدي): حدثتني أم أيمن([3])، أن رسول الله J زار منزل فاطمة الزهراء 1 فى يوم من الأيام، فعملت له حريرة، وأتاه علي 0 بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن فأتيتهم بعس([4]) فيه لبن وزبد، فأكل رسول الله J وعلي وفاطمة والحسن والحسين 7 جميعًا من تلك الحريرة وشرب وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل J كما أكلوا من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله J يديه وعليٌّ 0 يصب عليه الماء. فلما فرغ من غسل يديه مسح وجهه ثم نظر إلى على وفاطمة والحسن والحسين 7 نظرًا عرفنا به السرور فى وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء مليًّا، ثم إنه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا ثم خر ساجدًا وهو ينشج([5]) فأطال النشيج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صيب المطر. فحزنت فاطمة وعلى والحسن والحسين 7 وحزنت معهم لما رأينا من رسول الله J، وهبناه أن نسأله، حتى إذا طال ذلك، قال له على 0 وقالت له فاطمة 1: ما يبكيك يا رسول الله، لا أبكى الله عينيك، فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك. فقال J: (يا أخي سررت بكم سرورًا ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته على فيكم، إذ هبط عليَّ جبريل A، فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى اطّلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك فأكمل لك النعمة، وهنأك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم، يحبون كما تحبي، ويعطون كما تعطى؛ حتى ترضى وفوق الرضى، على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك، ويزعمون أنهم من أمتك، براء من الله ومنك، خبطًا خبطًا([6]) وقتلًا قتلًا، شتى مصارعهم نائية قبورهم، خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله U على خيرته، وارض بقضائه بما اختاره لهم. ثم قال لي جبريل: يا محمد! إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو مغرس شيعته([7]) وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا – وأومأ إلى الحسين 0 – مقتول في عصابة من ذريتك  وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات، بأرض يقال لها كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذى لا ينقضي كربه، ولا تفنى حسرته، وهى أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة، يقتل فيها سبطك وأهله، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السموات بأهلها، غضبًا لك يا محمد ولذريتك، واستعظامًا لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما تكافأ به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شيء من ذلك إلا استأذن الله U في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك، فيوحى الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن، إني أنا الله الملك القادر الذى لا يفوته هارب، ولا يعجزه ممتنع، وإنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر([8]) رسولي وصفيي، وانتهك حرمته، وقتل عترته، ونبذ عهده، وظلم أهل بيته، عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. فعند ذلك يضج كل شيء في السماوات والأرضين يلعن من ظلم عترتك، واستحل حرمتك. فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعهم، تولى الله J قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد، مملوءة من ماء الحياة، وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفًّا صفًّا عليهم، ثم يبعث الله قومًا من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشتركوا فى تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسمًا لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علمًا لأهل الحق، وسببًا للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء، مائة ألف ملك فى كل يوم وليلة، ويصلون عليه، ويطوفون حوله، ويسبحون الله عنده، ويستغفرون الله لمن زاره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائرًا من أمتك، متقربًا إلى الله تعالى وإليك بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم([9]) نور عرش الله، هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء، فإذا كان يوم القيامة، سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار، يدل عليهم ويعرفون به. وكأني بك يا محمد بيني وبينك ميكائيل وعلي أمامنا ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عددهم، ونحن نلتقط من ذلك الميسم فى وجهة من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطك، لا يريد به غير الله U. وسيجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من الله والسخط، أن يعفو رسم ذلك القبر ويمحو أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلًا.

ثم قال رسول الله J، فهذا أبكانى وأحزنني.

قالت السيدة العقيلة زينب 1، فلما ضرب ابن ملجم – عليه لعنة الله – أبى 0 – ورأيت أثر الموت منه، قلت له: يا أبت، حدثتنى أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك. فقال: يا بنية، الحديث كما حدثتك أم أيمن([10])، وكأنى بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد، أذلاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس فصبرًا صبرًا، فوالذى خلق الحبة، وبرأ النسمة، ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم، ولقد قال لنا رسول الله J، حين أخبرنا هذا الخبر، أن إبليس – عليه اللعنة – فى ذلك اليوم يطير فرحًا، فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته، فيقول: يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا فى هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم على عداوتهم، وإغرائهم بهم وأوليائهم، حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس – وهو كذوب – إنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب؛ غير الكبائر.

كان هذا ما روته السيدة العقيلة زينب 1 لابن أخيها زين العابدين علي بن الحسين 5، عندما رأت جزعة وقلقه لما حدث أمام ناظريه، وهذا يدل دلالة واضحة على شجاعتها النادرة وصبرها وقوة تحملها، وهى تشاهد فى ميدان المعركة ما سبق لها أن علمته من قبل، فترى بعينيها مصرع أهلها وأنصارهم الواحد تلو الآخر، والتمثيل بهم، ومن بينهم ولداها، إلى أن استشهد الإمام الحسين 0.

===========================

([1]) تغطيهم الرمال.

([2]) اسم المكان الذى وقعت فيه معركة كربلاء، والتى عرفت كذلك بموقعة الطف.

([3]) أم أيمن كانت مولاة النبى J وحاضنته. وقد شهد لها أنها من أهل الجنة.

([4]) العس بضم العين، القدح الكبير.

([5]) النشيج: الصوت مع توجع وبكاء. والنحيب البكاء بصوت طويل.

([6]) خبطًا خبطًا: يقال خبطة خبطًا، أي: ضربه ضربًا شديدًا.

([7]) مغرس شيعته أي: منبتهم.

([8]) وتره أي: جعل له وترًا عنده فهو موتور، والموتور هو الذى قتل له قتيل فلم يدرك دمه.

([9]) الميسم بالكسر، التى يكون بها الوسم أى العلامة.

([10]) أي صدقت أم أيمن فيما حدثتك به، ثم شرح لها ما يجرى عليها.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …