أخبار عاجلة

رأي الإمام أبي العزائم في مسائل العقيدة (38)

تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.

وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.

الدكتور سامي عوض العسالة

بقية: الفصل الأول: الإلهيات

بقية المطلب الثالث:

صفات المعاني

بقية: (5) (6) صفتا السمع والبصر

الدليل على إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى عند المتكلمين:

بعد أن اتفق الأشاعرة على إثبات هاتين الصفتين لله U افترقوا في طريق إثباتهما على النحو التالي:

الإمام الأشعري:

اعتمد الأشعري في إثبات هاتين الصفتين علي العقل منطلقًا من قاعدة إثبات الحياة، حيث يقول: إن الحي إذا لم تطرأ عليه آفة تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات يكون سميعًا بصيرًا، ولما كان الله U حيًّا لا تجوز عليه الآفات؛ إذ جوازها يفيد الحدوث، صح أنه سميع بصير([1]).

ووافقه على هذه القاعدة في الاستدلال معتزلة البصرة.

الإمام الجويني:

اعتمد إمام الحرمين “الجويني” في إثبات هذه الصفة على المنهج العقلي أيضًا لكنه انطلق من قاعدة غير التي انطلق منها الأشعري وهي: “الكمال والنقصان” حيث يقول: “إن من أثبت للمخلوق إدراكًا لم يثبت للخالق فقد جعل للمخلوق ميزة ليست في الخالق، وكيف يصح أن يعطى الخالق للمخلوق صفة كمال ليست موجودة في الخالق؟!([2]).

الإمام الغزالي:

يعتمد الغزالي في إثبات هاتين الصفتين على العقل والشرع معًا، فاعتمد على آي القرآن، كما ارتكز علي قاعدة الكمال والنقصان، ولم يتعرض لقاعدة “إثبات الحياة” التي ساقها الأشعري لا بالتأييد ولا بالرفض([3]).

الإمام الرازي:

سار الإمام الرازي بهذه القضية مسارًا جديدًا حيث اعتمد في إثبات هاتين الصفتين علي الدليل النقلي فقط، كما وأنه رفض الدليل العقلي بمرتكزيه السابقين لدي المدرسة الأشعرية، حيث أورد علي كل منهما اعتراضًا مفاده في الأولى: إن حياة الله مخالفة لحياة الكائنات، وبالتالي فإنه تعالى لا يشترك معنا في جميع الأحكام، فإذا كانت حياتنا مصححة للاتصاف بهاتين الصفتين، فلا يلزم من ذلك كون حياته كذلك([4]).

ومفاده في الثانية: أن الماشي أكمل من الذي لا يمشي، ونحن نتصف بذلك، والله منزه عنه، فيلزم أن يكون الواحد منا أكمل من الله تعالي وهذا لم يقل به أحد([5]).

وبناء على ما سبق نجد الإمام الرازي يصرح بأن منهج الاستدلال على إثبات هاتين الصفتين – السمع والبصر – التمسك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وقد سار على هذا المنهج “صاحب المواقف وشراحه”.

رأى الإمام أبي العزائم 0:

يتفق الإمام أبو العزائم 0 مع الإمام الرازي ومن وافقه حيث  يقول الإمام 0: “وأما صفتا السمع والبصر فإنما أثبتهما الشرع لله تبارك وتعالى من قبل أن السمع والبصر يختصان بمعان مدركة في الموجودات، ليس يدركها العقل، ولما كان الصانع من شرطه أن يكون مدركًا لكل ما في المصنوع وجب أن يكون له هذان الإدراكان، فواجب أن يكون عالمًا بمدركات البصر، وعالمًا بمدركات السمع، إذ هي مصنوعات له وهذه كلها منبهة على وجودها للخالق سبحانه في الشرع من جهة تنبيه على وجود العلم به، وبالجملة فما يدل عليه اسم الإله واسم المعبود يقتضي أن يكون سميعًا بصيرًا؛ لأنه من العبث أن يعبد الإنسان من لا يدرك أنه عابد له، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ (مريم: 42)”([6]).

ومما يستدل به من السنة قوله o: (أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمًّا ولا غائبًا، وإنما تدعون سميعًا بصيرًا)([7]).

تعقيب:

نلاحظ أن الإمام أبا العزائم يسير على منهجه الذى رسمه لنفسه من البداية، والذى أشرنا إليه في بيان الأسس التي سار عليها لتقرير العقيدة، حيث نرى أنه يؤكد على أن العقيدة ليست متنًا يحفظ أو يستشرح فقط دون التحقق به، فلا بد من إبراز ثمرتها للانتفاع بها، والانتفاع من خلال صفتي السمع والبصر يجعل المرء يراقب السميع البصير مراقبة من يعلم قدر عقوبة الجبار المنتقم شديد البطش ممن خالف أمره أو فعل ما نهاه عنه، فيكون تصديقه بإثبات هاتين الصفتين، يوجب الخشية من الجلال الإلهي، ويجعل العالم بمراقبة الله تعالى ومحاسبة نفسه على الخاطر الذى يخطر على القلوب، واللمة التي تلم بها.

كما أنه يرفض الخوض في قضية زيادة الصفات على الذات أو عدم زيادتها، لتسببها في زيادة الاختلاف بين المذاهب، ولبعدها عن منهج السلف الصالح، ومنهج الجماعة، وهذا هو منهج الإمام في تقرير العقائد الذي لم ينفك عنه.

======================

([1]) اللمع لأبى نصر السراج، طبعة ليدن، ص35.

([2]) نقلًا عن هوامش على العقيدة النظامية، ص282، 283.

([3]) الاقتصاد في الاعتقاد، ص234.

([4]) المحصل، للرازي، مكتبة الكليات الأزهرية، ص171.

([5]) المصدر السابق، ص172.

([6]) معارج المقربين، ص141.

([7]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ج6، ص164، ح2992.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …