أخبار عاجلة

رأي الإمام أبي العزائم في مسائل العقيدة (40)

تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.

وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.

الدكتور سامي عوض العسالة

بقية: الفصل الأول: الإلهيات

بقية المطلب الثالث:

صفات المعاني

(7) صفة الكلام

رأى الإمام أبي العزائم في المسألة:

يعتقد الإمام أبو العزائم بوجود فرق بين كلام الله تعالى النفسي القديم القائم بذاته، وبين اللفظ المتلو بالألسن، المحفوظ في الصدور ولكل منهما دلالته.

يقول في كتاب “معارج المقربين”: “فقد تبين لك أن القرآن الذي هو كلام الله قديم، وأن اللفظ منزل من الله تعالى، وبهذا باين لفظ القرآن الألفاظ التي ينطق بها في غير القرآن، ومن لم يفهم هذا على هذا الوجه، لم يفهم هذه الصورة ولا يفهم كيف يقال في القرآن إنه كلام الله تعالى، وأما الحروف التي في المصحف فإنما هي من صنعنا بإذن الله تعالى، وإنما وجب لها التعظيم؛ لأنها دالة على كلام الله تعالى”([1]).

وهنا نلاحظ أن الإمام يقارن بين كلام الله تعالى القديم، وبين كلام البشر المحدث، رغم عدم إكثاره من إجراء هذه المقارنات للصفات بين العبد ومولاه – كما أشرنا إلى ذلك عند تناولنا صفة العلم عند الإمام -، ويرجع السبب في ذلك – فيما أرى – للضرورة التي دعت للتفرقة بين الصفتين القديمة والحادث، إذ إن صفة الكلام كما أشرنا من الصفات التي دار حولها جدل عنيف بين الفرق الكلامية.

ويقيم الإمام أبو العزائم الأدلة على أن القرآن كلام الله وهو غير مخلوق فيقول في كتاب “معارج المقربين”:

“- عن ابن عباس: أن عليًّا رضي الله  تعالى عنهما دعا عند قتال صفين: “يا كهيعص، أعوذ بك من الذنوب التي توجب النقم، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتك الحرم، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء، وأعوذ بك من الذنوب التي تديل الأعداء، انصرنا على من ظلمنا”. قال الضحاك بن مزاحم: فكان علي 0 يقدم هذه بين يدي كل شديدة. وفيما روينا عن النبي o من قوله: [أعوذ بكلمات الله وأسمائه كلها]. كما قال: [أعوذ بعزة الله وقدرته]. دليل أن الكلام والأسماء صفات.

– عن علي 0، حين حكم الحكمين فنقم عليه الخوارج ذلك فقالوا: حكم في دين الله من المخلوقين. فقال: والله ما حكمت مخلوقًا، ما حكمت إلا القرآن.

– قال أبو بكر الصديق 0، حين سمع قرآن مسيلمة الكذاب الذي افتعله وتخرصه يضاهي به كلام الله تعالى: والله ما خرج هذا من إل ولا من تقي. قال أبو عبيدة: يعني ما خرج من الله تعالى. قال: وفيه دليل أن القرآن غير مخلوق، وأنه خرج من الله تعالى تكلم به، قال: ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (التوبة: 10)، ومعناه: الله U لا يرقبونه. وقد روينا عن رسول الله o بمعنى ذلك في قوله: [فضل كلام الله تعالى على سائر الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه]([2]). وذلك أنه خرج منه، وقرأت في مصحف ابن مسعود قال: يا موسى قد فضلتك برسالاتي وبكلامي عن الناس، وهذا لا يجوز فيه إلا التكلم بالذات مع قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164). قال أهل اللغة: المصدر إذا أدخل في الفعل فهو للمواجهة والوصف، لا للأمر بالفعل، ولا على المجاز”([3]).

كلام الله واحد لا تعدد فيه:

الأشعرية قالت كلام الله واحد لا تعدد فيه البتة، وهو مع وحدته هذه أمر ونهي ونداء وخبر واستخبار ووعد ووعيد.

ومتقدمو الأشعرية أثبتوا لله خمس كلمات:

قالت الأشعرية: “حكي عن بعض متقدمي أصحابنا أنه أثبت لله خمس كلمات هي خمس صفات الخبر والاستخبار والأمر والنهي والنداء”([4]).

ويقول الإمام أبو العزائم 0: “وتفصيل ذلك أن الله تعالى متكلم آمر، ناه، واعد، متوعد، بكلام أزلي قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، فليس بصوت يحدث من تموج الهواء واصطكاك الأجرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم الصلاة والسلام، وأن  القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى A سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما نرى ربنا تعالى إن شاء الله يوم القيامة من غير جوهر ولا شكل ولا لون ولا عرض، وإذا كانت له هذه الصفات كان حيًّا عالمًا قادرًا مريدًا سميعًا بصيرًا، متكلمًا بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، لا بمجرد الذات”([5]).

تعقيب:

إن مسألة كلام الله تعالى من المسائل التي حارت فيها الأفهام، وزلت فيها الأقدام. وإذا كان علماء الكلام قد افترقوا فيها إلى فرق شتى، فإنا نرى أن كلام المعتزلة في هذه الصفة وحصرها على خلق الله الكلام في جسم من الأجسام يلزم عليه القول: بأن الشجرة هي التي كلمت موسى فقالت له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (القصص: 30)، كما يلزم على قولهم: أن الله تعالى لم يزل كالأصنام طالما أنه لا يتكلم، فيصير الأمر إلى إنكار الإله؛ حيث إن إبراهيم A لما احتج علي قومه في عبادتهم للأصنام كان وجه احتجاجه أنها لا تنطق فكيف تكون آلهة؟!.

ولعل أبرز ما يبطل رأيهم ما يقع من نداء يوم القيامة ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فلا يرد أحد، فيقول الله تعالى ﴿لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ (غافر: 16).

فإذا كان الله تعالى يقول مع فناء الأشياء، فإنه يصح أن يكون كلامه خارج عن الخلق؛ لأنه يوجد ولا شيء معه من المخلوقات موجود.

أما عن رأي الكرامية والمصرح بقيام الحوادث بذاته فإنه من حيث لا يشعرون يجرهم قولهم هذا إلى القول بالحدوث في جناب الحق سبحانه وهو نفي للألوهية.

ومن هنا فإنا نقول: أرى أن الأسلم والأحوط أن نثبت هذه الصفة لله تعالى، ولا نزيد على ذلك ولا نقحم أنفسنا في كيفيتها.

=======================

([1]) معارج المقربين، ص141.

([2]) رواه مسلم في صحيحه، ح2701.

([3]) معارج المقربين، ص125.

([4]) نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني، ص291.

([5]) الإسلام دين الله، ص56.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …