على الضفة الأخرى من النهر، كما يقول التعبير الشائع، ونقصد هنا الدول الأوربية التعلم حال مكتباتها التي هي عنوان التقدم العلمي بما تحويه تلك الكتب من علوم مختلفة…
الأستاذ محمد إسحاق عبد الرسول
بقية: انتقال العلم العربي إلى أوربا
على الضفة الأخرى من النهر، كما يقول التعبير الشائع، ونقصد هنا الدول الأوربية التعلم حال مكتباتها التي هي عنوان التقدم العلمي بما تحويه تلك الكتب من علوم مختلفة، فيقول آدم متز Metz: كان في مكتبة دير البندكتيين عام (۱۰۳۳م) ما يزيد على المئة كتاب بقليل، وفي خزانة كتب الكاتدرائية بمدينة بامبرج سنة (١٠٣٠م) ستة وتسعون كتابًا فحسب([1]). وفي مقارنة مماثلة؛ فقد كان مما يروى عن الصاحب بن عباد، وهو من أدباء وكتاب العصر العباسي، أن أحد الملوك استدعاه ليقلده الوزارة فاعتذر ابن عباد وكان من جملة أعذاره أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمئة جمل([2]). وقد لفت هذا الأمر نظر ول ديورانت W. Durant فعلق بقوله: “وكان عند بعض الأمراء كالصاحب بن عباد من الكتب بقدر ما في دور الكتب الأوروبية مجتمعة”([3]). إنها مقارنة وراءها ما وراءها من معان ومدلولات تبين بجلاء مدى الانحطاط العلمي الذي وصلت إليه أوروبا في العصر الوسيط، كما تبين مدى التقدم العلمي الذي وصلت إليه الحضارة العربية، وهي مقارنة مر عليها مؤرخو العلم من الغربيين مرور العابرين.
ومعنى هذا أن التراث العربي كله في المشرق والمغرب قد أصبح موجودًا بأكمله في حواضر ومكتبات الأندلس، أي إنه صار في متناول أيدي المترجمين الأوربيين عند غروب شمس الحكم العربي في الأندلس فيما عرف في أدبيات الغرب “حركة الاسترداد”، فأي هبة عربية تلك التي وجدها الأوربيون بين أيديهم، ولعلنا لا نجاوز الصواب في قولنا: إنه لولا تلك الهبة العربية التي تمثل التراث الإنساني كله لبدأ الأوربيون من حيث بدأ العرب ولتأخر ظهور عصر النهضة([4]). ولو أنصف مؤرخو العلم لبادروا إلى شكر العرب والاعتراف بفضلهم في كل كتاب يؤرخ لتاريخ العلم الإنساني، ولو أن باحثًا قد بحث بطريقة استقصائية عن كم المصطلحات العلمية التي اقتبسها العرب من اليونان، وقارنها بكم المصطلحات العلمية التي اقتبستها أوربا من العرب والتي مازالت متداولة حتى الآن في أدبيات العلم الحديث لراعه هذا الكم الهائل من المصطلحات العلمية العربية، بصفتها دليلًا ماثلًا أمام كل ذي عينين على مدى فضل العرب على العلم فقد قامت أطول عملية ترجمة في التاريخ من العربية إلى اللاتينية مباشرة، وقد استمرت حركة ترجمة التراث العربي بوجه عام من القرن الثامن حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي([5])، والدليل على ذلك أنه قد أنشئت المؤسسات والمعاهد العلمية بغرض ترجمة المؤلفات العربية إلى اللاتينية، فضلًا عن نشاط الأفراد الذين عكفوا على مؤلفات التراث العربي بحثًا وترجمة في محاولة منهم لفهم سر تقدم العرب وارتقاء حضارتهم الزاهرة بالقياس إلى أوربا التي كانت تعيش وقتها في ظلام العصور الوسطى.
تسرب المصطلحات العلمية إلى أوربا
كان من نتائج حركة الترجمة النشطة من العربية إلى اللاتينية أن كثرت الألفاظ العربية التي تسربت بدورها إلى سائر اللغات الأوروبية، وفي هذا يقول ول ديورانت W. Durant في مؤلفه الشهير (قصة الحضارة): “وقد أحدثت هذه التراجم كلها في أوربا اللاتينية ثورة عظيمة الخطر، ذلك أن تدفق النصوص العلمية من بلاد الإسلام واليونان كان له أعمق الأثر في استثارة العلماء الذين بدأوا يستيقظون من سباتهم. وكان عجز المترجمين عن أن يجدوا مفردات لاتينية تؤدي المعاني التي يريدون نقلها إلى تلك اللغة هو الذي أدى إلى دخول كثير من الألفاظ العربية في اللغات الأوروبية”([6]). إن هذه الفقرة على إيجازها تدل على مدى الدَّين الهائل من الحضارة العربية الإسلامية نحو الغرب، وهو الدَّين الذي حاول المستشرقون ومن تبعهم من مؤرخي العلم، تجاهله بشتى الوسائل وإنكاره بمختلف الصيغ.
وبالفعل فقد لفتت كثرة الألفاظ العربية في اللغات الأوروبية أنظار بعض الباحثين فألفوا المعاجم الخاصة الدالة على ورود الألفاظ العربية في هذه اللغة أو تلك، ومن أشهر المعاجم التي أوردت بعض الألفاظ العربية في اللغة الإنكليزية كتاب وولت تايلور Walt Taylor ، الذي عنوانه (ARABIC WORDS IN ENGLISH) الصادر في سنة (۱۹۳۳م)، ومن الطريف أنه قد أورد تاريخ كل لفظة عربية دخلت إلى الإنكليزية([7]). ولعل مؤسسة من المؤسسات العلمية والثقافية وما أكثرها في أقطار الوطن العربي تعيد طبع هذا القاموس، وتوزيعه على مكتبات الجامعات العربية حتى يستفيد منه ألوف الباحثين في التراث العربي وتاريخ العلم، ولاسيما أن حقوق الملكية قد سقطت بطول المدة التي حددها قانون حقوق الملكية الفكرية.
وقد خلص الأستاذ أنيس المقدسي باستقرائه لنسب تلك التواريخ، إلى تقسيم دخول الألفاظ العربية إلى الإنكليزية إلى ثلاثة أدوار: قديم ومتوسط ومتأخر.
ففي الدور القديم (١٠٥٠ – ١٢٥٠م) كان الداخل 3 بالمئة.
وفي الدور المتوسط (١٢٥٠ – ١٤٥٠م) كان الداخل ١٤ بالمئة.
وفي الدور المتأخر (١٤٥٠م وما بعده) كان الداخل 83 بالمئة (١٥)([8]).
وإذا قارنَّا هذه التواريخ بتواريخ الحروب الصليبية التي استمرت من سنة (١٠٥٩م) وهي السنة التي بدأت فيها الحرب الصليبية الأولى وحتى سنة (١٢٠٤م)، وهي السنة التي شهدت نهاية الحرب الصليبية الرابعة، لأدركنا أننا ضمن الدور القديم الذي دخل فيه إلى اللغة الإنكليزية 3 بالمئة من مجموع الألفاظ العربية التي دخلت إلى الإنكليزية. وربما يدركنا العجب عندما نعلم أن هذه الثلاثة بالمئة، إنما تمثل ألف لفظة عربية، كما جاء على لسان ول ديورانت، وهو يستعرض نتائج الحروب الصليبية، الإشارة إلى أنه “قد دخلت ألف كلمة وكلمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية”.
======================================
([1]) آدم متز الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريده، دار الكتاب العربي، بيروت، ج ۱، ص ۳۲۳.
([2]) ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق: د. إحسان عباس دار صادر، بیروت، ج ۱، ص ۲۳۱.
([3]) قصة الحضارة، مصدر سابق، ج ۱۳، ص ۱۷۱.
([4]) مصطفى يعقوب عبد النبي العلم العربي وكيف عجل بظهور عصر النهضة الأوروبية، آفاق الثقافة والتراث العدد ۷۲، كانون أول ۲۰۱۰م، ص ٣٢ – ٥٧.
([5]) د. توفيق الطويل، في تراثنا العربي الإسلامي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. ١٩٨٥م، ص ٢١٦.
([6]) قصة الحضارة، مصدر سابق، مج ۱۷، ص ۲۱.
([7]) د. محمد التونجي، عبقرية العرب في لغتهم الجميلة، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان – طرابلس، ۱۹۸۲م، ص ٥٧ وما بعدها.
([8]) أنيس المقدسي الأصول العربية في اللغة الإنكليزية، العلوم، العدد 1 حزيران ١٩٦٣م، ص ٨.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية