يستهدف البحث الى استخلاص ما يحويه الشعر العربي القديم من قيم علمية تتفق والمعطيات العلمية الحديثة كمحاولة للدلالة على بعض مظاهر الحياة العقلية عند العرب أو الاستدلال على شيوع ورواج الثقافة العلمية عند العرب أو تسجيل فضل سبق العرب مما قد يتضمنه الشعر العربي القديم من أفكار علمية غير مسبوقة في بابها. وتستأثر الجيولوجيا والفلك وعلوم الاحياء من نبات وحيوان بالنصيب الأوفر من الشعر العربي القديم..
الأستاذ محمد إسحاق عبد الرسول
الفلك والشعر العربي
كان للصحراء بسمائها الصافية نهارًا، ونجومها اللوامع والخوابي ليلًا – الأثر الكبير في أن يكون للفلك مكان الصدارة بين العلوم التي برع فيها العرب، فليست النجوم في نظر ذلك الأعرابي القديم مصدرًا للخيال أو التشبيه، ولكنه قد خبر من أمرها الكثير علمًا ومعرفة، فالمحصول العلمي الكبير في الفلك ومعرفة أحوال النجوم ومواقعها – لدى العرب – قد أملته الضرورة اللازمة والحاجة الملحة، فكانت الدليل ليلًا والهادي الذي يعول عليه من السرى وسط هذه المفاوز المترامية الأطراف الحالكة الظلمة ولا سيما لقوافل تجارة رحلتي الشتاء والصيف.
فلا عجب إذًا أن تزخر اللغة العربية بالكثير من أسماء النجوم والسيارات التي تسربت الى مختلف اللغات، ونقلها الغرب بأسمائها العربية دليلًا حيًّا على مدى رقي هذا العلم عند العرب.
ومن يتصفح مرجعًا في الفلك أو حتى موسوعة علمية([i]) كُلٌّ في لغته الأجنبية سوف يجد الكثير من أسماء النجوم ينبئ معناها ومبناها بأصلها العربي، مثل: القرينة Carina، فم الحوت Fomalhaut، السهم Alsahm، العذارى Adara، سعد الملك Sadalmelik، سعد السعود Sadasoud .. الخ.
وقد انعكس – بطبيعة الحال – كل هذا في الشعر العربي الغنائي فقلما تخلو قصيدة – ولا سيما في وصف الطبيعة – من ذكر بعض أسماء النجوم أو شيء من أحوالها وصفًا أو تشبيهًا.
ومن أقدم ما قاله شاعر عن أحوال النجوم ما جاء في شعر المهلهل بن ربيعة:
كأن كـواكب الجـوزاء عُـودٌ
مُـعَـطَّفَـةً عـلـى رَبَـع كَـسـيرِ
كـأن الـجَـدْي فـي مَثْنَاةِ رَبق
أسـيــــر أو بمنزلـة الأسـيـر
كَأَنَّ الجَديَ جَديَ بَناتِ نَعشٍ
يَكُبُّ عَـلـى اليَـدَيـنِ بِمُستَديرِ
وَتَخبو الشُعرَيانِ إِلى سُـهَيلٍ
يَـلـوحُ كَـقِـمَّةِ الجَـبَلِ الكَبيرِ([ii])
ويورد صاحب “ديوان المعاني” فصلًا مهمًّا في ذكر النجوم حشد فيه عشرات الشواهد الشعرية الخاصة بالنجوم والسيارات لمختلف الشعراء([iii]).
ومن الأمور الملفتة للنظر – ولعلها لم تأخذ نصيبها من البحث والتحقيق من قبل دارسي حياة وشعر أبي العلاء المعرى – هو افتتانه وهو الشاعر الضرير بذكر النجوم والكواكب. فهل هذا نوع من رد الفعل التلقائي لكونه مكفوف البصر ليعطي الانطباع بأن عاهته لم تعقه عن رؤية ما يراه المبصرون؟.
ومن قبل أبي العلاء المعرى – كان بشار بن برد – وهو شاعر ضرير أيضًا – يأتي في شعره – وفى حياته أيضًا – بمثل تلك النزعة، فقد أورد تشبيهًا ماديًّا غاب عن المبصرين فكيف بمن كُفَّ بصره وهو من الشواهد البلاغية التي حظيت بإعجاب البلاغيين:
كَأَنَّ مُثارَ النَقعِ فَوقَ رُؤُوسِهِم
وَأَسـيـافَـنـا لَيلٌ تَهاوى كَواكِبُه
غير أن أبا العلاء قد يتجاوز في ذكره للنجوم – البيت أو البيتين مما يجوز لنا أن نطلق على بعض قصائده بأنها قصائد فلكية.
يقول المعرى فى داليته: “أرى العَنْقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا”:
ليَ الشّرَفُ الّذي يَطَأُ الثُريّا
معَ الفَضْلِ الذي بَهَرَ العِبادا
ولـو مَلأ السُّهى عَيْنَيْهِ مِنّي
أَبَرَّ عـلى مَدَى زُحَلٍ وزادا
إذا أوْطَـأتُـهـا قَـدَمَيْ سُهَيْلٍ
فلا سُقِيَتْ خُناصِرَةُ العِهادا
كأنّ ظِـمـاءَهُنّ بـنـاتُ نَعْشٍ
يَرِدْنَ إذا وَرَدنا بِنا الثِّمادا([iv])
ويقول من قصيدة أخرى:
بـهـا رَكَـز الرُّمْحَ السِّماكُ وقُطَّعت
عُرى الفَرغِ في مَبْكَى الثُّرَيَّا بهُمَّعِ
يـلامُ سُـهَـيْــل تَـحـتَـهُ مِـنْ سـآمـةٍ
ويُنْعتُ فـيـه الــزبـرقـان بـأسـلــع
ويـسـتـبـطـأ الـمـريـخ وهـو كـأنـه
إلى الغور نار القابسِ المُتسرِّعِ([v])
ويتجاوز المعرى أسماء السيارات والكواكب الى الصور المرئية وهو صاحب البصر المغلق فيما يشبه رصد حركاتها في أفلاكها مما لا يدع سبيلًا إلى الشك في ارتقاء هذا العلم وشيوع الثقافة الفلكية – إن صح التعبير -، يقول المعرى في نونيته الشهيرة “علِّلاني فإن بيض الأماني”:
وكـأنّ الـهِــلالَ يَـهْـوى الـثُّـريَّـــا
فـهُــمـــا لـلــوَداعِ مُــعْــتَــنِــقـانِ
وسُـهَـيْــلٌ كـوَجْنَةِ الحِبّ في اللّوْ
نِ وقَـلْــبِ الـمُــحِـبّ في الخَفَقَانِ
يُسْرِعُ اللّمْحَ في احْمِرارٍ كما تُسْ
رِعُ فـي اللّـمْــحِ مُقْلَةُ الغَضْبانِ([vi])
وفي المغرب العربي نجد أن هانئ الأندلسي يقول في قصيدة عامرة بالمعارف الفلكية:
كأن سهيلًا في مطـالع أفـقـه
مُفارق إلفٍ لم يجد بعده إلفَا
كأن سُهاها عاشقٌ بين عوَّدٍ
فـآونـة يـبـدو وآونة يخفَى([vii])
============================
([i]) انظر في ذلك: النجوم في مسالكها، للسير ج. جيتز، ترجمة الدكتور عبد السلام الكرداني، وانظر أيضًا Van Nostrand’s Scientific Encyclopedia
([ii]) شعر الطبيعة في الأدب العربي، د. سيد نوفل، ص٦١.
([iii]) انظر: ديوان المعاني، أبو هلال العسكرى، الفصل الأول من الباب السادس.
([iv]) شروح سقط الزند، إشراف د. طه حسين، ص١٥١٦.
([vii]) هذان البيتان من قصيدة لأبي القاسم محمد ابن هانئ الأندلسي، وقد نسبها الدكتور عبد اللطيف أبو السعودي إلى المعرى في سقط الزند في مقال “حل معادلات الجبر منظومة في أبيات من الشعر” في مجلة “العربي” العدد ۲۸۲ ص١٦٤، والصواب ما أثبتناه، وقد ورد معظم القصيدة في “سر الفصاحة” لابن سنان الخفاجي، تحقيق عبد المتعال الصعيدي، ص٢٩٥.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية