أخبار عاجلة

سيرة الرسول بعيون مفكرة وراهبة إنجليزية [4 /4]

أثناء الحملة الصليبية الخامسة سنة 1218م قام القديس فرانسيس أسيسي بالذهاب إلى معسكر الملك الكامل الأيوبي في دلتا نهر النيل في مصر وظل معه ثلاثة أيام يدعوه للمسيحية، وعاد معززًا دون أن يمسه سوء، وبدأ القس الفرانسيسكان في التبشير بالمسيحية، في الأندلس والمغرب وسبتة وفي القدس وعكا، ولكن ما إن يذمون نبي الإسلام؛ حتى يضربهم المسلمون ويطردونهم…

الأستاذ صلاح البيلي

بقية: مقدمة المؤلفة

كانت أول محاولة موضوعية لتصور الإسلام حين قام بيتر المبجل سنة 1141م بجولة في أديرة القديس بنيدكنت في إسبانيا المسيحية، وتكليف فريق من المسحيين والمسلمين برئاسة رجل انجليزي يدعى روبرت كيتون بترجمة بعض النصوص الإسلامية، واكتمل المشروع في سنة 1143م وكان من ثماره أول ترجمة لاتينية للقرآن وبعض الكتب والرسائل، وكتب بيتر دراسة عنوانها (ملخص البدعة الكاملة التي أتت بها طائفة الشرقيين الشيطانية)، وعندما قام الملك لويس السابع بالحملة الصليبية الثانية سنة 1147م كتب بيتر إليه أنه يتمنى أن يقتل عددًا كبيرًا من المسلمين، عددًا يوازي من قتلهم موسى ويوشع من الأموريين والكنعانيين.

وأثناء الحملة الصليبية الخامسة سنة 1218م قام القديس فرانسيس أسيسي بالذهاب إلى معسكر الملك الكامل الأيوبي في دلتا نهر النيل في مصر وظل معه ثلاثة أيام يدعوه للمسيحية، وعاد معززًا دون أن يمسه سوء، وبدأ القس الفرانسيسكان في التبشير بالمسيحية، في الأندلس والمغرب وسبتة وفي القدس وعكا، ولكن ما إن يذمون نبي الإسلام؛ حتى يضربهم المسلمون ويطردونهم.

وفي نهاية القرن الثالث عشر قام العالم الدونمينيكي ريكولدومونتي كروتشي بجولة في البلدان الإسلامية وقال: إن على المسيحيين أن يخجلوا من ورع المسلمين. ولكنه حين عاد لأوربا كتب دراسته (إقامة الحجة)، وهي الدراسة التي ترجمها وعاد إليها لوثر سنة 1542م حين وجد أن الممالك المسيحية مهددة من الأتراك المسلمين، وخلص إلى أن الإسلام دين ساذج، وأن العدو الأول للمسيحية البابا والكنيسة الكاثوليكية، وبعض المصلحين الآخرين اعتبروا روما رأس المسيح الدجال و(المحمديين) جسده، وبعد سقوط بيزنطة سنة 1453م على يد الأتراك حاول كل من جون سيسجوفيا ونيكولاس كوسا ترجمة القرآن وفهم الإسلام لمواجهته، وفي سنة 1697م كتب بارتلمي ديربيلو (المكتبة الشرقية) ووصف بأنه ناقل المعارف الإسلامية الأولي، ومع هذا فحين تكلم عن محمد تكلم كمن سبقوه من تطرف وغلو وإزدراء، وفي نفس العام نشر المستشرق (همفري بريدو) كتابه (محمد: طبيعة الدجل الحقيقية) وردد نفس أوهام العصور الوسطى، وسنة 1708م نشر (سايمون أوكلي) المجلد الأول من كتابه (تاريخ المسلمين) وأغضب كثيرين؛ لأنه لم يقل إن الإسلام دين سيف وعنف وحرب، وسنة 1734م نشر (جورج سيل) ترجمة رائعة للقرآن، وسنة 1751م نشر (فرانسوا فولتير) كتابه (أخلاق الأمم وروحها) ومدح محمدًا باعتباره مفكرًا سياسيًّا عميق النظرة ومؤسس دين عقلاني حكيم، اتسم بالتسامح أكثر من المسيحية، وكان المستشرق الهولندي يوهان يعقوب رايسكي 1774م دارسًا للعربية واستطاع أن يستشف المسحة الربانية في حياة محمد، ولكنه تعرض للاضطهاد من بعض زملائه، وبدأت تنمو حركة تنوير تصور محمد كرجل حكيم، مثل كتاب (حياة محمد) للكونت هنري دي بولانفييه في باريس سنة 1730م ولندن في العام التالي، ولكنه قال: إن محمدًا كان بطلًا مثل يوليوس قيصر والإسكندر، وفي نهاية هذا القرن وضع إدوارد جيبون كتابه (تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها) وقال فيه بسماحة الإسلام، إلا أن فولتير كتب مسرحيته (محمد أو التعصب) سنة 1741م ووصفه بالدجال، ويصف توماس كارلايل سنة 1841م في محاضرته (البطل باعتباره نبيًّا) محمدًا بصورة أقرب للموضوعية مع ازدرائه للقرآن ورفضه، ووصفه بأنه (خليط غير مترابط يرهق القارئ، غليظ النسج ركيك التركيب غاص بالتكرار والإسهاب والمماطلات، وباختصار هو بالغ الغلظة والركاكة والغباء الذي لا يطاق).

وفي 1798م أبحر نابليون بصحبة العشرات من المستشرقين في معهد الدراسات المصرية الذي أسسه، وزعم أمام ستين شيخًا من الأزهر أنه مسلم ويقدر نبي الإسلام، وانتهت حملته بالفشل، ومع القرن التاسع عشر انطلق الاستعمار الفرنسي والبريطاني واستدعى روح القرون الوسطى الصليبية، وكتب (فرانسو رينية دي شاتوبريان) عن الإسلام كدين ضد الحضارة، وفي 1810 و1811م كتب كتابه الشهير (الرحلة من باريس إلى أورشليم ومن أورشليم إلى باريس) وأطلق خياله الصليبي واتهم الإسلام بكل رذيلة، ثم اتبعه عالم اللغة الفرنسي أرنست رينان فقال: إن العربية والعبرية من اللغات المنحطة، وإن كلًّا من اليهود والعرب يمثلون مجموعة متدنية من البشر، وهو الخطاب الذي استغله هتلر لاحقًا وقال بتفوق الجنس الآري وعادى كل أجنبي في أوربا، وفي 1830م احتل الفرنسيون الجزائر، واحتلت بريطانيا عدن سنة 1839م ثم احتلت مصر سنة 1882م ثم السودان سنة 1898م، واحتلت فرنسا تونس والمغرب، وحين وصل الجنرال اللنبي إلى القدس سنة 1917م قال: (الآن اكتملت الحروب الصليبية)، ولذلك ربط العرب والمسلمون بين الاستعمار الغربي والتبشير بالمسيحية، وحين وصل القائد الفرنسي لدمشق دخل على ضريح القائد صلاح الدين وصاح (لقد عدنا يا صلاح  الدين)، وأظهر اللورد كرومر في مصر إزدراء للشيخ محمد عبده حين حاول إصلاح الأزهر وتحرير الدين من بعض التقليدية، وأعلن كرومر أن الإسلام عاجز عن إصلاح نفسه، ووضع أفكاره في كتابه (مصر الحديثة) في مجلدين، وقال فيهما: إن الشرقي يتسم بنزعة طفولية لا رجاء في تغييرها، ويعتبر النقيض لما (نحن) عليه.

ثم ظهر آخرون حاولوا تفهم الإسلام مثل (لويس ماسينيون وجيب وهنري كوريان وآن ماري شيمل وبلفريد كالتويل سميث) وغيرهم ممن ينظرون لمحمد على أنه ليس عدوًّا للغرب ويراجعون أنفسهم في محاولة لإنصاف الإسلام.

وعبر عشرة فصول هي: (العدو الأول، رجل الله، الجاهلية، الوحي، النذير، اختراق الطريق، الهجرة، الحرب المقدسة، السلم المقدس، وفاة الرسول)، استعرضت المؤلفة قصة النبي والدعوة الإسلامية بعين غربية إنجليزية كانت راهبة يومًا ما، وهي محاولة جديرة بالقراءة؛ لأنها الأقرب للإنصاف حتى اليوم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …