تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.
وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.
الدكتور سامي عوض العسالة
بقية الفصل الأول: الإلهيات
بقية المطلب الثالث: صفات المعاني
(4) صفة الإرادة
تعريف الإمام أبي العزائم لصفة الإرادة:
يعرف الإمام أبو العزائم الإرادة فيقول: “هي صفة قديمة تخصص الممكن بالوجود أو بالعدم، وبالطول أو القصر، وبالحسن أو القبيح، وبالعلم أو الجهل، إلى غير ذلك من الشؤون والأحوال”([1]).
ومعنى قوله: (تخصص الممكن) بيان لعمل هذه الصفة، وأنها تتعلق بالممكنات فقط دون الواجب والمستحيل، فهي تتعلق بالممكنات إذ الممكن هو الذي يجوز عليه التخصيص ببعض المواصفات.
يقول الإمام: “الإرادة: هي إشارة بالوهم إلى تكوين أمر ممكن كونه، وكون خلافه لتخصيص أحدهما”.
وبعد أن يعرف الإمام أبو العزائم الإرادة يقيم على هذه الصفة الدليل من القـرآن الكريم فيقول: “قال جل ذكره سبحانه في بيان أنه تعالى مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء وفق ما أراد وقدر: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَـٰلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 26، 27).
وقال تعالى في بيان أنه فاعل مختار يتصرف بقدرته البالغة حد النهاية ما شاء وكيف شاء: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: 17).
وقال تعالى في بيان أنه حكيم في صنعه يفعل بحكمته واختياره ما تقتضيه إرادته ومشيئته حسبما تقضى به المصلحة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27).
وقال جل شأنه في بيان أن الهداية والضلال إنما هما بمحض إرادته ومشيئته: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)”.
ثمرة الاعتقاد بهذه الصفة عند الإمام:
وبعد أن يعرف الإمام أبو العزائم صفة الإرادة ويقيم على هذه الصفة الدليل من القـرآن الكريم، لا يخلي المقام من اللون الصوفي الذى يضفيه على هذه الصفة، مبرزًا الفائدة من الإيمان بصفة الإرادة فيقول: “المؤمن المتحقق بأنوار صفة إرادة الله تعالى متجمل بحلة الرضا عن الله سبحانه لاعتقاده أن كل الأمور والشئون والأحوال بإرادته سبحانه وبتقديره أزلًا، فيكون منشرح الصدر بمواقع القضاء، راضيًا عن الله في كل شأن من شئونه، مقبلًا على الله بكليته وبذلك يفوز برضوان الله الأكبر، فإن رضا العبد عن الله فضل من الله عظيم ينبئ عن رضاء الله عن العبد، قال تعالى : ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: 8).
ومن يتناول عن طهور العلم بالإرادة حقًّا لا يشهد في الوجود فاعلًا مختارًا غير الله تعالى، وتمنعه الخشية من الله سبحانه أن يسيء الظن به سبحانه، أو يعترض عليه في قضائه وقدره ولا يكون عدم الرضا إلا من الجهلاء الذين يظنون أنهم علماء وليسوا علماء، فإن الله حصر العلم في خشيته لا في شقشقة اللسان والجدل والمناظرة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 28)([2]).
عموم تعلق الإرادة
اختلفت الآراء حول تعلق الإرادة بجميع الحادثات أو بعضها فبينما يذهب أهل السنة إلى القول بعموم التعلق، يري المعتزلة أنها تتعلق ببعض الحادثات دون بعض.
أـ مذهب أهل السنة
يرى أهل السنة أن إرادة الله عامة وشاملة، فكل ما يقع من الطاعات والمعاصي والشرور والخير إنما هو بإرادة الله. واستدلوا على ذلك بأن كل حادث واقع بقدرة الله تبعًا لتعلقها بكل الممكنات وإخراج الممكن من العدم إلي الوجود أو العكس إنما يتحقق بإرادة الله فكل حادث مقدور، وكل مقدور مراد لله، فكل حادث مراد لله([3]).
كما استدلوا بأدلة نقلية على مذهبهم هنا منها قوله تعالي: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 176).
حيث نصت الآية على أن الله تعالي يريد الخير والشر.
وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو العزائم 0 حيث يقول في تفسيره: أي: سبقت إرادة الله لهم في الأزل بحرمانهم من الفوز بنعيم الآخرة، فلا يوفقهم للإِيمان ولا للسمع والطاعة لرسول الله o، أي: وقدر الله تعالى عليهم وقوعهم في العذاب العظيم”([4]).
ويزيد الأمر إيضاحًا حيث يقول: “تفصيل ذلك أن الله تعالى مريد للكائنات، مدبر للحادثات فلا يجرى في الملك والملكوت قليل ولا كثير، ولا صغير ولا كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسر، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان إلا بقضائه وقدره، وحكمه ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته وإرادته، لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته عجزوا عن ذلك، وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفًا بها، مريدًا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها، فوجدت في أوقاتها كما أراد في أزله من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير”([5]).
=====================
([2]) المصدر السابق نفس الصفحة.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية