لا يمكننا في هذا المحل أن نستوعب التعريف بكل العلماء المعتبرين لدى علماء المدرسة السلفية – من المحدثين والفقهاء وعلماء الكلام وغيرهم – لكثرتهم، ولكنا نحب أن نشير إلى علمين بارزين لهما قيمتهما في سلوك هذه المدرسة، وفي موقفهما خصوصًا من البدعة، وفي كون الكثير من الطرق الصوفية يرجعون إليهما عند الخلاف مع المدرسة السلفية…
أ. د. نور الدين أبو لحية
بقية: الفصل الأول: جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية حول مفهوم البدعة وضوابطها
بقية: المبحث الثالث: موقف الطرق الصوفية من البدعة وأدلتها
بقية: المطلب الأول: حقيقة البدعة عند الطرق الصوفية
لا يمكننا في هذا المحل أن نستوعب التعريف بكل العلماء المعتبرين لدى علماء المدرسة السلفية – من المحدثين والفقهاء وعلماء الكلام وغيرهم – لكثرتهم، ولكنا نحب أن نشير إلى علمين بارزين لهما قيمتهما في سلوك هذه المدرسة، وفي موقفهما خصوصًا من البدعة، وفي كون الكثير من الطرق الصوفية يرجعون إليهما عند الخلاف مع المدرسة السلفية.
العالِم الأول:
أما أولهما، فهو العالم الذي اتفقت المدارس الإسلامية على قبوله واحترامه لكونه فقيهًا وأصوليًّا وعالمًا كبيرًا من علماء المقاصد بالإضافة إلى مواقفه الشديدة مع حكام زمانه إلى درجة تلقيبه بسلطان العلماء، ألا وهو (العز بن عبد السلام)، فقد كان إلى جانب تلك القدرات العلمية مريدًا لبعض مشايخ الصوفية، ويمارس طقوسهم، إلى درجة أن بعض الفقهاء يستدلون بفعله على جواز تلك الممارسات([1]).
ونحن لا يهمنا سلوكه الصوفي، ولا أذواقه التي عبر عنها في كتبه الصوفية، ولكن الذي يهمنا هو تأصيله لمفهوم البدعة الذي صار هو المعتبر عند الصوفية، بل هو المعتبر عند أكثر علماء المقاصد، في مقابل مفهوم البدعة الذي طرحه الشاطبي في الاعتصام والذي سانده عليه الاتجاه السلفي، وكانت جمعية العلماء من ضمن من اهتم به وأيده.
وبذلك يمكن أن نعتبر الخلاف بين المدرستين الصوفية والسلفية في الحقيقة خلافًا بين مدرستين في مفهوم البدعة: مدرسة الشاطبي، ومدرسة العز بن عبد السلام.
وخلاصة موقف العز بن عبد السلام من مفهوم البدعة وحدودها هو أن البدعة – باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أو خلوها عنها – تنقسم إلى أقسام الحكم الخمسة: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة.
وقد مثَّل لكل قسمٍ منها، وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة، وكلامه في ذلك – كما يذكر المحدث الغماري – (كلام ناقد بصير أحاط خبرًا بالقواعد الفقهية، وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها، ومَنْ مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك؟ فجاء تقسيمه للبدعة مؤسَّسًا على أساس من الفقه وقواعده متين، ولذا وافقه عليه الإمام النووي والحافظ ابن حجر وجمهور العلماء، وتلقوا كلامه بالقبول ورأوا أن العمل به متعيِّن في النوازل والوقائع التي تحدث مع تطور الزمان وأهله)([2]).
وينتقد المحدث الغماري الشاطبي الذي خرج عن هذا المفهوم، فقال معقبًا على كلامه السابق: (حتى جاء صاحب (الاعتصام) فخرج عن جمهرة العلماء وشذَّ بإنكار هذا التقسيم، فبرهن بهذا الإنكار على أنه بعيد عن معرفة الفقه بعيد عن فهم قواعده المبنية على المصالح والمفاسد، لا يعرف ما فيه مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله، ولا يدري ما فيه من مفسدة فيطلب اجتنابها بتركه، ولا ما خلا عنهما فيجوز فعله وتركه على السواء. وأخيرًا برهن على أنه لم يتذوق علم الأصول تذوقًا يمكنه من معرفة وجوه الاستنباط وكيفية استعمالها والتصرف فيها بما يناسب الوقائع)([3]).
ويتعجب الغماري من الشاطبي الذي ينكر على العز بن عبد السلام ذلك التقسيم مع أنه بناه (على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها؛ ولم ينكر على المالكية القول بالاستصلاح الذي لم يعتبره الشارع ولا قَبِله جمهور العلماء، بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكامًا كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له؟!)([4]).
ويعتبر أن هذا الموقف من الشاطبي المالكي نوعًا من التعصب المذهبي الظاهر؛ لأنه لم ينر على المالكية مع أن قولهم في الاستصلاح أعظم من قول العز في البدعة.
ويرد على التمسك بظاهر قوله قوله o: (كل بدعة ضلالة) بأنَّ (البدعة التي هي ضلالة من غير استثناء هي البدعة الاعتقادية كالمعتقدات التي أحدثها المعتزلة والقدرية والمرجئة ونحوهم، على خلاف ما كان يعتقده السلف الصالح، فهذه هي البدعة التي هي ضلالة؛ لأنها مفسدة لا مصلحة فيها، أما البدعة العملية بمعنى حدوث عمل له تعلق بالعبادة أو غيرها ولم يكن في الزمن الأول، فهذا لا بد فيه من التقسيم الذي ذكره عز الدين بن عبد السلام، ولا يتأتى فيه القول بأنه ضلالة على الإطلاق؛ لأنه من باب الوقائع التي تحدث على ممر الأزمان والأجيال، وكل واقعة لا تخلو عن حكم لله تعالى، إما منصوص عليه أو مستنبط بوجه من وجوه الاستنباط، والشريعة إنما صلحت لكل زمان ومكان وكانت خاتمة الشرائع الإلهية وأكملها بما حوته من قواعد عامة وضوابط كلية، مع ما أوتيه علماؤها من قوة الفهم في نصوصها ومعرفة بالقياس والاستصحاب وأنواعها لما غير ذلك مما حضت به شريعتنا الغراء)([5]).
بالإضافة إلى هذا يذكر الغماري أنه لو اتبعنا طريقة الشاطبي وحكمنا على كل عمل حدث بعد العصر الأول بأنه بدعة ضلالة من غير أن نعتبر ما فيه من مصلحة أو مفسدة لزم على ذلك إهدار جانب كبير من قواعد الشريعة وقياساتها وتضييق لدائرتها الواسعة وفي ذلك ما لا يخفى([6]).
========================
([1]) كان ابن عبد السلام مفتونًا بالرقص والوجد على طريقة الصوفية، وله مصنفات في تأييد التصوف والرقص والسماع، بل قد لبس الخرقة على طريقة المتصوفة على يد الصوفي الكبير السهروردي، قال الذهبي: (قال قطب الدين: كان مع شدته فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار. يحضر السماع ويرقص) (العبر (3/299)، وقال السيوطي في ترجمة العز: (له كرامات كثيرة ولبس خرقة التصوف من الشهاب السهروردي، وكان يحضر عند الشيخ أبي الحسن الشاذلي، ويسمع كلامه في الحقيقة ويعظمه) (حسن المحاضرة (1/273) دار الكتب العلمية)، وقال السبكي: ( وذكر – أي القاضي عز الدين الهكاري – أن الشيخ لبس خرقة التصوف من شهاب الدين السهروردي، وأخذ عنه، وذكر أنه كان يقرأ بين يديه (رسالة القشيري) فحضره مرة الشيخ أبو العباس المرسي لما قدم من الإسكندرية إلى القاهرة فقال له الشيخ عز الدين: تكلم على هذا الفصل. فأخذ الشيخ المرسي يتكلم والشيخ عز الدين يزحف في الحلقة ويقول: اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث عهد بربه، وقد كانت للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك) (الطبقات 8/214-215).
أما عن السماع والرقص الذي كان يفعله الشيخ عز الدين، فيقول ابن شاكر الكتبي: (يحضر السماع ويرقص ويتواجد) (فوات الوفيات 2/350-352)
وقد جعل اليافعي رقص وسماع الشيخ عز الدين دليلًا على جواز ذلك لأن فعله حجة فهو من كبار العلماء وأطال في ذلك
(انظر: مرآة الجنان لليافعي 4/154).
([2]) الرد المحكم المتين، ص106.
([3]) الرد المحكم المتين، ص107.
([4]) الرد المحكم المتين، ص107.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية