أخبار عاجلة

الهوية الثقافية العربية

تعد الثقافة العربية من أرفع الثقافات العالمية وأوفاها في المفردات اللغوية وأغناها في التراث الثقافي، ذلك أنها ثقافة لها أصالتها المتجذرة في أعماق الماضي ولها أبعادها الحقيقية في الارتقاء بالإنسان فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا…

أ.د. عزيزة الصيفي

نعلم أن الثقافة العربية موروث حضاري آثاره ممتدة في نفوس أفراد المجتمع، ويعمل المجتمع باستمرار على ترسيخ قيمها ومميزاتها، فالثقافة بمفهومها العام هي الأسلوب الذى يمارسه الفرد في الحياة إجمالًا، هي النظام الاجتماعي المتعارف عليه بين الناس فى كل مجتمع، بما له من معتقدات وعادات وتربية وتعليم، هى واسطة من وسائط المحافظة على الأمة وإيصال فكرها وميراثها من السلف إلى الخلف.

وتعد الثقافة العربية من أرفع الثقافات العالمية وأوفاها في المفردات اللغوية وأغناها في التراث الثقافي، ذلك أنها ثقافة لها أصالتها المتجذرة في أعماق الماضي ولها أبعادها الحقيقية في الارتقاء بالإنسان فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، بحكم أنها تتصل بذاتية الفرد وتنبسط على مساحة المجتمع، ومن ثم فإنها تعمل على توثيق عرى الاتصالات الفكرية والثقافية.

ويلخص عباس محمود العقاد فى كتابه (الثقافة العربية) مفهومه عنها فيقول: “إنها مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والمعارف التي تميز جماعة ما، والعرب هم جماعة بشرية ينسب أصلها إلى (يعرب بن قحطان) على أرجح الأقوال، وقد أنتجت هذه الأمة – خلال حياتها – ثقافة من أقدم الثقافات التاريخية، فطوروا أبجدياتهم الخاصة للكتابة، ليأخذها أهل الأمم الأخرى منهم فأنتجوا أبجدياتهم الخاصة، كما نقلوا بعض الكلمات العربية إلى لغاتهم، أما الشعر العربى فقد اصبح فنًّا مستقلًا له قواعده الخاصة وبحوره المعروفة، فى وقت كانت الفنون المماثلة عند الأمم الأخرى مجرد نصوص لا تلتزم الوزن والقافية “.

ولا ننسى مقولة العقاد المشهورة: “ومن العرب تعلم اليونان صناعات الحضارة… وأنهم نقلوا فى البداية العلوم والثقافة المعرفية عن المصريين، والعرب في بلاد ما بين النهرين، ولو أنهم طوروا تلك العلوم بعد ذلك.

ومن يريد الاطلاع على ثقافة العرب تكفيه إطلالة فى أشعارهم فقد كان الشعر ديوانهم الحافظ لثقافتهم وفكرهم ومعارفهم والحافظ للغة وتطورها قبل نزول القرآن الكريم، وبعد النزول أصبح الكتاب المبين حاميًا لبقاء اللغة العربية. والجامع لكل المسلمين على كلمة سواء.

وأصبحت القصيدة العربية التى قد تفنن الشعراء فى نظمها ونسجها هى علاقة التواصل الثقافى بين العرب، وسميت فى العصر الجاهلى لطولها  بالمعلقات كانوا يجتمعون فى سوق عكاظ لإلقائها على السامعين من أهل قريش، فكانت تلك القصائد تحكى حياتهم وتصف طبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم وما وصفوا به من كرم وفروسية وشهامة وغير ذلك من صفات؛ حتى صار الشعر أهم مصدر لهويتهم الثقافية “. وظلت القصيدة بعد ذلك تمر بأطوار من التجديد، وما زالت إلى اليوم هي الحقل الماتع لبيان ثقافتنا العربية.

والعقاد من خلال صفحات كتابه (الثقافة العربية) يؤكد على إسهامات العرب الكبيرة فى الثقافة الإنسانية، تلك الاسهامات التى لم تترك مجالًا ثقافيًّا إلا وكان لها فيه سهم ودور، بداية من الفنون وانتهاء بالفلسفة والحكمة.

إن الثقافة العربية بمفهومها الواسع هى ثقافة الشعوب التى دخلها الإسلام، وأصبحت اللغة العربية هى اللغة السائدة التي يتحدث بها جميع أفراد المجتمع سواء من اعتنق الإسلام أو من بقى على معتقده، حتى أنهم يقيمون شعائرهم فى الكنائس باللغة العربية، والمسلمون من غير العرب يصلون ويقرؤون القرآن باللغة العربية.

إن الثقافة العربية هى ذلك النسيج الكلى المركب الذى تحتويه اللغة من المعرفة والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية والقانونية والفن، وكثير من الأمور المكتسبة من انصهار أفراد المجتمع في بوتقة الثقافة الشاملة، حيث يشعر الفرد بوطنيته وحبه الشديد لأرضه التي ينتمى إليها وأنها جزء من وطن عربي كبير يمتلك قدرات هائلة للبقاء شامخًا بين الأمم، فنجد الشعراء يتغنون بحب الوطن قديمًا وحديثًا، فها هو ابن الرومى يقول:

ولـي وطــنٌ آلـيـت ألا أبـيــعَــهُ

وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

عهْدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً

كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظِلالكا

فـقــد ألــفَتْهُ الـنـفـسُ حتَّى كأنه

لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا

فهذه رؤية الشاعر لأهمية الوطن حتى أنه يتخيله جسدًا لنفسه لا يمكن الانفصال والبعد عنه.

وفى الآونة الأخيرة نلمس إدراك المجتمع وقادته لأهمية ثقافة الفرد التى أصبحت ضرورة؛ لأن المثقف هو الذى يتعدى إحساسه الذاتي إلى الإحساس بالآخر والإحساس بالمجتمع ككل لتلبية احتياجاته التنويرية، هو ذلك الفرد المتحضر الذى يسلك سلوكيات تتلاءم وتساهم في الارتقاء بالوطن الذى يعيش فيه، ولكى يكون الإنسان متحضرًا لا بد أن يكون مثقفًا.

إذًا الثقافة هي إدراك الفرد لقدر مقبول من العلم والمعرفة، فى شتى مجالات الحياة، فان زيادة معدل الوعى الثقافى لدى الفرد مرتبط بزيادة نشاطه ومطالعاته واكتسابه للخبرات فى الحياة، فيصبح حينئذ عنصرًا فعَّالًا وبنَّاءً للمجتمع.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …