أخبار عاجلة

مفهوم الهجرة [1 /2]

ارتبطت ذكرى الهجرة النبوية العطرة في نفوس المسلمين بالانتصارات التي حققها الرسول بتآخي المهاجرين والأنصار ودخول الناس أفواجًا في الإسلام، فيستقبلها المسلمون كل عام بالاحتفال..

أ.د. عزيزة الصيفي

الهجرة والأخوة الإنسانية

إن الهجرة من مكان لآخر بمفهومها الواسع هى ظاهرة اجتماعية وجغرافية، تتكرر كل يوم فى كل مناطق العالم وقد ارتبطت بها حياة الإنسان عبر الأزمان، وقد كانت الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب (التى سميت فيما بعد بالمدينة المنورة) هى الحدث الأكبر والمهم في التاريخ الإسلامي إذ غيرت حال المسلمين من فرقة ضعيفة، مضطهدة من زعماء كفار قريش الذين كانوا يذيقونهم مر العذاب خاصة حين فقد الرسول o أهم داعمين له بعد وفاة عمه أبي طالب، وزوجه خديجة في عام واحد سمي عام الحزن.

وقد اتُّخِذَت الهجرة النبوية بداية للتقويم الهجري، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، واستمرت هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، حيث الأمان وممارسة العبادات دون خوف، أو قلق، ونزلت الكثير من الآيات تحث المسلمين على الهجرة، قال الله تعالى: Pوَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَO (النحل: 41) حتى تم فتح مكة.

حكمة الهجرة

والمتأمل في وقت الهجرة ومكانها وكيفيتها يجد أن وراءها حكمة عظيمة، فقد كان في وسع الله جل وعلا وهو على كل شيء قدير، أن يؤلف حول الرسول القلوب الكافرة، أو يصيبهم غشاوة، تمنعهم عن إيذاء النبي ومن آمن معه، أو أن ينقل النبي J في الهجرة النبوية كما نقله في ليلة الإسراء والمعراج، ولكن لله حكمة في ذلك، وهي أن يُشعر المسلمين بحلاوة الإيمان بعد حصول العناء في السفر، كذلك كانت الهجرة فرصة لدخول أعداد كبيرة فى الإسلام، وكذلك لملمة شمل المسلمين واجتماعهم فى مكان آمن وعلى هدف واحد وهو إعلاء كلمة الله، وأن يكون أتباع الرسول o من الرواد الأوائل، ويصبح منهم المصلحون والدعاة والعلماء الذين ساروا على نهج الرسول.

كان لا بد من انتقال المسلمين إلى بيئة يشعرون فيها بالأمن والأمان لتكون نواة لدولة عظيمة حققت كثيرًا من الإنجازات الحضارية، فالإسلام لم ينزل على رسول الله J لكي ينذر قريشًا وحدها، لكنه أنزل  ليكون رسالة لكل الأمم ليرشدهم ألا يعبدوا إلا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا، لذا كان لا بد للإسلام أن يجد منطلقًا لبناء جسور تمتد  من خلالها إلى العالم كله، لذا كانت المدينة المكان المناسب والملائم لتكون مركزًا مهمًّا وأساسًا لنشر الدعوة، وخاصة أن أهل يثرب قد ناصروا الرسول واستقبلوه بالترحاب وبايعوه، لذلك سماهم الأنصار، ففي يثرب وجد منهم الطاعة والرغبة فى دخول الإسلام، لذلك كانت الهجرة إلى المدينة أمرًا مهمًّا وضروريًّا؛ حتى يستجمع المسلمون قواهم، فلا يستهان بهم، ويصبحوا قادرين على نشر الدين الجديد في جميع أرجاء العالم كله.

الهجرة بمفهومها الواسع

يجد المتأمل في أحداث الهجرة بمفهومها الواسع أنها تختلف دوافعها وأسبابها عن دوافع وأسباب هجرة الرسول، حين هاجر الناس فرارًا بدينهم يطلبون الأمن في غير بلدهم، فإن جملة هذه الأسباب السعي بالسفر والهجرة في طلب الرزق كما تدل عليه آيات كثيرة، منها قوله تعالى: Pهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُO (الملك: 15)، وقوله تعالى: Pوَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِO (المزمل: 20)،  كما تكون الهجرة لطلب العلم، أو للبحث عن فرصة عمل ممكنة، أو لتجديد الحياة، بالسياحة والاستكشاف، ومنهم الدعاة الذين سخروا حياتهم للدعوة ونشر الإسلام، وغير ذلك  من دواعي الهجرة، وكلها أسباب عالجها القرآن الكريم بطريقة أو بأخرى.

وقد ارتبطت ذكرى الهجرة النبوية العطرة في نفوس المسلمين بالانتصارات التي حققها الرسول بتآخي المهاجرين والأنصار ودخول الناس أفواجًا في الإسلام، فيستقبلها المسلمون كل عام بالاحتفال.

موقف المتطرفين من الهجرة

ورغم أهمية هذا الحدث وارتباط العقول به، نجد جماعات من المتطرفين الذين يكفرون من خالفهم في الرأي والفكر تمر عليهم ذكرى الهجرة مرورًا عابرًا، وكل ما يهمهم هو السعي لاستغلالها لخدمة مصالحهم، وأهدافهم والوصول إلى مآربهم، وتحقيق أغراضهم الدنيئة وفكرهم الظلامي المفسد للمجتمع الإسلامي، ولتتصدّر مفاهيمهم المغلوطة، وإضلالهم للناس، فنجدهم يؤسسون للهجرة عندهم بمفهوم الهدم والتدمير، ومنطق الإفساد يقنعون بعضًا من المسلمين فيسحرون عقولهم المجهلة ونفوسهم الضعيفة، لكى يصرفوهم عن مآربهم ونواياهم الحقيقية.

إن مفهوم الهجرة عند هؤلاء الإرهابيين أنها هجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان حسب اعتقادهم، ونسميهم إرهابيين؛ لأنهم يستخدمون أساليب الترهيب والقتل والتنكيل بكل من يعارضهم أو حتى لا يعارضهم فدماء المسلمين عندهم مباحة، وليتهم يحاربون العدو الحقيقي للمسلمين، ولكن؛ فإن من جندهم ومنحهم السلاح والتدريب والقسوة والغلظة في التعامل مع أبناء جلدتهم من المسلمين، هو ذلك العدو الذي لا تتوقف حيله لهدم الإسلام وإضعاف المسلمين أينما كانوا.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …