إنّ الفقه علمٌ كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ، إلى ما هنالك. وهو يحتاج في دراسته إلى أركان العملية التعليمية التي لا يتم العلم إلا بها؛ وهي الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي.…
أ.د محمود إسماعيل محمد مشعل
بقية المقدمة
خامسًا: الدراسات السابقة
لا يغيب عن إدراكنا تلك الكتابات الكثيرة من الرسائل والأبحاث المحكّمة التي بحثت موضوع طرق التدريس من زوايا مختلفة وهي بصدد الإفادة والإجادة في النهوض بالعملية التعليمية من طرف المختصين في العلوم التربوية؛ ولا شكَّ أنّ هذا التوجُّه مما يشغل بال أعضاء الهيئات التدريسية في كافة التخصصات على مستوى الجامعات؛ فهو من الموضوعات المتجددة التي تحتاج إلى تنزيلها على الواقع المتجدّد، وصولًا لضمان جودة التعليم.
على أنّ مذهبية الدرس الفقهي في المقررات الجامعية وآثارها التربوية، لم تلق الاهتمام الكافي من الأكاديميين المعاصرين، ولم يأخذ (الفقه المذهبي) بحظٍ وافر من حيث الكشف عن طرق تدريسه وتقريبه للدارسين في المرحلة الجامعية، وما يتطلبه ذلك من الإمعان في التعامل مع الموروث الفقهي المذهبي، من خلال تحليل النّص الفقهي وحلّ إشكالاته، ثم المعاصرة في الدرس الفقهي المذهبي تظل هي الهدف الأسمى.
سادسًا: خطة البحث
رتّبتُ هذا البحث ورسمتُ حدوده في مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة، أمّا المقدمة في بيان أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وأهدافه، وبيان مشكلة البحث، وترتيب خطته.
المبحث الأول:
مذهبية الدرس الفقهي في المقررات الجامعية وآثاره التربوية.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم التدريس وبيان مكانته وتأصيله في الشريعة.
المطلب الثاني: مفهوم المذهبية الفقهية والاعتناء بها مقررًا دراسيًّا.
المطلب الثالث: مفهوم التربية ومضامينها في التراث الفقهي المذهبي.
المبحث الثاني:
المعلِّم الجامعي وجودة الأداء في تدريس الفقه المذهبي.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مهمات المعلِّم الجامعي في التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع.
المطلب الثاني: تنمية المهارات الفقهية لعضو هيئة التدريس الجامعي.
المطلب الثالث: المعلّم النموذج في تصور ابن أبي زيد القيرواني الفقيه المالكي (ت386هـ).
المبحث الثالث:
إثراء الجانب التربوي التعليمي في تدريس الفقه المذهبي.
ويحتوي على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: إضاءات علمية حول الكتاب المرجعي في صياغته الفقهية الحديثة.
المطلب الثاني: الأساليب التعليمية وطُرق التدريس للفقه المذهبي في الجامعات.
المطلب الثالث: مقومات نجاح طريقة التدريس وتفعيل قياس المخرجات التعليمية.
المبحث الرابع:
استشراف المستقبل في تدريس الفقه المذهبي افتراضيًّا.
ويتضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الحوسبة الفقهية من روافد التعليم الإلكتروني.
المطلب الثاني: دور الخرائط المفاهيمية والعروض التقديمية في تقريب الدرس الفقهي.
المطلب الثالث: ترسيخ المفاهيم التربوية والأخلاقية في التدريس الافتراضي.
والخاتمة في عرض نتائج البحث وأهم توصياته، ثم وضع فهرسٍ لمراجعه وموضوعاته.
المبحث الأول
مذهبية الدرس الفقهي في المقررات الجامعية وآثاره التربوية
إنّ المتتبع لما كُتب عن مفهوم التدريس يلاحظ مجموعة كبيرة من التعريفات قد تتباين في شكلها الظاهر، إلا أنها لا تكاد تختلف كثيرًا في المضمون أو بعبارة أخرى يمكن القول أنّ هذه التعريفات غالبًا ما تؤدي إلى تكامل لمعنى التدريس. وفيما يلي عرض هذه المفاهيم. ثم بيان مكانة التدريس وتأصيله في الشريعة. وأتناول ذلك في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم التدريس وبيان مكانته وتأصيله في الشريعة
وأعرض فيه فرعان:
الفرع الأول: مفهوم التدريس
ذكر الشهاب الخفاجي (ت 1069هـ): “أنّ من الألفاظ المولَّدة المشهورة في كلام المصنفين، استعمال كلمة (تدريس) في الكلام الظاهري، الذي يقال في مجالس التدريس من غير تحقيق، فهو بخلاف الكلام التحقيقي الذي يثبت في الكتب والصحائف، وربما قال فيه بعضهم: (كلام مسجدي)؛ لأنّ حِلَقَ التدريس في المساجد([i]).
وليس في هذا انتقاص لمقام التدريس ومكانته، بل فيه تنبيه لاختلاف مقام التدريس عن مقام التحقيق، فالتدريس أخذٌ لجادة العلم وبيان لمشهوره، أمّا التحقيق والتدقيق فله مقام آخر، وقد كان للخاصة من المتفقهين مع أساتذتهم مجالس خاصة ينهضون فيها لمقام التحقيق والتدقيق، وربما قرأ الواحد منهم الكتاب على شيخه قراءتين أو أكثر، فتكون إحداهما قراءة درس، والأخرى قراءة بحث وتدقيق، وهذا كثيرٌ في أخبارهم المنقولة عنهم([ii]).
وفنّ التدريس: المقصود به (علم التدريس) نفسه، وقد عرّفه الدكتور سعيد حليم بقوله: “علم التدريس: هو علم تطبيقي معياري، يهتم بالعلاقة بين المدرس والمتعلّم، ومحتويات التدريس وأهدافه وطرقه وتقنياته، وأشكال تنظيم مواقف التعلّم التي توضعُ أمام المتعلّم؛ لتسهيل ظهور تمثلاته قصد توظيفها في العملية التعليمية”([iii]).
وهذا التعريف يركّز على علاقة المتعلّم بالأستاذ لإحداث التأثير في عملية تعلّمه؛ من حيث الناحية التطبيقية؛ ولذا جاء تعريف التدريس أيضًا بأنه: (عملٌ فني علمي مُعقّد)([iv]).
ومن التعريفات التي تدور في هذا الفلك؛ تعريفه بأنه:” الأداءات التي يقوم بها المدرس أثناء عملية التعليم والتعلم داخل قاعة الدراسة، لإحداث التأثير المباشر على أداء الطلاب لتعديله وتيسيره وإحداث التعلم([v]).
والتدريس كذلك هو: “تلك الإجراءات التي يقوم بها المعلم مع تلاميذه لإنجاز مهام معيّنة لتحقيق أهداف سبق تحديدها”([vi]). وهناك من ينظر إلى التدريس على أنه “كيفية إعداد المواقف التعليمية المناسبة وجعلها غنيّة بالمعلومات والمهارات والعادات والاتجاهات والقيم المرغوب فيها”([vii]).
ويُعرّف التدريس من حيث النظر إلى التفاعل بين المدرس والمتعلّم بأنه:” عملية التفاعل بين المدرس وتلاميذه في غُرف الصّف أو في قاعة المحاضرات أو في المختبرات”([viii]).
وهو بهذا المعنى غير التعليم؛ لأنّ التدريس عملية الأخذ والعطاء أو الحوار والتفاعل، بينما لا يعني التعليم سوى العطاء من جانب واحد وهو المدرس أو المعلِّم في حالة التعليم. والتدريس تعليم للطرق والأساليب التي يتمكن بواسطتها الدارس من الوصول إلى الحقيقة وليس تدريس الحقائق فقط([ix]).
ويصِفُه أحمد أبو هلال بقوله: “إنّ التدريس أشمل وأعم من التعليم، فالتدريس يشتمل على مركبين: الأول هو الإحاطة بالمعارف المكتشفة، والثاني اكتشاف تلك المعارف، بينما التعليم لا ينطوي إلا على الأول”([x]).
والتدريس في المفهوم الحديث هو: “مهمة علمية مدروسة تبدأ بتحليل خصائص المتعلمين وتحديد قدراتهم ومواهبهم وميولهم، ثم تطوير الخطط التعليمية واختيار الوسائط والأنشطة والمواد التعليمية التي تستجيب لتلك الخصائص ومتطلباتها، ويتم بعد ذلك تقويم العملية التعليمية تقويمًا شاملًا من بدايتها إلى نهايتها لمعرفة مواطن القوة والضعف فيها”([xi]).
=================================
([i]) شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل: للشهاب أحمد الخفاجي، (ص 65)، المطبعة الوهبية – مصر، (1382هـ).
([ii]) المجالس الفقهية: د. هيثم الرومي، (ص 50)، تكوين للدراسات – السعودية، ط2، (2020م).
([iii]) علاقة المتعلّم بالأستاذ في ظل المستجدات التربوية: د. سعيد حليم، (ص62)، مطبعة آنوفو – برانت، فاس، ط2 (2009م).
([iv]) التدريس أهدافه أسسه أساليبه: فكري حسن ريان، (ص5)، عالم الكتب، القاهرة، (1971م).
([v]) سلوك التدريس: محمد أمين المفتي، مؤسسة الخليج العربي، (ص25)، (1984م).
([vi]) التدريس الفعّال: أحمد حسين اللقاني وآخر، (ص10)، عالم الكتب، القاهرة، (1985م).
([vii]) المدرس في المدرسة والمجتمع: أبو الفتوح رضوان، (ص139)، الأنجلو المصرية، (1978م).
([viii]) تحليل عملية التدريس: أحمد أبو هلال، (ص5)، مكتبة النهضة المصرية، (1979م).
([xi]) المرشد في طرق التدريس العامة: د. عبد السلام الجقندي وآخرون، (ص26)، كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ليبيا، (2001م).
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية