تميزت المدرسة المصرية وامتدادها الذي شكلته المدرسة المغاربية الأندلسية، بتفوق أعلامها، الذين أثروا تأثيرًا قويًّا في تطور وانتشار واستقرار المذهب المالكي، وغزارة مؤلفاتهم المستمرة في سلسلة ممتدة لم تتوقف عن الإبداع حتى وقتنا هذا، ومن أعلام هاتين المدرستين…
د. محمد الإدريسي الحسني
بقية: أعلام الفقه المالكي:
الرسالة والنوادر للقيرواني:
من متابعة المقالات السابقة يتضح لنا جليًّا أن الفقه المالكي يدور حول الموطأ والمدونة الكبرى، فهما الأساس الذي بني عليه المذهب المالكي، ويعد كتاب (الرسالة الفقهية) للشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير (ت386 هـ)، من أشهر وأنفس ذخائر التراث المالكي، بل المصدر الثالث في المذهب بعد الموطأ والمدونة، والكتيب على صغر حجمه واختصاره، حوى بين دفتيه أربعة آلاف مسألة، يجب على المكلف معرفتها ولا يسعه جهلها، وأفصح المؤلف في المقدمة عن موضوع رسالته وأنه ألفها تلبية لطلب سائل فقال : (فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانات مما تنطق به الألسنة، وتعتقده الأفئدة، وتعمله الجوارح، وما يتعلق بالواجب من ذلك في السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه، وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس وطريقته).
تضمن الكتاب مسائل عقدية: تتعلق بما تنطق به الألسن وتعتقده الأفئدة، من واجب أمور الديانات، ومسائل فقهية من: الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والنكاح والبيوع ، والوصايا، والمدبر، والمكاتب ، والشفعة، والهبة، والصدقة، والحبس، والرهن، والعارية، والوديعة، واللقطة، وأحكام الدماء، والحدود، والأقضية، والشهادات، والأطعمة، وغيرها، بالإضافة إلى بعض الآداب الشرعية وقد سلك المؤلف رحمه الله منهجًا رصينًا، وأسلوبًا واضحًا، وجنح إلى الاختصار المفيد حتى لا يتم الإخلال بالمقصود، مجتنبًا بذلك الحشو والزيادة، واعتمد المؤلف على المشهور والراجح من المذهب دون ذكر الخلاف، ولا عجب في هذا فالكتاب قد رام فيه مؤلفه تبصرة للمبتدئين، وقد وهب الله لهذا الكتاب النفيس القبول بين الخاصة والعامة، فتنافسوا في اقتنائه حتى رُوي أن أول نسخة منه بيعت ببغداد في حلقة أبي بكر الأبهري بوزنها ذهبًا، كما رُوي أن بعض نسخه كتبت بالذهب، وليس هذا فحسب فقد انكب عليه المعلمون والمتعلمون بالقراءة والشرح والتعليق قديمًا وحديثًا، بحيث اعتبرها القرافي (هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلين الصنهاجي المصري، ولد سنة 626 للهجرة. المتوفى سنة 684 للهجرة): من جملة خمسة كتب عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا، وأنشد في الثناء عليها القاضي عبد الوهاب البغدادي قائلًا:
رسالة علم صاغها الـعــلــم النـهــد
قد اجتمعت فيها الفرائض والزهد
أصول أضاءت بالهدى فكــأنما
بدا لعيون الناظرين بـهـا الـرشــــد
وفي صدرها علم الديانة واضـح
وآداب خير الخلق ليــــــس لها ند
لـقـد أم بـانـيـهـا السداد فـــــــذكـــــره
بها خالد ما حج واعتمر الوفـــد
قال عياض: كان أبو محمد إمام المالكية في وقته وقدوتهم، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله، وقد ذكر الدكتور عمر الجيدي (أستاذ للفقه المالكي وحجة في معرفة تاريخ هذا المذهب في المغرب وهو من خريجي دار الحديث الحسنية، وأحد الأساتذة الأكفاء الذين تركوا مؤلفات قيمة) أن الأعمال التي أقيمت حول الرسالة بلغت ثلاث وخمسين عملًا، وأشار إلى أن الشيخ حسن حسني عبد الوهاب ذكر أن عدد شروح الرسالة يفوق المائة، نخص منها بالذكر على سبيل المثال: شرح القاضي عبد الوهاب، وقد بيعت أول نسخة منه بمائة مثقال ذهبًا، وممن شرحها أيضًا: يوسف بن عمر الأنفاسي، وقاسم بن عيسى بن ناجي، وأبو العباس القلشاني، وابن الفخار، وغيرهم، وقد لقي الكتاب اهتمامًا بليغًا أيضًا من لدن المستشرقين وترجموه إلى اللغتين الانجليزية والفرنسية، والكتاب مطبوع من أشهر طبعاته طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وطبعة دار الغرب الإسلامي.
وللقيرواني مؤلف آخر غاية في الأهمية هو (النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات)، ويعد كتاب النوادر والزيادات أكبر موسوعة فقهية شاملة، فهو ذروة الفقه المالكي في القرن الرابع الهجري، وعليه المعول في التفقه على المذهب، ويعتبر بمثابة تلخيص للكتب الفقهية المهمة للمذهب المالكي حتى ذلك الوقت، فقد استوفى فيه ابن أبي زيد النقول عن الإمام مالك، وفقهاء المذهب، فجمع ما في الأمهات من المسائل، والخلاف، والأقوال، فاشتمل على جميع أقوال المذهب وفروع الأمهات كلها، ، ففاق المدونة حجمًا، لاستناده على مراجع أوسع منها، وتناول بذلك جميع المسائل الفقهية، إضافة إلى الفقه المقارن داخل المذهب، وشذرات من الأخبار والسير، وآراء عقدية لمالك، ووصف أحداث، وأدوات، وأمتعة مما كان متعارفًا في عهد الإسلام الأول، وأوضح المؤلف منهجه في مقدمة الكتاب، مبينًا أنه عمل على جمع المادة الفقهية من مختلف الدواوين المتقدمة، مثل الموّازية لابن الموّاز، والعتبية أو المستخرجة للعتبي، والواضحة لابن حبيب، وكذا تآليف ابن عبدوس وابن سحنون، فاستخرج ذلك منها، وجمعه باختصار من اللفظ في طلب المعنى، وعمل على تقصي أغلب المسائل الفقهية، وبسطها، مع تجنب تكرارها، كما اجتهد في الاستدلال للمسائل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فكان بذلك كما يقول: «كتابًا جامعًا لما افترق في هذه الدواوين من الفوائد، وغرائب المسائل، وزيادات المعاني على ما في المدونة، وليكون لمن جمعه مع المدونة، أو مع مختصرها مقنع بهما، وغني بالاقتصار عليهما..»، وبالإضافة إلى المصادر التي ذكرها المؤلف في مقدمة كتابه، فإنه كثيرًا ما نقل في مواضع كثيرة حول قضايا فقهية محددة، من غير المصادر التي ورد ذكرها فيما سلف، وصرح ابن أبي زيد كذلك في المقدمة أن كتابه هذا لا يصلح للمبتدئين، نظرًا لسعة المادة الفقهية المضمنة في الكتاب، أما عن مضامين الكتاب فهو يحوي 83 كتابًا، يبتدئ بكتاب بالطهارة، وينتهي بكتاب المرتدين، وتحت كل باب عدة فصول، والكتاب عمدة لمن جاء بعد ابن أبي زيد، فقد نقل عنه جل من ألف في المذهب المالكي، كأبي الوليد الباجي (ت 478هـ) الذي أكثر النقل عنه في المنتقى، وأبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي في «مناهج التحصيل»، والحطاب (ت954هـ) في «مواهب الجليل» في غير ما موضع، وغيرهم، فالكتاب بحق يحوي بين طياته أهم مادة مرجعية عن مصادر الفقه المالكي المتمثلة في مختصرات فقهية منتظمة، ومجاميع ومسائل، ومعالجات لمشكلات فقهية منتظمة، مع مراعاة الاختلاف في الفروع.
قال القاضي عياض عن المؤلف: إمام المالكية في وقته وقدوتهم، وجامع مذهب مالك وشارح أقواله، حاز رئاسة الدين والدنيا، وإليه كانت الرحلة إلى الأقطار، وقد قام الأستاذ ميكلوش موراني من جامعة بون، بدراسة موسعة مستفيضة لكتاب النوادر والزيادات، قدمها في كتابه باللغة الألمانية: «دراسات في مصادر الفقه المالكي» الذي ترجم فيما بعد إلى اللغة العربية، والكتاب طبعته دار الغرب الإسلامي، وهي الطبعة الوحيدة حتى الآن لهذا الكتاب.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية