أخبار عاجلة

الطرق الصوفية والاتصال الجماهيري.. وصف الحال وشرح المؤثرات (3 / 3)

لم ينشغل الباحثون في الإعلام بما تبذله الطرق الصوفية في مجال “الاتصال الجماهري” من جهد في سبيل إشهار تصورها، والدفاع عن مسلكها، وجذب الأتباع إليها، إلى أن جاءت أطروحة الباحث محمد عبد الحليم إبراهيم المنسي، التي قدمها لنيل درجة الماجستير من معهد البحوث والدراسات العربية..

أ.د. عزيزة الصيفي

ذكرت في المقال السابق أربعة عوامل مؤثرة في قدرة الطرق الصوفية على الاتصال، وفي هذا المقال أواصل ذكر باقي العوامل:

5 ـ مدى التواصل مع النخب الإعلامية والفكرية والسياسية خارج أبناء الطرق الصوفية. فهناك طرق تكاد تكون صلتها منعدمة بهؤلاء، بل قد يتوجسون منهم خيفة، ويفضلون الابتعاد عنهم، وهناك طرق تفعل العكس، وترى في بناء جسور لحوار متواصل مع هؤلاء يفيدها كثيرًا في تعزيز قدرتها على حيازة التواصل الجماهيري، الذي يصنع دوائر حول التصوف وأهله، بما يساعده على أداء المهمة الموكلة إليه، لاسيما أن النص الصوفي له حضوره الظاهر خارج المتصوفة أنفسهم، فالأدباء يجذبهم إلي التصوف بلاغته وصوره المفارقة المدهشة، والمفكرون يهتمون بمساره المختلف في التدين والتفكير الديني بوجه عام عما هو سائد لدى الفقهاء أو المتسلفة، وعلماء الاجتماع ينظرون إلى الطرق باعتبارها جزءًا من المجتمع الأهلي الذي تجب العناية بالوقوف على دوره في التربية الأخلاقية والروحية والنفع العام، والسياسيون يرون في أتباع الطرق جمهورًا من الضروري الاهتمام به في تمثيل الناس، وكسب الشرعية، ومواجهة الجماعات السياسية الإسلامية، أو إحداث توازن معها في الحيز الذي ترتبه علاقة الدين بالسياسة.

وتُروى شهادات في هذا الصدد على الدور الذي لعبه الشيخ علاء أبو العزائم في سبيل أن يكون للطرق الصوفية والتصوف حيزًا من الصفحات الدينية الإسلامية في الصحف القومية، بعد أن كان يقتصر على الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وهو أمر يترجمه حرص الشيخ على دعوة محرري الصفحات الدينية في الصحف القومية والمعارضة والمستقلة إلى حضور مختلف فعاليات الطريقة وغيرها من الطرق، كما يحضرها كتاب ومفكرون مدنيون أو علمانيون، من المسلمين والمسيحيين، وفي كثير منها يحضر أيضًا أهل السياسة والمهتمون بالشأن العام.

6 ـ نوعية المريدين، فبعض الطرق تضم أتباعًا قد ارتقوا في التعليم والمهن إلى أعلى مكانة، فمنهم الحاصلون على الدكتوراه والماجستير في تخصصات علمية متعددة، ومنهم حملة البكالوريوس والليسانس، في تعليم مدني أو ديني، ومنهم من يتولون مواقع مهنية متقدمة، سواء في الوظائف الحكومية أو العمل الخاص. وهؤلاء أكثر استعدادًا لتتفاعل مع وسائل الاتصال الجماهيري، ولذا يضغطون، في العادة، وبحكم التعليم، في سبيل الارتقاء بهذه الوسائل، واتساعها. أما إن كانت الأغلبية من مريدي الطريقة من الأميين أو الحاصلين على تعليم متوسط أو ما هو دونه، فإن اهتمامهم بالاتصال يبدو أقل نسبيًّا، وهي مسألة تبرهن عليها الدراسات الميدانية أو التطبيقية حول الدور الاجتماعي للطرق الصوفية.

في هذا الصدد، هناك مسألة أخرى تتعلق بالخلفية العمرية أو الانتماء الجيلي للمريدين، وقد أثبتت دراسة محمد عبد الحليم المنسي أن العجائز يحرصون على الاتصال المباشر، الذي يعتمد على الحضور الجسدي، بينما يقل اهتمامهم بوسائل الاتصال الرقمية، على العكس من هذا يتفاعل الشباب أكثر مع الأخيرة، ويمنحونها بعض الحيوية.

7ـ  مدى قوة “المتن” أو “المرجعية” التي تعتمد عليها الطريقة، فهناك طرق بلا إرث فكري أو معرفي، وليس في يدها سوى “ورد” أو “تعاليم” لمؤسسها، وبعضها يعتمد على المشافهة في تداول سيرة المؤسس ومن تولوا مشيخة الطريقة بعده. وهذا يؤثر سلبيًّا على قدرتها في القيام بالاتصال الجماهيري، إذ إن المحصول الذي بوسعها توظيفه في الدعوة ضئيل، لا يسعف القائمين بالاتصال. على النقيض من ذلك تكون الطرق صاحبة المرجعيات الثرية.

وتعد الطريقة العزمية صاحبة “متن” قوي، صنعته مؤلفات مؤسسها المتنوعة، والتي ينصرف محتواها إلى موضوعات شتى، وكذلك مؤلفات من تولوا المشيخة بعده، وما كتبه مريدو الطريقة من مؤلفات وأطروحات جامعية، أو كتبه غيرهم عنها.

8 ـ منافسة منتجي الخطابات الدينية غير الصوفية. فكثير من هذه الخطابات تسعى إلى التعمية على المنتج المعرفي الصوفي، بل تناصبه العداء، وتحرص على تشويهه وإزاحته خارج الفاعلية الدينية والاجتماعية. ويضع هذا الطرق الصوفية في تحد شديد، قد يعلو ليصبح “معركة وجود”، ويكون عليها أن تستجيب لهذا التحدي من خلال الحرص على نشر خطابها المختلف أو المنافس على القاعدة الجماهيرية العريضة، ومن هنا تلتفت إلى أهمية حيازة وسائل اتصال جماهيري فعالة.

وتستند الطرق الصوفية في مسلكها هذا إلى أنها قد ربحت معركة الوجود على مدار التاريخ، وخذلت أولئك الذين توقعوا تراجع دورها، واختفاء بعضها، مع استمرار دوران عجلة التحديث الاجتماعي والعصرنة، سواء كانت تعتمد على الاتساع في رقعة التعليم، أو التفاعل الهائل مع الثقافات المحلية والعالمية في ظل ثورة الاتصالات الرهيبة التي يعيشها عالمنا المعاصر.

كما تعتمد الطرق الصوفية في استجابتها لهذا التحدي على أنها تظل ملاذًا آمنًا وغير مكلف للمتدينين في وقت التضييق على الجماعات والتنظيمات صاحبة المشروع السياسي. وقد تحدث باحثون كثر، من خلال مشاهدات عيانية وتأملات معرفية ودراسات ميدانية عن أن الطرق الصوفية باتت تستقطب قطاعًا من الخارجين من عباءة الجماعات السياسية الإسلامية ممن يحرصون على مواصلة طقوسهم الدينية وانتماءاتهم الاجتماعية الطوعية والنوعية، بعيدًا عن رقابة أجهزة الأمن، سواء فعلوا هذا على سبيل التقية أو الاختباء المؤقت أو كانوا مقتنعين بالفعل بأن هذه الجماعات والتنظيمات قد أفلست في بناء مشروع اجتماعي وسياسي مستقر ومتنام.

لكن هذا الانخراط في حد ذاته قد يساعد في تهذيب رؤية أتباع جماعات كانت تؤمن بالتغيير القسري للمجتمع، وتميل إلى العنف في تحقيق هذا، من خلال وضع أتباعها في تجربة جديدة، تتيح لهم المقارنة، ومعرفة الطرق الصوفية عن كثب، بعد سنوات من تبني صورة نمطية سلبية عنها، خاصة إن انخرط هؤلاء في طرق صاحبة رؤية دينية متماسكة، تعتمد على المتن أو المرجعية التي تنهل منها، ونوعية المريدين الذين ينتمون لها.

9 ـ مواتاة السياق الاجتماعي من عدمه، ففي بعض الأوقات يكون المجتمع أكثر ترحيبًا بالطرق الصوفية ودورها، لاسيما في أزمنة الفقر والعسف السياسي، مثلما تخبرنا التجارب التاريخية البعيدة والقريبة، حتى عُدَّ هذا أحد أسباب تعزز دور المتصوفة في حقب معينة بحثًا عن طبابة نفسية واجتماعية. على العكس من هذا تكون أيام السترة والحرية، إذ يتراجع الإقبال على الطرق. وفي هاتين الحالتين المتناقضتين تظهر حاجة أرباب الطرق  إلى الاتصال الجماهيري من عدمه.

10  ـ موقف السلطة السياسية، فإذا كانت مرحبة بدور المتصوفة الديني والاجتماعي، ومدت إليها يد العون، لكسب شرعية أو لتواجه مناهضيها على أساس ديني أو لميل القائمين على الحكم إلى التصوف، فإنها تسمح لها بتوظيف وسائل الاتصال الجماهيري مثلما شاءت واستطاعت، وقد تساعدها في هذا ماديًّا ومعنويًّا. والعكس صحيح، فإن كانت سلطة تعتمد على ركائز أخرى لكسب الشرعية، أو تتبنى أيديولوجية لا تعطي التصوف وزنًا كبيرًا، فإنها لا تهتم بمنح المتصوفة فرصة للتواصل مع غيرهم، بل قد تضيق عليهم باب الاتصال من الأساس.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …