اهتم المسلمون عبر تاريخهم بمباحث القواعد والضوابط الفقهية لضبط المسائل وردِّها إلى أصولها؛ لأنها بمثابة الآلة التي ترسم للفقيه والمفتي والقاضي خطوطًا واضحة المعالم في عملية الاجتهاد والفُتيا والقضاء والتدريس، حيث تساعد على ضم الأشياء والنظائر بعضها إلى بعض، والفصل بين المتشابهات، وتوضيح الدلائل وإقامة الحجج والبينات…
الدكتور جمال أمين
بقية المقدمة
إننا نؤكد أنه لا يكفي لمن يتصدى لقضايا التجديد أن يكون ملمًّا ببعض القواعد دون بعض، ولا أن يكون مجرد حافظ للقواعد غير فاهم لمعانيها ولا مدرك لدقائقها، فلا يقف عند قولهم: الضرر يزال، دون أن يدرك أن الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه، وأن الضرر الخاص يُتحمل لدفع الضرر العام، ولا يقف عند حدود قولهم: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، دون أن يدرك أن درء المفسدة اليسيرة لا يدفع بتضييع المصلحة الكبيرة، وأنه إذا تعارضت مفسدتان دُفعت الأشد بالأخف، بل عليه أن يسبر أغوار هذه القواعد بما يمكنه من الحكم الدقيق على الأمور.
ومن ثمة كان نشر هذه المقالات في ضوء خطة متكاملة لقراءة عصرية لتراثنا العلمي والفقهي تراعي ظروف الواقع ومستجداته، مؤملين أن تسهم مع كتابيّ: “الفهم المقاصدي للسنة النبوية”، و”الكليات الست” وما صدر عن وزارة الأوقاف المصرية من إصدارات عصرية في تشكيل الوعي المستنير الذي نسعى إلى تحقيقه وتحويله إلى حالة استنارة عامة وواسعة في إطار خطتنا المتكاملة لتجديد الخطاب الديني، مؤكدين أننا لن نتوقف بإذن الله تعالى عن مواصلة مسيرة التجديد ما دام فينا نفس نتنفسه تجديدًا منضبطًا وقراءة واعية للنصوص وللواقع معًا، خدمة لديننا ووطننا، وعملًا على خلق حالة وعي ديني وسطي مستنير، وتصحيح ما شوهته الجماعات المتطرفة والمتشددة وأصحاب الأفهام السقيمة والجامدة من بعض جوانب الصفحة النقية لديننا السمح العظيم الذي جاء رحمة للعالمين، حيث يقول الحق سبحانه مخاطبًا نبينا o: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( (الأنبياء: 107).
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مقدمات في القواعد الفقهية
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، الذي أكمل لنا الدين وهدانا إليه، فقال تعالى: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (المائدة: 3).
وقال تعالى: )وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( (الأعراف: 43)، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وسيد رسله سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد اهتم المسلمون عبر تاريخهم بمباحث القواعد والضوابط الفقهية لضبط المسائل وردِّها إلى أصولها؛ لأنها بمثابة الآلة التي ترسم للفقيه والمفتي والقاضي خطوطًا واضحة المعالم في عملية الاجتهاد والفُتيا والقضاء والتدريس، حيث تساعد على ضم الأشياء والنظائر بعضها إلى بعض، والفصل بين المتشابهات، وتوضيح الدلائل وإقامة الحجج والبينات.
وفي ذلك يقول الإمام القرافي: (من ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره، وتتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصَّل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان)([i]).
ومن قوله تدرك أن التمسك بالكليات هو الأساس في العمق العلمي لدى الفقيه، والعالم الذي يتصدى لتحرير المسائل الكلية التي تجمع بين طياتها جزئيات لا تنحصر، غير أن العالم يكون مالكًا لزمامها بتمكنه من الإحاطة بهذه الأصول والكليات.
نحن في حاجة ماسة إلى هذا المنهج العلمي، فهو الموجه للحركة العلمية الرشيدة التي تمسك بجملة من العواصم التي تقي العقل الفقهي من الزلل، هذا فضلًا عن أن الوقوف عند الجزئيات دون معرفة الرابط الحقيقي بأصولها وقواعدها أوقعنا في كثير من المشكلات المنهجية التي أثَّرت تأثيرًا مباشرًا على مسيرة العلم الشرعي المفيد في ربطه بواقع الناس، والدليل على هذا ما نشهده في الواقع المعيش من فوضى مُقلِقة من الفتاوى التي لم تُراع تغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، أو بعبارة أخرى لم تُراع هذه الفتاوى الأسباب التي تمثل الجهات الأربع التي تتغير بها الفتوى.
وهذا الحرص الكبير من قبل الأمة على إخضاع الاجتهاد والنظر والتقليد في الفقه والقضاء لكثير من القواعد والضوابط الدقيقة، وتسييره وفق منهجية منضبطة – درسًا ومدارسةً وتعليمًا وممارسةً عبر الأجيال والعصور – يعصم الأحكام المستنبطة والعمل لدى الأمة أفرادًا وجماعات غالبًا من أن يشوب ذلك التخبط أو يخالطه الفوضى، مما يسهم مساهمة جادة في المحافظة على الهوية واستقرار المجتمع، والنهوض بالأمة نحو التقدم والحضارة.
=====================================
([i]) الفروق لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي 1/3، ط عالم الكتب.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية