أخبار عاجلة

النَّص المُتشظِّي.. المشروع الصهيوني من ريف دمشق إلى قطاع غزة (14)

بالرغم من العداء التاريخي والديني أيضًا بين المسيحية واليهودية؛ إلا أن هناك عوامل مكنت لإسرائيل من أرض فلسطين العربية، وهذا تم بمباركة مسيحية غربية، وهذا هو المشهد الأدهش في تاريخ الصراع بينهما من ناحية وبين الصراع العربي الإسرائيلي من ناحية أخرى…

الأستاذ الدكتور بليغ حمدي

بقية: إسرائيل عندما ترتدي قناع الاعتدال

إنهم قتلوا الرب

بذلت الحركة الصهيونية محاولات طويلة ومريرة من أجل كسب التعاطف المسيحي الأوروبي، لاسيما وأن كثيرًا من المسيحيين اتهموا اليهود بالهرطقة، بل إن مجمل كنه الصهيونية أو بالأحرى اليهودية في عقيدة مسيحي أوروبا أنهم قتلوا الرب؟ وهو الاتهام الأكثر خطورة والذي ظل ملازمًا للحركة الصهيونية، بل تخبرنا كتب التأريخ المسيحي أنه ليست مصادفة أن يكون بولس هو المحرض الأول والرئيس في التوجه المناهض لليهودية، ويمكننا رصد العلاقة التاريخية القديمة بين المسيحية واليهودية من خلال بداية الشتات اليهودي تحديدًا في العام السابع بعد الميلاد حيث أصبحتا المسيحية واليهودية تسيران في طريق مختلف وأصبح الاتجاه المسيحي المعادي للسامية أكثر شراسة، وهذا ما دفع فيما بعد الواعظ جيوفاني كريسوستمو  Giovani Cristomo أن يقول: إن اليهود يشكلون جماعات منحرفة ومجموعة غوغاء من النساء الساقطات، وفي مواعظه بعنوان: Tudaes Adversus يشير إلى أن المسيحيين يفضلون الموت بدلًا من أن يتوجهوا لطبيب يهودي، ويجب عليهم الابتعاد عن اليهود مثلما يفرون من الطاعون والكوارث التي تعصف بالبشر.

ويرى هذا الرجل الكنسي أن اليهود لا يجب أن يكونوا أبدًا شعبًا له أرض، أما أوجستينو كما يذكر كارل ديخنر في كتابه (التاريخ الإجرامي للمسيحية، 2000) فيرى أنه لم يكن من الصواب إهلاك اليهود؛ لأنهم كانوا سيشكلون الدليل الحي لصدق المسيحية بسبب المصير الأبدي الذي يلاقونه وهو أنهم يهيمون في الأرض بلا وطن.

هذا ما جعل القساوسة يجتمعون في Alvira للوصول إلى عدة قرارات مهمة؛ منها: منع اليهود من تقلد المناصب العامة والأكاديمية، والاحتفاظ بخدم مسيحيين والزواج بمسيحيين، وعمل أي دعاية دينية أو إنشاء أي معابد يهودية، والإقامة خارج الأحياء المخصصة لهم، مرورًا بإجراءات بسيطة لكنها مهينة مثل حمل شارات على ملابسهم لتمييزهم عن الآخرين، وكذلك منعهم من التواجد في الشوارع في أثناء أسبوع الآلام المقدس لدى المسيحيين.

والحقائق التاريخية تؤكد تآمر اليهود على السيد المسيح A ومحاربتهم له وضد أتباعه أيضًا، ولقد لقي المسيحيون الأوائل من جراء دسائس اليهود ومؤامراتهم أهوالًا من الإرهاب والتعذيب والإبادة.

ويذكر عبد الله التل في كتابه (خطر الصهيونية) أن في ولاية نيويورك الأمريكية عددًا كبيرًا من دور النشر المعروفة بميولها الصهيونية تهتم بطبع الكتب التي تتعرض لشخصية السيد المسيح A تعرضًا هو في منتهى الشناعة وسوء الأدب، ومن ذلك كتاب نشرته دار (سيمون وشوستر) بعنوان: (التجربة الأخيرة للمسيح).

وبالرغم من العداء التاريخي والديني أيضًا بين المسيحية واليهودية؛ إلا أن هناك عوامل مكنت لإسرائيل من أرض فلسطين العربية، وهذا تم بمباركة مسيحية غربية، وهذا هو المشهد الأدهش في تاريخ الصراع بينهما من ناحية وبين الصراع العربي الإسرائيلي من ناحية أخرى.

ويشير فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد محمد الفحام شيخ الأزهر الأسبق في بحثه المعنون (المسلمون واسترداد بيت المقدس) إلى أسباب وأسرار التحالف بين المشروع الصهيوني الاستعماري ودول الغرب المسيحية، ويتمثل هذا التحالف في السؤال الذي وجهه (كامبل برمان) عن ما مصير الحضارة الغربية إلى لجنة ألفها من بين مشاهير المؤرخين وعلماء الاجتماع والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والبترول والإذاعة؛ للإجابة عن السؤال المذكور.

ويقول كامبل برمان في سؤاله: ” إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى، ثم تستقر إلى حد ما، ثم تنحل ثم تزول، فهل لديكم أسباب ووسائل يمكن أن تحول دون السقوط أو الانهيار، أو تؤخر مصير الاستعمار الأوروبي، وقد بلغ الآن الذروة وأصبحت أوروبا قارة قديمة نفدت مواردها، وشاخت معالمها، في حين نرى العالم الآخر لا يزال في مطلع شبابه؟ “.

ومنذ ذلك التساؤل كما يذكر فضيلة الإمام الأكبر محمد الفحام في دراسته عكفت اللجنة على دراسة الموضوع، وانتهت إلى وضع خطة للمستقبل، ضمنتها تقريرًا أحالته وزارة الخارجية إلى وزارة المستعمرات، وقد جاء في التقرير أن الخطر المهدد يكمن في البحر المتوسط، ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص؛ حيث يوجد شعب واحد تتوافر له وحدة التاريخ والدين واللغة والآمال المشتركة وكل مقومات التجميع والترابط والاتحاد، فضلًا عن نزعاته الثورية وثرواته الطبيعية.

وطالب التقرير آنذاك بأنه على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على تجزئة هذه المنطقة، وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر، وطالب التقرير بضرورة فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي.

فضلًا عن مطالبة التقرير بإقامة حاجز بشري قوي غريب على الجسر البري الذي يربط آسيا وإفريقيا وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار.

واستطاعت الحركة الصهيونية أن تتسلل إلى الدول الغربية المسيحية من خلال قيام السير إيريك درموند بتوجيه رسالة إلى حاييم وايزمان أكد له فيها أن حماية حقوق اليهود ستكون من أهم واجبات عصبة الأمم (منظمة الأمم المتحدة بعد ذلك) وسخرت بالفعل كل إمكانات المنظمة من خلال فرض الانتداب البريطاني على فلسطين من أجل تحقيق هدف أساسي هو تنفيذ وعد بلفور.

الأخطر من ذلك كله هو ما أعلنه الزعيم الصهيوني (ناحوم وسكولوف) في المؤتمر اليهودي الذي عقد في كارلسباد في السابع والعشرين من أغسطس عام 1922م ونشرته جريدة نيويورك تايمز: ” إن عصبة الأمم فكرة يهودية، لقد خلقناها بعد كفاح دام 25 سنة”.

هذا يجعلنا نتيقن تمام اليقين في أن سر التحالف بين الصهيونية والدول الغربية المسيحية رغم الخلاف والصراع التاريخي هو تحالف لا يسنده شيء من التعاطف بل يقوم في الأساس على مطامع الحركة الصهيونية العالمية والتعصب العنصري الديني الذي تقوده الدول الغربية ضد الشعوب الإسلامية.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …