أخبار عاجلة

جوانب الخلاف بين جمعية العلماء والطرق الصوفية (11)

الترك ظل كأنه عدم فعل، والعدم هو الأصل والفعل طارئ، والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعًا، فلا يقتضي الترك تحريمًا…

أ. د. نور الدين أبو لحية

بقية: الفصل الأول:

جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية حول مفهوم البدعة وضوابطها

بقية: المبحث الثاني: موقف الجمعية من البدعة وأدلتها

بقية: المطلب الثاني: أدلة الجمعية على موقفها من البدعة:

بقية: النصوص الدالة على حرمة التقرب لله بما لم يشرع:

بقية: الاحتجاج بترك النبي o:

انطلاقًا مما ذكرناه في المقال السابق، ذكر الشيخ الغماري قاعدة مهمة هي المستند الذي يستند إليه الصوفية في إثبات جواز ما يخترعونه من تقييدات ورسوم وأوضاع، وهذه القاعدة هي أن (الترك وحده إن لم يصحبه نص على أنّ المتروك محظور لا يكون حجّة في ذلك، بل غايته أن يفيد أنّ ترك ذلك الفعل مشروع، وإمّـا أنّ ذلك الفعل المتروك يكون محظورًا فهذا لا يستفاد من الترك وحده، وإنمـا يستفاد من دليل يدل عليه)([1]).

وذكر أن هذه القاعدة ليست من وضعه، بل من تتبع استدلالات الفقهاء المعتبرين وجدهم يستعملونها في استدلالاتهم، ومن ذلك ما ذكره عن أبي سعيد بن لب الذي قال ردًّا على من كره الدعاء عقب الصلاة: (غاية ما يستند إليه منكر الدعاء إدبار الصّلوات أنّ التزامه على ذلك الوجه لم يكن من عمل السّلف، وعلى تقدير صحة هذا النقل، فالترك ليس بموجب لحكم في ذلك المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج فيه، وأمّا تحريم أو لصوق كراهية بالمتروك فلا، ولا سيما فيما له أصل جملي متقرر من الشرع كالدعاء)([2]).

ومثل ذلك ابن حزم الذي استدل بهذه القاعدة كثيرًا، ومن ذلك ما ذكره في المحلى من احتجاج المالكيّة والحنفيّة على كراهية صلاة ركعتين قبل المغرب بقول إبراهيم النخعي: (إنّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونهما) ورد عليهم بقوله: لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنهم نهوا عنهما)([3]).

وبعد أن أثبت لجوء الفقهاء إلى استعمال هذه القاعدة في استدلالاتهم بين أدلتها، وهي كما يلي([4]):

1- أن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء مقررة في علم الأصول، وهي: النـهي، ولفظ التحريم، وذم الفعل أو التوعد عليه بالعقاب.. والترك ليس واحدًا من هذه الثلاثة، فلذلك لا يقتضي التحريم.

2- أنّ الله تعالى قال: )وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( [الحشر: 7]، ولم يقل: (وما تركه فانتهوا عنه)، فالترك لا يفيد التحريم.

3- قوله o: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)([5])، ولم يقل: (وما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟)

4- أنّ الأصوليين عرفوا السنّـة بأنها قول النبي o وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه؛ لأنه ليس بدليل.

5- أن الحكم خطاب الله، والذي يدل عليه قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس، والترك ليس واحدًا منها فلا يكون دليلًا.

6- أن الترك يحتمل أنواعًا غير التحريم، والقاعدة الأصولية أن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال، بل سبق أيضًا أنه لم يرد أنّ النبي o إذا ترك شيئًا كان حرامًا وهذا وحده كاف في بطلان الاستدلال به.

7- أن الترك ظل كأنه عدم فعل، والعدم هو الأصل والفعل طارئ، والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعًا، فلا يقتضي الترك تحريمًا.

وختم رسالته بذكر نماذج من الترك منها الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بليلة المعراج، وإحياء ليلة النصف من شعبان، وتشييع الجنازة بالذكر، وقراءة القرآن على الميت في الدار، قراءة القرآن عليه في القبر قبل الدفن وبعده، وصلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات، ثم عقب عليها بقوله: (فمن حرّم هذه الأشياء ونحوها بدعوى أن النبي o لم يفعلها فاتلُ عليه قول الله تعالى: )آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ( [يونس: 59]، لا يقال: وإباحة هذه الأشياء ونحوها داخلة في عموم الآية لأنـا نقول: ما لم يرد نهي عنه يفيد تحريمه أو كراهته، فالأفضل فيه الإباحة لقول النبي o: (وما سكت عنه فهو عفو)([6])، أي مباح)([7]).

الاحتجاج بما ورد عن الصحابة والسلف:

ومن أهم ما ورد في ذلك ما ورد عن عبد الله بن مسعود من إنكاره على بعض من قيد العبادة بما لم يرد في النصوص تقييده، فقد روى عمرو بن سلمة بن الحارث قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فجاءنا أبو موسى الأشعري..  فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا. قال: فما هو؟. قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلْقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مئة؛ فيكبرون مئة، فيقول: هللوا مئة؛ فيهللون مئة، ويقول: سبحوا مئة، فيسبحوا مئة.. ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلْقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟!. قالوا: حصى نعدّ به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدّوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده أنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد o؟!! أَوَمفتَتِحوا باب ضلالة؟!. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله o حدثنا أن قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، وأيم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم. قال عمرو بن سلمة: رأينا عامّة أولئك الحِلَق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج([8]).

===============================

([1]) الغماري: حسن التفهم والدرك لمسالة الترك، ص11.

([2]) الغماري: حسن التفهم والدرك لمسالة الترك، ص12.

([3]) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، المحلى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (2/254).

([4]) الغماري: حسن التفهم والدرك لمسالة الترك، ص12، وما بعدها.

([5]) صحيح مسلم ـ (7/ 91).

([6]) نص الحديث هو: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية: )وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا( [مريم: 64]) (مسند البزار (10/ 26).

([7]) الغماري: حسن التفهم والدرك لمسالة الترك، ص50.

([8]) أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، السعادة – بجوار محافظة مصر، 1394هـ – 1974م (4/ 380- 381).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …