إن الفقهاء الكبار قسموا البدع هذا التقسيم، فقد روي عن الشافعي أنه قال: (البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم)…
أ. د. نور الدين أبو لحية
بقية: الفصل الأول:
جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية حول مفهوم البدعة وضوابطها
بقية: المبحث الثاني: موقف الجمعية من البدعة وأدلتها
بقية: المطلب الثاني: أدلة الجمعية على موقفها من البدعة:
بالإضافة إلى ما سبق – في المقال السابق – يذكر الشيخ ابن عليوة أن ما أحدثه الصوفية من وظائف الأذكار، والتقييدات في الأعداد قليل أمام ما أسسه المجتهدون من الأحكام وقنّنوه من القوانين.. فإن (المجتهدين حلّلوا وحرّموا وأوجبوا وندبوا، الأمر الذي لا يذكر أمامه ما أحدثه القوم من القوانين)([1]).
وهكذا الأمر بالنسبة لاجتهادات الصحابة الذين نزلت الآية بين أظهرهم، وهم أدرى بتفسيرها، فإن القول بكمال الدين بعد نزول الآية ينفي جميع ما اجتهدوا فيه، بل يجعلهم مبتدعين بذلك بدع ضلالة، يقول الشيخ ابن عليوة في بيان ذلك: (وزيادة على هذا إنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ بل يتعدى إلى سائر الأحكام المستفادة من أقوال الصحابة والتابعين، وحتى المنصوص عليها من أعمال الخلفاء الراشدين، على أنّ جميعها جاء بعد نزول الآية الكريمة، فلا تفوتك يا حضرة الشيخ تلك النوازل على صلاة التراويح بالمسجد لم يقرر العمل به إلاّ في خلافة عمر بأمر منه، وكان الحال في عصر النبيّ o على خلاف ذلك، وأنّ الطلاق الثلاث دفعة واحدة، كان على عهد النبيّ o، وخلافة أبي بكر، وطرف من خلافة عمر يعتبر طلقة واحدة، ثم بدا لهذا الأخير أن يعتبره ثلاثًا باتًّا، فنجد رأيه في ذلك، ووافقه عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وها هو الآن يجري عليه العمل!، وأنّ حدّ شارب الخمر، كان في عهد النبيّ o، وخلافة أبي بكر مقيّدًا بأربعين جلدة، وزاد فيه عمر إلى الثمانين، وعلى ذلك جرى العمل، وقس على ذلك بقيّة النوازل، والحالة أنّ جميع ذلك بعد نزول الآية الكريمة، فهل يتسنى لكم القول بأنّ ذلك ليس من الدين؟! كلا، لا تطاوعك نفسك، ولا نفس أي مؤمن يشبه ذلك القول)([2]).
وهكذا الأمر بالنسبة للأحاديث النبوية الشريفة التي وردت بعد نزول الآية الكريمة مع تضمنها لأحكام وتكاليف شرعية، يقول ابن عليوة: (وفي ظنّي أنّك تدرك كون الأمر لا يقف عند هذا الحدّ أيضًا، بل يتعدّاه إلى سائر الأحكام المستفادة من الأحاديث النبويّة، التي جاءت بعد نزول الآية، أعني بعد كمال الدين وإتمام النعمة، فوجودها مساو لوجود غيرها بالنظر لمقتضى الآية)([3]).
بل إنه يستلزم من هذا ما هو أخطر من مجرد رد الأحاديث التي وردت بعد نزول الآية الكريمة، ذلك أنه (مهما اعتبرنا ما جاء من الأحاديث، عقب تلك الآية، لا يصحّ الاحتجاج به لزمنا التوقف في عموم الأحاديث التي نجهل تاريخ وقوعها، وهي ليست بقليلة العدد، نفعل ذلك لئلا ندين لله بغير دينه المختم بقوله: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ( [المائدة: 3]، على أنّ رواة الحديث لم يتعرّضوا في الغالب لما يرجع للتاريخ، ولا شكّ أنّ أمرا كهذا يجرّ لنا وللمسلمين من الوبال ما لا يخفى على مثلكم)([4]).
وينتهي الأمر بلوازم القول بهذا على حد تعبير الشيخ ابن عليوة إلى ما هو أخطر من ذلك، وهو أنه (يلزم على ذلك المعتقد خروج جملة من الأحكام السماويّة المنصوص عليها بالآيات القرآنيّة، واعتبارها أنّها ليست من الدين)([5]).
وقد استدل الشيخ لهذا بما ذكره في السيوطي في كتابه (الإتقان) من قوله: (إنّ من المشكل قوله تعالى: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ( [المائدة: 3]، فإنّها نزلت بعرفات عام حجّة الوداع، وظاهرها كمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرّح بذلك جماعة، مع أنّه ورد في آيات الربا والدَّيْن والكلالة أنّها نزلت بعد ذلك، وقد استشكل ذلك ابن جرير، فقال (الأولى أن يتأول على أنّه أكمل دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام، وانجلاء المشركين عنه)([6]).
بعد هذه الأدلة التي ألزم بها الشيخ ابن عليوة من ينكر على الصوفية ما أحدثوه من تقييدات وتحديدات ذكر الشيخ ما ينبغي أن تحمل عليه الآية الكريمة، فقال: (وإنّي أرى أحسن ما ينبغي أن تحمل عليه، هو أنّ المراد بكمال الدين، يعني أصوله وقواعده الجوهريّة، وأمّا ما وراء ذلك من الفرعيّات فلا نراه من مدخول الحكم، ولا تراه أنت يا حضرة الشيخ، إلاّ من طريق رجوع الفروع إلى أصولها؛ لأنّها تعتبر كامنة فيها، ككمون النخلة في حبّة النواة؟، ألهمني الله وإياكم من العلم ما يكون أساسه التقوى)([7]).
بعد هذه الأدلة يعود الشيخ إلى مخاطبة المخالف له مبديًا استعداده لمناقشة المسألة ومراجعة ما يراه إن كان لديه ما من الأدلة ما يدله على ذلك يقول الشيخ: (وهذا ما فهمناه نحن من الدين، وما معنى كماله وإتمام النعمة على أهله، فإن كان له موقع عندكم فذاك، وإلاّ فأرشدونا لفهم أعلى من ذلك، وأجركم على الله)([8]).
ثم يتوجه بالنصيحة للمخالف قائلًا له: (وثق يا حضرة الشيخ، فإنّ فهمك السابق في الآية الكريمة ليس هو من العلم في شيء، ولا ممّا يحسن اعتقاده، ولا أقول لكم أنّكم اعتقدتم ذلك القول بحيث صدر منكم عن تمحيص وإمعان، أو بنيتموه عن حجّة وبرهان إنّما اعتقادي فيكم أنّكم جريتم فيه على قلّة التثبت، وأعانكم على ذلك حسن ثقتكم بأنفسكم من جهة مكانتكم العلميّة.. والحالة أنّنا وأنتم ممّن هو حقيق أن يقال له: علمت شيئًا وغابت عنك أشياء، مع أنّ الأجدر أمثالنا قبل كلّ شيء، هو إدراك التقصير من أنفسنا، وهذا فيما نعلم، وأحرى فيما لا علم لنا به.. لا أحرمنا الله، وإيّاكم من سلسبيل معارفهم، وفي الأخير أرجوكم يا سيدي أن لا ترسلوا النصوص في الاستدلال، قبل تأملها فإنّ الأمر ليس بالهين، وهذا ما سبق فيه اختياري لنفسي، اخترته لكم والسلام)([9]).
=================================
([1]) ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلًا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص138.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية