أخبار عاجلة

قيم علمية من الشعر العربي [1 /5]

يستهدف البحث الى استخلاص ما يحويه الشعر العربي القديم من قيم علمية تتفق والمعطيات العلمية الحديثة كمحاولة للدلالة على بعض مظاهر الحياة العقلية عند العرب أو الاستدلال على شيوع ورواج الثقافة العلمية عند العرب أو تسجيل فضل سبق العرب مما قد يتضمنه الشعر العربي القديم من أفكار علمية غير مسبوقة في بابها. وتستأثر الجيولوجيا والفلك وعلوم الاحياء من نبات وحيوان بالنصيب الأوفر من الشعر العربي القديم..

الأستاذ محمد إسحاق عبد الرسول

ملخص البحث

يستهدف البحث الى استخلاص ما يحويه الشعر العربي القديم من قيم علمية تتفق والمعطيات العلمية الحديثة كمحاولة للدلالة على بعض مظاهر الحياة العقلية عند العرب أو الاستدلال على شيوع ورواج الثقافة العلمية عند العرب أو تسجيل فضل سبق العرب مما قد يتضمنه الشعر العربي القديم من أفكار علمية غير مسبوقة في بابها. وتستأثر الجيولوجيا والفلك وعلوم الاحياء من نبات وحيوان بالنصيب الأوفر من الشعر العربي القديم:

فالصحراء وهي موطن العرب الأوائل تكون مجالًا جيولوجيًّا ممتازًا.

أما الفلك فهو صمام أمان لمن يسكن الصحراء.

أما علوم الأحياء فيشغل ذكر النبات والحيوان حيزًا هامًّا في القصيدة العربية القديمة، فهما عماد الأعرابي في صحرائه فضلًا عن بعض المعارف العلمية الأخرى التي يتضمنها الشعر الغنائي العربي القديم على مر عصوره.

مقدمة

الشعر هو فن العرب الأول، تلك حقيقة لا شك فيها، فقد برع العرب فيه حتى كاد أن يكون وقفًا عليهم، والشعر أيضًا هو ديوان العرب، فقد جمع فكر وثقافة العرب الأوائل، فسجلت فيه أخلاقهم وعاداتهم وما يكرهون وما يحبون. ويورد السيوطي – في المزهر -قول ابن فارس: “والشعر ديوان العرب، وبه حفظت الأنساب وعرفت المآثر، ومنه تعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله وغريب حديث رسول الله o”([i]).

وللشعر منزلة لدى العرب لا يدانيها سوى منزلة الشاعر نفسه في قبيلته، “فقد كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأنها بذلك وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، وتتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم وذب عن أحسابهم وتخليدًا لمآثرهم”([ii]).

وبالإضافة إلى ما للشعر – ولاسيما في عصوره الأولى كما هو معروف ومشهور – من قيمة أدبية كفَنٍّ من الفنون فقد انتفعت به علوم كالنحو واللغة والبلاغة.

ومن الجدير بالذكر أنه كان للشعر أيضًا إسهامه الواضح في علوم أخرى كالتاريخ والجغرافيا بما أفاض الشعراء في أشعارهم بذكر أيامهم وحروبهم، وبما حرصوا على ذكر الأماكن والمواضيع في أرجاء شبه الجزيرة العربية، وبما أجادوا في وصف مفردات بيئتهم من نبات وحيوان وجماد([iii]).

نفرغ من هذا لنقول: إنه فضلًا عما للشِّعر من قيمة أدبية ولغوية ونحوية وانتفاع علوم كالجغرافيا والتاريخ به فإننا نجد أن للشعر العربي قيمة أخرى لا يقل خطرها عما سبق من قيم، وهي قيمته العلمية، ونعنى بالعلمية هنا تلك العلوم العقلية كالجيولوجيا والفلك والكيمياء، والتي هي أبعد ما تكون عن الأدب لكونها خلاصة بحث وتجربة العلماء لا من خيال وإلهام الشعراء، وهو ما أهمله الباحثون ودارسو الشعر العربي القديم – على كثرتهم – فلم يتبينوا قيمته العلمية التي توارت أمام طغيان قيمته الأدبية والاحتجاج بشواهده في اللغة والنحو.

وسوف نحاول في هذه الدراسة أن ندلل على ما يتضمنه الشعر العربي من قيمة علمية كَلَبِنَةٍ متواضعة في صرح مآثر العرب العلمية الضخم.

وربما يظن القارئ أننا نقصد الشعر العلمي – الذي يُقصد به العلم لذاته – كأراجيز ابن سينا في الطب أو أراجيز ابن ماجد في الملاحة والفلك، فهذا النوع من الشعر مما يندرج تحت باب العلم فهو كالتراث العلمي سواء بسواء.

ولكن الشعر الذي نعنيه هنا هو الشعر العربي بمعناه الشامل الأعم، أي الشعر الغنائي الذي يملأ التراث طولًا وعرضًا، فهذا النوع من الشعر وإن كان أبعد ما يكون عن الأفكار العلمية؛ إلا أن الكثير من الأبيات الشعرية لا شك في دلالتها العلمية، مما يعطى الانطباع بأنها أحوج ما تكون إلى التفسير العلمي منها إلى الشرح الأدبي وبيان ما فيها من فنون البلاغة والمجاز.

ولعلنا لا نكلف الشعر فوق ما يطيقه أو تعتسف معانيه إن أخضعنا بعض الشواهد الشعرية للتحليل العلمي ونظرنا إليها بعين من يدرس العلم لا بعين من يدرس الأدب، ولا نغالي إن قلنا: إن الكثير من الشواهد الشعرية لا يكتمل تمام معناها بدون هذا التحليل العلمي، أو على الأقل بيان ما فيها من إيحاءات ودلالات علمية حتى وإن كانت غير مقصودة لذاتها فهي في النهاية خلاصة معارف عامة ونتاج جو علمي شائع، حتى وإن كان الشعراء ليسوا من أربابه؛ إلا أنه يدل على ثقافة علمية سائدة كمظهر من مظاهر الحياة العقلية عند العرب، والتي لا تقتصر فقط على خاصة العلماء والمشتغلين بالعلم.

وإذا كانت تلك الشواهد الشعرية لا ترقى إلى كونها مصدرًا للتراث العلمي فيجب – على الأقل – ألا يفوتنا أن نسجل فضل السَّبْقِ والرِّيادة لبعض المعطيات العلمية التي تتفق والعلم الحديث.

الجيولوجيا والشعر العربي

من المعروف أن الجزيرة العربية – إلا أقلها – ما هي إلا صحراء قاحلة لا يرى الناظر فيها سوى الجبال وما يتفرع عنها من أخاديد ووديان تكسو الرمال منها ما استوى على الأرض من سهول وحزون، وما ارتفع قليلًا من هضاب ورواب، ولا تخلو الصحراء من كثبان رملية سريعة التكوين سريعة الزوال تقيمها الرياح صبحًا وربما تذروها بليل. وبيئة هذا شأنها وتلك هي حالتها تصبح ولا شك – بمنظور علمي – مجالًا جيولوجيًّا ممتازًا. والقاري للشعر العربي القديم سوف يجد أن الشعراء العرب لم يتركوا شاردة أو واردة مما حولهم ومما حوته بيئتهم الصحراوية مهما استدقَّت وصغرت إلا استوعبوها وأودعوها قصائدهم، إما بالحديث عنها مباشرة أو إيرادها ضمن تشبيهاتهم مما تقتضيه فنون بلاغتهم.

وهذا من أمر البيئة العربية الصحراوية أما عن علم الجيولوجيا – أو علوم الأرض – فشأنه شأن سائر العلوم يتشعب إلى أفرع وعلوم أخرى وسوف تتوقف عند أحد علومه وهو علم الجيولوجيا الطبيعية Physical Geology، ذلك العلم الذي يدين بمعطياته العلمية لمثل هذه البيئة.

وعلم الجيولوجيا الطبيعية يبحث – في مجمله – تأثير العوامل الطبيعية كالماء والهواء والحرارة في مادة الأرض، حيث يختص بدراسة العمليات الطبيعية التي أثرت وما زالت تؤثر على القشرة الأرضية والتي شكلت ومازالت تشكل تضاريس الأرض.

ومن أهم ما يدرس في هذا العلم ما يسمى بعوامل الهدم والبناء، ويقصد بعوامل الهدم كل من التجوية Weathering، والتعرية Denudation، والنقل Transportation، أما عوامل البناء فتتمثل في الترسيب.

ولقد فطن شعراء العرب منذ الجاهلية – ولاسيما شعراء البادية – وهم الذين تحوطهم الصحراء من كل جانب إلى ما تفعله الطبيعة المتحركة في الطبيعة الساكنة.

وبلغة العلم إلى تأثير العوامل الطبيعية، كالماء والرياح على مادة القشرة الأرضية ولسوف ترى من شواهد الشعر – حيث يعني الشاهد الواحد عن الشواهد الكثيرة، كيف أدرك الشاعر العربي القديم ما أدركه الجيولوجيون بعده بمئات السنين.

=====================

([i]) المزهر للسيوطي، ج۲ ص۲۹۱.

([ii]) المصدر السابق، ج۲ ص۲۹۳.

([iii]) فجر الإسلام، أحمد أمين، ص5۷.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …