يستهدف البحث الى استخلاص ما يحويه الشعر العربي القديم من قيم علمية تتفق والمعطيات العلمية الحديثة كمحاولة للدلالة على بعض مظاهر الحياة العقلية عند العرب أو الاستدلال على شيوع ورواج الثقافة العلمية عند العرب أو تسجيل فضل سبق العرب مما قد يتضمنه الشعر العربي القديم من أفكار علمية غير مسبوقة في بابها. وتستأثر الجيولوجيا والفلك وعلوم الاحياء من نبات وحيوان بالنصيب الأوفر من الشعر العربي القديم..
الأستاذ محمد إسحاق عبد الرسول
شواهد علمية متفرقة
لعل الرياضيات هي العلم الذي اختفت – أو كادت أن تختفي – فيه الشواهد العلمية غير أن حظها كان كبيرًا في الشعر العلمي كرسالة ابن الهائم المؤلفة من اثنين وخمسين بيتًا من الشعر في علم الجبر، وأراجيز ابن الياسمين في الجبر أيضًا، وغيرهما من أساطين العلماء العرب في الرياضيات الذين تعددت إضافاتهم وابتكاراتهم وشهد بفضلهم جمهرة من المستشرقين.
ولئن كان ليس من الغريب أن يأتي العلم من أربابه ومريديه، فإن الغريب كل الغرابة أن تأتي فكرة رياضية ممن لم يعرف عنه اشتهاره بهذا العلم، ونعنى به المعرى؛ فقد كانت فكرة “المالانهاية” Infinitive وليدة ذهنه المتوقد، صاغها بقوله في بيته المشهور:
ولــو طـــار جــبـريـل بـــقــيــة عـــمــره
عن الدهر ما اسطاعَ الخروج من الدهر([1])
والمعروف أن جبريلًا والدهر خالدان لا تحدهما نهاية. ومن ناحية أخرى فقد سبق لكاتب هذه السطور أن أثبت في غير هذا المكان فضل سبق العرب في معرفة واستنتاج القانون الرياضي المسمى بقانون التباديل بالاستعانة ببيت من الشعر وهو:
حـبيـب بـقلبي مليح جميل
بديع ظريف رشيق عزيز
وقد أثبتوا أنه يتفرع عنه بتقديم ألفاظه وتأخيرها أربعون ألفًا وثلاثمائة وعشرون صورة مع الشرح الكامل لقانون التباديل([2]).
ونختتم تلك الشواهد العلمية بشاهد، أو إن شئنا بجملة من الشواهد، تتحدث عن ظاهرة صوتية لا تحدث إلا في الصحراء، ولم تعرف إلا مؤخرًا إبان القرن الثامن عشر. حيث تحدث عنها الرحالة ومستكشفو الصحراء لأول مرة، وهي الظاهرة المسماة: بـ “الرمال الموسيقية”، وهى من الظواهر الطبيعية حديثة الاكتشاف – نسبيًّا – بمقارنتها بظاهرة أخرى تتفق معها في المكان وتختلف في الطبيعة، ونعني بها ظاهرة السراب، فكلاهما من ظواهر الصحراء؛ غير أن الرمال الموسيقية ظاهرة صوتية، أما السراب فظاهرة ضوئية.
وتحدث هذه الظاهرة الصوتية عند انثيال الرمال الجافة على منحدر جبلي يميل بزاوية ٢٩,٥ درجة على الأفقي([3]). وقد استرعت هذه الظاهرة الغريبة انتباه عدد من الجغرافيين والأثريين، ولعل شبه جزيرة سيناء قد شهدت مولد هذا الاهتمام ولا سيما الجبل المسمى بجبل ناقوس، وقد سمِّي بهذا الاسم لكونه مصدرًا لأصوات غامضة. ولقد أورد و. ف. هيوم في كتابه المشهور: “جيولوجية مصر” جزءًا خاصًّا عن الرمال الموسيقية نقلًا عن أحد التقارير التي استقى منه علمه بتلك الظاهرة، مما يدل على أنها كانت مجهولة تمامًا([4]).
والسؤال الآن ما نصيب تلك الظاهرة الصوتية والمسماة بالرمال الموسيقية والتي لا تحدث إلا في الصحراء من التفاتة الشعراء إليها؟ وهل لها من الشعر العربي القديم نصيب من الذكر؟ … سؤال خليق بالإجابة، وإجابة أحرى بنا أن نجهد أنفسنا في العثور عليها لعلها ترد فضل السبق إلى أهله، هؤلاء المنسيون الذين لا يذكرهم أحد إذا تحدث عن تلك الظاهرة، أو تحدث عن مكتشفيها من الأوربيين، وأغفل الرواد العرب الذين نشأوا في مهدها ونشأت في مهدهم.
فهذا “الأعشى” وهو من شعراء الجاهلية والإسلام يقول في معلقته الشهيرة “وَدِّع هُريرة إن الرَّكب مرتحل”:
وبلدة مثل ظهر الترس مُوحِشَةً
للجن بالليل في حافاتها زَجَل([5])
فهو يصف بلدة مستوية منبسطة موحشة شبه استوائية وانبساطها بظهر الترس، ويتحدث عن جلبة وأصوات الجن ليلًا في أطرافها.
هذا ما عناه الأعشى ومن السهل أن ندرك أن مصدر تلك الأصوات ليس كما عزاه إلى الجن بل هي تلك الظاهرة الصوتية التي تحدثها الرمال.
إذًا فتلك الظاهرة قد استرعت سمع ذلك الأعرابي الهائم في فلواته فتحدث عنها في شعره، ولكن لم يجد لها تعليلًا سوى إلصاقها بالجن، ولا شك في أنه من التعليلات المقبولة والجائزة أن تسود في بيئة كهذه البيئة وفي زمن كهذا الزمن.
ويتحدث ذو الرمة في أكثر من قصيدة له عن تلك الأصوات التي ينسبها هو الآخر إلى الجن فيقول في إحدى قصائده:
وكم عرَّست من بعد السرى من معرس
بــه مــن كــلام الـجـن أصـوات سامر([6])
أي أنه عندما نزل ليستريح ليلًا في هذا المكان سمع أصوات الجن كأنه أصوات قبيلة في سمرها، ويكرر نفس المعنى السابق في قصيدة أخرى بقوله:
وكم جُبت دونك من تَيْهَاء مظلمةٍ
تـيه إذا مــا مـغـنـى جِـنُّهـا سمرا([7])
ويقول في موضع ثالث:
فلاة لصوت الجن في منكراتها
هـزيـز وللأبـوام فـيـها نـوابح([8])
ويكاد ذو الرمة يقتنص الحقيقة باقترابه من المسبب الفاعل – وهو الرمل – لا من الخارق المجهول – وهو الجن -، فيقول في قصيدة له:
ورمل عريـف الـجـن فـي عـقدانه
هزيز كتضراب المغنين بالطبل([9])
وعلى الرغم من أن تلك الظاهرة الصوتية قد نسبها البعض إلى الجن فسرى هذا الاعتقاد مسرى الحقائق؛ إلا أننا نؤكد أن العرب قد علموا من سبب هذه الظاهرة الصوتية الشيء الكثير، وأن الرمال – لا الجن – مصدرها، فقد ورد في القاموس المحيط للفيروزأبادي في فصل العين باب الفاء: “عزفت نفسي عنه تعزف عزوفًا زهدت فيه وانصرفت عنه، فهو عزوف، والعزف والعزيف صوت الجن، وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وعزف الرياح أصواتها، وأعزف سمع عزيف الرمال”.
خاتمة
لا شك في أن ما أوردناه وما أطلقنا عليه الشواهد العلمية هو غيض من فيض ونزر يسير من فضل، وناهيك بالشعر العربي القديم على توالى عصوره.
ومما لا شك فيه أيضًا أن ما أوردناه من شواهد شعرية يعد في حد ذاته مظهرًا من مظاهر الحياة العقلية عند العرب أو – على الأقل – يعكس انتشار الثقافة العلمية ورواج معارفها بين العامة. هذا بالإضافة إلى ما قد يكون لبعض الشواهد من محتوى على غير مسبوق في بابه.
ونأمل أن يكون هذا البحث بداية متواضعة لدراسة أشمل وأعم حتى يأخذ التراث العلمي بعضًا من حقه المهضوم في الشرح والتحقيق.
========================
([1]) لزوم ما لا يلزم، أبو العلاء المعرى.
([2]) انظر: مجلة العلم (أكاديمية البحث العلمي)، العدد ۱۹ أول سبتمبر ۱۹۷۷م، ص٢٤، (العرب ليسوا شعراء فقط بل عرفوا التباديل والتوافيق)، مصطفى عبد النبي.
([3]) جيولوجية مصر، تأليف و. ف. هيوم، ترجمة د. نصري شكري وآخرين، ص٣٤٤.
([5]) شرح القصائد التسع المشهورات، أبو جعفر النحاس، تحقيق أحمد خطاب، القسم الثاني، ص۷۰۹.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية