تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.
وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.
الدكتور سامي عوض العسالة
بقية الفصل الأول: الإلهيات
بقية المطلب الثالث: صفات المعاني
(4) صفة الإرادة
بقية: عموم تعلق الإرادة
العلاقة بين الإرادة والأمر
اختلفت آراء المتكلمين حول علاقة الإرادة بالأمر على النحو التالي:
1ـ مذهب المعتزلة:
ذهب المعتزلة إلى أن الإرادة ملازمة للأمر، فكل ما أراده الله تعالى أمر به، فلا مأمور به إلا وهو مراد له، ولا منهي عنه إلا وهو غير مراد له تعالى.
وكلام المعتزلة هنا يعنى أن الله تعالى إذا نهى عن المعصية ثم فعلها العبد دل ذلك على أن المعصية وقعت بغير إرادة الله U، وإنما وقعت بإرادة العبد.
وتبعًا لهذه الملازمة عندهم فإن الطاعات وحدها هي المرادة لله U؛ حتى ولو لم تقع؛ لأنها مأمور بها([1]).
2ـ مذهب أهل السنة:
ذهب أهل السنة إلى أن الإرادة مغايرة للأمر، ولا مستلزمة له.
فالإرادة تخصيص للممكن ببعض ما يجوز عليه من الأمور المتقابلة، والأمر طلب فعل سواء أكان غير كف أم كان طلب كف.
ولا مستلزمة للأمر فقد يريد الله شيئًا ولا يأمر به مثل كفر الكافر، وهي كذلك غير العلم؛ إذ العلم صفة انكشاف، بينما الإرادة تخصيص، وكذلك فهي لا تستلزمه؛ لما أن العلم يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل، بينما الإرادة لا تتعلق إلا بالممكن فقط([2]).
هذا وقد ذهب الإمام أبو العزائم إلى أن الإرادة مغايرة للأمر فيقول0: “أسعد الناس من وافقت إرادةُ الله فيه أمرَه”([3]).
ويقول 0: “والله Y كتب قدره الأزلي في كتاب أخفاه عنا ولم يطالبنا به، وكتب أمره المحبوب في كتاب آخر وأنزله إلينا وأمرنا باتباعه وتنفيذ أحكامه، فإذا منح سبحانه العبد الاتحاد في الأمر والإرادة كأبي بكر فقد منحه السعادة القصوى، وإذا قدر نفى الاتحاد في الأمر والإرادة عن عبد كأبي جهل قدر عليه الكفر والامتناع عن اتباع رسول الله o وأمره بالإيمان”([4]).
والإمام أبو العزائم يرد على المعتزلة ومن سار على نهجهم الذين يتحسبون من نسبة الضلال إلى الله في مثل قول الله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (البقرة: 26) فيقول 0: “وهنا تأول بعض من لم تنكشف لهم مشاهد التوحيد العلية أن قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ من مقول الكفار خوفًا من نسبة الإضلال إلى الله تعالى. وهنا يلزم أن أصنع نبراسًا تنكشف به كل الحقائق التي وردت في القرآن وتنزعج منه العقول الكليلة.
اعلم أن العلماء قسمان: قسم وقع به العلم على عين اليقين؛ حتى باشر الحق سويداء قلوبهم، وهم الذين عملوا بما علموا فعلمهم الله ما لم يكونوا يعلمون، بل هم الذين وهب لهم العقل الذي يعقل عن الله سر العلم المقدس على لسان العارف الرباني فسمعوا، فاقشعرت جلودهم بما سمعوا مما أنزل الله تعالى ثم لانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
ما هؤلاء العلماء الذين يتأولون كلام الله تعالى تأويلًا يناسب عقولهم، فوضعوا أنفسهم موضع الخائف على الله تعالى من أن يلحقه نقص إذا سلموا له كلامه تسليمًا؟، أما أهل المعرفة الذين كاشفهم الله تعالى بباطن القرآن فهم ورثة الصحابة والتابعين، وهم الذين منحهم الله الخشية منه بما علمهم. وهؤلاء هم الذين يسلمون بظاهر القرآن ويسلمون لله تعالى في كلامه تسليمًا لا يشوبه انزعاج من أي عبارة كانت.. وهو مذهب السلف الصالح”([5]).
والمعتزلة وإن كانوا يرون نفى الشرور عن الله تعالى باعتبارها أمرًا قبيحًا وفعل القبيح سفه، والسفه على الله تعالى محال. فإن ذلك يعد نتاجًا لقولهم بالحسن والقبح العقليين.
لكن الأمر – حسب تصورنا – لا يعدو كونه أمرًا اعتباريًّا فإن ما أراه حسنًا قد يراه غيرى قبيحًا، والعكس، بل إن ما أراه قبيحًا الآن قد كنت أراه حسنًا فيما سبق.
فضلًا عن أن هذه الرؤية للأشياء من حيث الحسن والقبح مرتبطة بالأغراض، والله منزه عنها. وليس هناك للمعتزلة وجهة فيما قالوا من أن الإرادة لو غايرت الرضا، فكيف يسمح الله بوقوع المعاصي والشرور مع عدم رضاه عنها؟.
ومن هنا فإنا نقول: إن كل ما يقع في ملك الله مراد له تعالى فلا يخرج عن مراده شيء في الوجود، كما لا يخرج عن قدرته مقدور.
يقول الإمام أبو العزائم: “أي: ولو أراد ربك ألا يفعلوا تلك المفاسد والشرور ما استطاعوا أن يفعلوا منه شيئًا؛ لأننا خلقناهم وما يفعلون”([6]).
ويفرق الإمام بين الإرادة الكائنة والإرادة المحبوبة فيقول: “إرادة الله تعالى صفة واحدة، وتختلف أسماؤها بحسب تفاوت متعلقاتها: تسمى رحمة، وإذا تعلقت بخصوص النعم تسمى محبة. الإرادة نوعان: إرادة كائنة: لا مفر من وجودها، وإرادة محبوبة: يأمر الله تعالى بها له مرادان: مراد كائن، ومراد محبوب، وما علينا إلا تنفيذ المراد المحبوب، ولا يحصل إلا المراد الكائن”([7]).
ويقول عن الإرادة والأمر والنهى: “إن الفاعل المختار هو الله تعالى، فما كان هدى ونورًا فهو إرادته وأمره، وما كان ضلالًا وظلمًا فهو إرادته ونهيه”.
ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ (النساء: 64): “الجملة هنا أفادت القصر، والمعنى أن الله هو الذي يرسل الرسل بإذنه، وإنه إنما يرسلهم لحكمة واحدة وهي أن يطاعوا من أممهم، وليس هذا قدرًا نافذًا كأننًا، وإنما هي إرادة محبوبة لله، فمن سبقت لهم محبة الله من الأزل ممن شرح الله صدره لاتباع الرسل والعمل بوصاياهم. ولو كان هذا الحصر عن إرادة كائنة لكان الأناسي على وجه الأرض كالملائكة، ولكن الله أراد أن يطهر أسماءه وصفاته جمالها وجلالها، فهو العطوف الغفور الرءوف التواب الكريم المنَّان المنعم المتفضل، وهو القهار المنتقم شديد البطش شديد العقاب، فظهر Y بكل معاني صفاته فى مكوّناته”([8]).
ومن خلال ما مر نستطيع أن نقول: إن الإمام أبا العزائم قد أوجد لنفسه أسلوبًا مميزًا، استطاع من خلاله أن يبين الحقائق بوضوح.
==================
([1]) هوامش على العقيدة النظامية، أ.د محمد عبد الفضيل القوصي، ص236، 237.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية