يعتبر الإعجاز الغيبي، هو واحد من الأنواع الأربعة – للإعجاز في القرآن الكريم كما يعتقد المسلمون، فبالإضافة على الإعجاز الغيبي هناك الإعجاز العلمي، والتشريعي، والبياني…
أ.د. عزيزة الصيفي
يعتبر الإعجاز الغيبي، هو واحد من الأنواع الأربعة – للإعجاز في القرآن الكريم كما يعتقد المسلمون، فبالإضافة على الإعجاز الغيبي هناك الإعجاز العلمي، والتشريعي، والبياني.
فقد وجد العلماء الذين بحثوا في أسباب إعجاز القرآن الكريم أن الغيبيات بنوعيها: المطلق والنسبي، من أهم وجوه الإعجاز، فالغيب المطلق هو الأحداث التي لا يعلمها إلا الله وحده، أما الغيب النسبي فهو ما يمكن أن يطلع الله بعض خلقه عليه من خلال رسله وأنبيائه وأوليائه الصالحين، وذلك كما يلى:
أولاً: الغيب المطلق
١- علم الساعة: فإن زمن قوع الساعة لا يعلمه إلا الله.
٢- ما في الأرحام: فإن كان الطب قد تطور وأصبح معلومًا نوع الجنين أنثى أو ذكر ومعرفة العدد، فلا يمكن معرفة ما في الأرحام كيف ستكون حياتهم وطبائعهم ومآلهم إلا الله.
٣- وقت نزول الغيث: فقد يعلم الأرصاد الجوية أن السماء ستمطر، لكن لا يعلم أحد متى ينزل الغيث بدقة إلا الله، وما المقدار وفى أي نقطة على الأرض.
٤- آجال الناس: لا يعلم أحد متى، وفى أي مكان من الأرض سيموت هو أو غيره.
ثانيًا: الغيب النسبي
إن الإعجاز الغيبي النسبي هو إخبار ما غاب عن النبي o وقومه مما لم يشهدوه من حوادث وقعت، أو لم يحضروا وقتها، فلم يكونوا على علم بتفاصيلها، وهو يشمل غيب الماضي وغيب الحاضر وغيب المستقبل.
١- أحوال الآخرة: من وصف الجنة والنار وما فيهما من نعيم أو عذاب، وهذا غيب لا يدرك بالحواس ولكن يخبر الوحي به من اصطفاهم الله.
٢- أحوال الملائكة والجن: فإن أخبار الملائكة والجن وبيان وظائفهم، وتصرفاتهم بأمر من الله.
3- أحداث الماضي والمستقبل: مثل قصص الأمم البائدة وقصص الأنبياء، وكذلك أخبار بعض الأحداث المستقبلية.
4- أسماء الله وصفاته: فقد لقنها الله سبحانه وأخبر بها رسوله، فإن أسماء الله وصفاته لا تدرك بالحواس.
5- علم الله المطلق: أى ما هو موجود في علم الله ولا يمكن لأحد من خلقه الإحاطة به؛ إلا من اصطفاه ليعلمه.
ومن أمثلة الغيبيات في القرآن الكريم ما يلى:
أولاً: إخبار القرآن الكريم عن انتصار الروم على الفرس
في قوله: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ * لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم:1–5]، أخبر سبحانه المسلمين أن الروم ستغلب وأصل الحكاية: أن الفرس – وهم أهل أوثان – غلبت الرومَ – وهم أهل كتاب، فقد كانوا يعتنقون المسيحية – فشَمَتَ كُفَّار مكَّة في النبي وصحبه.
وسبب شماتة الكفار من النبي o عند قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هو فرحهم بانتصار الفرس (المشركين) على الروم (أهل الكتاب)؛ لأنهم رأوا في ذلك دليلًا على تفوق المشركين وربما تمادوا في الاستهزاء بالمسلمين، بينما فرح المسلمون لانتصار أهل الكتاب عليهم، وكانت فرحتهم بنصر الروم على الفرس تماثل فرحتهم بنصر الله عليهم في بدر، فأنزل الله الآيات السابقة تحدِّيًا لكفار مكة، وبُشْرَى للمؤمنين؛ بأن طائفة الإيمان هي التي ستنتصر في النهاية؛ فالقرآن الكريم أخبر عن حدث غيبي مهمٍّ، لم يستطع أَحَدٌ في ذلك العصر أن يُغَيِّر منه في شيء، أو يُكَذِّبه، وهو من الإعجاز الغيبي الذي جاء به القرآن الكريم. وقد حدث ما أخبر به الله من انتصار الروم على الفرس.
ثانيًا: نصر المسلمين عل كفار مكة
من الآيات القرآنية التي بشَّرت المسلمين المستضعفين في مكة أنهم سينتصرون على عدوِّهم، وستقوم دولتهم، فى ذات الوقت الذى انتصر فيه الروم على الفرس، قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، فقد ذكر ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره أنه لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: أيّ جمَع يُهزم؟، أيّ جَمْع يُغلب، ثم قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيتُ رسولَ الله يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:45]. فعرفتُ تأويلها يومئذ». فى المستقبل
ثالثا: فتح مكة
وقد بُشّر المسلمون بفتح مكة ودخولها آمنين، وهم محلقون رؤوسهم ومقصرون، وهو ما حدث بعد ذلك. وجاءت البشرى في سورة الفتح فى قوله تعالى: )إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا( [الفتح: 1 – 3] وفى قوله تعالى: )وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا( [الفتح: ٢٤].
رابعًا: قصص الأنبياء
أخبر القرآن الكريم عن قصص الأنبياء مثل قصة مريم B وقصة نوح A، حيث قال الله للنبي o: )ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ( [آل عمران: 44].
وكذلك قوله في سورة النصر: )إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا( فقد ذكر الله تعالى من الأمور الغيبية أن المسلمين سينتصرون على كفار مكة ويفتحونها، وأنهم سوف يدخلونها أفواجًا بإذنه تعالى.
خامسًا: حادثة مسجد ضرار
نزلت آيات تكشف حقيقة المنافقين الذين بنوا مسجد ضرار بغرض الإضرار بالمسلمين وتفريقهم، فأنزل الله علي نبيه قوله: )الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلِيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنى وَالله يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا( [التوبة: ١٠٧].
فإن مؤامرة مسجد ضرار هي خطة نفذها منافقون لبناء مسجد قريب من مسجد قباء بغرض إلحاق الضرر بالمؤمنين وتفريق صفوفهم. كانت نية البنائين هي أن يصلي لهم سيدنا محمد o فيه، لتكون لهم قاعدة للانطلاق والتآمر، ولكن أوحى الله إلى نبيه بآيات من سورة التوبة تنهى عن الصلاة فيه وتكشف مؤامرتهم.
سادسًا: مؤامرة اليهود
كشف القرآن الكريم مؤامرة بعض اليهود الذين كانوا يحاولون إلقاء التحية على النبي بكلمة خبيثة، مثل قولهم: “السام عليك” بدلًا من “السلام عليك”.
يشير القرآن إلى مؤامرات اليهود وتحالفاتهم ضد المسلمين في عدة مواضع، مثل آيات تحكي عن مؤامراتهم ضد سيدنا محمد o وتحالفهم مع أعداء المسلمين مثل سورة الأحزاب التي تذكر تحالفهم مع المشركين ضد المسلمين، وكذلك تحذيرات عامة في سورة المائدة وآيات أخرى.
أ- مؤامراتهم ضد النبي o:
تصف آيات سورة الأحزاب تحالفات اليهود مع قريش ضد المسلمين، فيقول الله تعالى: )وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَاُرْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا( [الأحزاب: 13].
ب – تحالفاتهم مع الأعداء:
تذكر آيات أخرى تحالفات اليهود مع المشركين ضد المسلمين، مثل ما ورد في سورة المائدة: )لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا( [المائدة: 82].
ج- تحذيرات عامة:
توجد في القرآن تحذيرات عامة حول مكر اليهود، مثل ما ورد في سورة المائدة: )وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ( [المائدة: 13].
د- تحذيرات ضد التآمر على المسلمين:
تحذر آيات من سورة الصف من تآمر اليهود على المسلمين وعلى تحالفهم مع أعدائهم فيقول الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ( [الصف: 2 – 3].
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية