أخبار عاجلة

شواظ العلمانية (1)

مضطر إلى افتتاح السطور بحديث قصير مقتضب عن غزة؛ فالصورة أبلغ حينما نريد توصيف مشهد غزة؛ قتلى، شهداء، مصابين، ضحايا أبرياء، ثكلى لا طاقة لهن بشغف الحياة التي باتت منتهية الصلاحية..

الأستاذ الدكتور بليغ حمدي

المقدمة

مشهد غزة

مضطر إلى افتتاح السطور بحديث قصير مقتضب عن غزة؛ فالصورة أبلغ حينما نريد توصيف مشهد غزة؛ قتلى، شهداء، مصابين، ضحايا أبرياء، ثكلى لا طاقة لهن بشغف الحياة التي باتت منتهية الصلاحية، مستشفيات استحالت شبه مقابر جماعية بانتظار إغلاقها طوعًا، خراب مستدام لا أظنه يستقيم ربما من شدة يأس الكاتب والكتابة ذاتها.

هذا ما يمكن رصده بصورة مبدئية، لكن على الشاطئ الآخر ثمة صور ومشاهد يمكننا رصدها وسردها دونما تأويل عبر التجول بالكرة الأرضية ضيقة الاتساع، ضيقة الرؤية أيضًا؛ مقاطعات لسلع تجارية استهلاكية مما يؤكد أن ثقافة المواطن العربي تأبى التغيير أو التجديد. فبدلًا من صنع طائرات Raval أو المثابرة في محاكاة نموذج صاروخ “لونج مارش 5” الذي انطلق منذ فترة ليست بالبعيدة في مهمة علمية استباقية مستقبلية إلى القمر من أجل جلب عينة قمرية، وجمع وإعادة عينات تربة وصخور من على سطح القمر إلى الأرض، وفقًا لوكالة الأنباء الصينية، شينخوا، وهي أول محاولة من هذا النوع لدولة في أكثر من أربعة عقود من الزمان. وانطلق هذا الصاروخ الذي يحمل مركبة الفضاء الروبوتية “شانجي 5″ من مركز وينشانج للإطلاق الفضائي في إقليم هاينان بجنوب الصين.

لقد قاطعنا كوكا كولا وأخواتها، وسلسلة مطاعم ماكدونالدز وكنتاكي وكأن المواطن العربي البليد في مقاومته في إصراره البغيض؛ لأن يعلن عجزه وقلة حيلته وفقر تفكيره في إيجاد حلول، أو حتى تقديمها للحكومات العربية للخروج من نفق كارثة غزة. واليقين الذهني القاصر أيضًا يفي لدي بأنه لا جديد في مشهد غزة، سوى أنني كغيري أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وأن لا طاقة لي حقًّا بمساندة أهل غزة سوى بقليل من الدعاء عقب كل صلاة، أو إظهار تعاطف صادق بغير رياء صوب إحداثيات كتب عليَّ رؤيتها ومعاصرتها دونما تأريخ مسطور لها.

ومشهد غزة أو بالأحرى قصة فلسطين أرضًا وشعبًا وتاريخًا ضاربًا في القدم قدم الإنسانية ذاتها – يدفعني بالحتمية إلى قضايا فلسفية ترتبط شديد الارتباط بتفاصيل المشهد اليومي الذي ننتظر نهاية غير درامية له تتعلق بمسألة الدولة والدين، ولقد تساءل برهان غليون في تسعينيات القرن العشرين عن كيف نشأ النزاع بين الدين والدولة؟ ولم يتوقف عن التساؤل بل اجتهد في ثنايا كتابه الموسوم بـ ” نقد السياسة الدولة والدين” في البحث عن إجابة سؤال: من أين جاءت القطيعة بين الدولة والدين؟.

ومفاد المسألة أن قضية النزاع لم تكن في الأصل مشكلة أو تمثل مشكلة بين الطرفين، فالتاريخ البشري يؤكد أن أية دولة ما في أي بقعة بالكرة الأرضية ما إن تعرضت لهزات سياسية أو اجتماعية كبيرة كادت أن تعصف بوجودها المؤسسي النظامي؛ إلا وكان الدين بأي صورة كان: رسمية أو مجتمعية أو أفرادًا متفرقين، بمثابة الحصن الذي يقي النظام السياسي الرسمي من أية هزات عاصفة، هذه الصورة تتمثل بقوة في منطقة الشرق الأوسط تحديدًا بما فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بجانب كافة الدول العربية منذ قيام دولة الخلافة الأموية على وجه التحديد.

ومن بالغ الصعوبة أن نجد كيانًا مؤسسيًّا رسميًّا يحكم مجتمعًا ما ينحرف عن زوايا الدين السائدة، ولا نوصف تلك الزوايا بقدر من نبرهن على قوة العلاقة بين الأنظمة السياسية الحاكمة وبين التوجهات الدينية الرسمية أو السائدة. ليس هذا فحسب بل الأمر أيضًا يبدو قائمًا بين الكنيسة والدولة؛ فالسلطة الدينية المسيحية في عصور أوربا الوسطى وإن كانت تمثل بشدة وشراسة سلطة موازية وقوة باستطاعتها تسيير الأمور الحياتية؛ إلا أن تلك السلطة كانت لها حدود قائمة ومحددة لا يمكن أن تتجاوزها بصدد الأنظمة السياسية الحاكمة التي كان يتسيدها الملك أو الجنرال أو السلطان.

ولا شك أن العلاقة بين الدولة والسلطة الدينية باتت أقوى في ظل الديانات السماوية بدءًا من اليهودية مرورًا بالمسيحية وانتهاءً بالإسلام حينما أدرك العقل البشري بما وهبه الله له من إمكانات فائقة في التلقي والتفسير والتأويل أن الارتباط بإله واحد دونما تعدد أقرب في الشبه بارتباطه بكيان مجتمعي أو أمة واحدة لا تقبل الانفصال أو التماثل أو حتى المشاكلة، لذلك أدعي بأن ما جعل الدول العربية لا سيما الخلافات الإسلامية المتعاقبة من أموية وعباسية وفاطمية وخلافة أندلسية، وخلافات إسلامية متناثرة تحت مسميات كثيرة تحمل سمة الدولة كالأيوبية والإخشيدية وحتى إمامة الشيعة بفرقها التي لا حصر لها باقية وقائمة دون تشتت أو تشرذم أو تفتت وانهيار بسبب الالتحام بالقوة الدينية أو بسلطة الدين وقوة الإله الواحد.

فالإله في الحضارات البائدة والثقافات التي لم تعرف فكرة الإله الواحد لم يكن قاسمًا فاصلًا وأصيلًا في الطبيعة والإنسان وحركة الحياة؛ بل كانت مجرد فكرة تعبدية قاصرة وضعيفة تجسد ضعف التصور الذهني ومن ثم لم تكن حدًّا في السلطة السياسية، فخلاف العلاقة الجديدة التي نشأت بين إله واحد يعبده الملايين وبين الأنظمة والمؤسسات التي عرفت فيما بعد بالدولة.

لذلك من رأيناه في حضارة المصريين القدماء من أن الدولة بمؤسساتها كانت تعمل جاهدة في خدمة الإله الذي كان يمثله الفرعون الحاكم فقط، وتخبرنا كتب التاريخ أن عبودية المرء هي مصدر الرضى والقناعة، وبالمقابل كما يشير برهان غليون في كتابه المذكور سابقًا كانت العقوبة للفرد أو للجماعات هي إخراجها من عبادة الإله والعبودية فيه.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (25)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …