واعتبار الشيخ ابن باديس والجمعية عمومًا لهذا الأصل يدل على صلتها الشديدة خصوصًا بالتيار السلفي المحافظ، ابتداء بابن تيمية الذي يستدل كثيرًا في إنكاره على المخالفين بترك النبي…
أ. د. نور الدين أبو لحية
بقية: الفصل الأول:
جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية حول مفهوم البدعة وضوابطها
بقية: المبحث الثاني: موقف الجمعية من البدعة وأدلتها
بقية: المطلب الثاني: أدلة الجمعية على موقفها من البدعة:
بقية: النصوص الدالة على حرمة التقرب لله بما لم يشرع:
الحديث الثالث: ما ورد في في الموطأ من أن النبي o رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: (ما بال هذا؟) فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله o: (مروه فليتكلم، وليستظل وليجلس وليتم صومه)([1]).
وقد نقل ابن باديس بعد إيراده لهذا الحديث قول مالك تعقيبًا على هذا الحديث: (أمره أن يتم ما كان لله طاعة (وهو الصيام) ويترك ما كان لله معصية)، ثم عقب عليه بقوله: (فقد جعل مالك القيام للشمس وترك الكلام ونذر المشي إلى الأماكن المذكورة معاصي، وفسر لفظ المعصية في الحديث بها، مع أنها في نفسها أشياء مباحات، لكنه لما أجراها مجرى القربة – وليست قربة – حتى نذر التقرب بها وصارت معاصي لله وليس سبب المعصية أنه نذر التقرب بها؛ حتى أنه لو فعلها متقربًا دون نذر لكانت مباحة، بل مجرد التقرب بها وليست هي قربة موجب لكونها معصية عند مالك)([2]).
وهذا يؤكد ما أشرنا إليه سابقًا من كون مدرسة الجمعية في مواقفها من البدعة خصوصًا ليست مدينة للمدارس السلفية بتياراتها المختلفة فقط، بل هي مدينة أيضًا لانتمائها للمذهب المالكي، وخاصة من مصادره الأولى كالموطأ والمدونة وغيرها، ولهذا نرى ابن باديس يرجع إلى تلك المصادر دون مصادر المتأخرين، والتي لم تلتزم – حسب رؤية الجمعية – بمذهب مالك الحقيقي.
وقد نقل الشيخ ابن باديس في هذا المقام ما حكاه ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالكًا بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله o، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال الرجل: وأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله o إني سمعت الله يقول: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( [النور: 63])([3]).
ثم عقب على ذلك بقوله: (فهذا الرجل لا نذر في كلامه وقد أراد الإحرام – وهو في نفسه عبادة – من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه وهو مسجد رسول الله o وموضع قبره. وأراد أن يزيد أميالًا تقربًا لله تعالى بإيقاع الإحرام بذلك الموضع الشريف وزيادة التعب بالأميال. ومع ذلك رده مالك عن ذلك وبيَّن له قبح فعله بما يراه لنفسه من السبق وقرأ عليه الآية مستدلًّا بها، وما كان مثل هذا داخلًا في الآية عنده إلا وهو يراه حرامًا)([4]).
ويضاف إلى هذه الأحاديث قوله o: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)([5]).
الاحتجاج بترك النبي o:
من خلالنا استقرائنا للمحاورات الفقهية التي أجرتها الجمعية مع المخالفين لها في موقفها من البدع نرى اعتمادها الكبير على ما يسميه الأصوليون (مسألة الترك)، ولهذا نحاول أن نفصل الكلام عليها هنا، مع ذكر رؤية المخالفين لها، وسنرى من خلال ما سنذكره في الفصول التالية من نماذج الكثير من الأمثلة عن هذا النوع من الأدلة.
وقد عبر ابن باديس على اعتبار هذا النوع من الأدلة بقوله: (الاستدلال بترك النبي o أصل عظيم في الدين والعمل النبوي دائر بين الفعل والترك، ولهذا تكلم علماء الأصول على تركه كما تكلموا على فعله – وقد ذكرنا جـملة من كلامهم فيما قدمنا – غير أن تقرير هذا الأصل الذي يهدم بدعًا كثيرة من فعل ما تركه النبي o مما يتأكد مزيد تثبيته وبيانه إذ بالغفلة عنه ارتكبت بدع وزيدت زيادات ليست مما زيدت عليه في شيء)([6]).
ومن الأمثلة على اعتماد الشيخ ابن باديس لهذا النوع من الأدلة قوله في معرض رده على شيخه ابن عاشور قوله: (إذا كان ترك القراءة هو السنة، فالقراءة قطعًا بدعة إذ ما فعله النبي o من القربات ففعله سنة، وما تركه مما يحسب قرابة مع وجود سببه فتركه هو السنة وفعله قطعًا بدعة.. والقراءة في هذه المواطن الثلاثة التي حسب أنها قربة قد وجد سببها في زمنه فمات الناس وشيع جنائزهم وحضر دفنهم، ولم يفعل هذا الذي حسب – اليوم – قربة ومن المستحيل – شرعًا – أن يترك قربة مع وجود سببها بين يديه ثم يهتدي إليها من يجيء من بعده ويسبق هو إلى قربة فاتت محمدًا o وأصحابه والسلف الصالح من أمته. ولا يكون الإقدام على إحداث شيء للتقرب به مع ترك النبي o له مع وجود سببه إلا افتئاتًا عليه وتشريعًا من بعده وادعاءً – ضمنيًّا – للتفوق عليه في معرفة ما يتقرب به والحرص عليه، والهداية إليه، فلن يكون فعل ما تركه – والحالة ما ذكر – من المباحات أبدًا بل لا يكون إلا من البدع المنكرات)([7]).
واعتبار الشيخ ابن باديس والجمعية عمومًا لهذا الأصل يدل على صلتها الشديدة خصوصًا بالتيار السلفي المحافظ، ابتداء بابن تيمية الذي يستدل كثيرًا في إنكاره على المخالفين بترك النبي o)([8]).
========================
([3]) انظر: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ)، أحكام القرآن، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ – 2003 م، (3/ 432).
([6]) آثار ابن باديس (3/ 104).
([8]) قسم ابن تيمية ما تركه النبي o قسمين: الأول: ما تركه مع وجود المقتضي لفعله في عهده o، وهذا الترك يدل على أنه ليس بمصلحة ولا يجوز فعله. ومثل لذلك بالأذان لصلاة العيدين حيث أحدثه بعض الأمراء.
والثاني: ما تركه النبي o لعدم وجود ما يقتضيه، لحدوث المقتضي له بعد موته o، ومثل هذا قد يكون مصلحة وقد يكون جائزًا.. ومثل ابن تيمية لهذا النوع بجمع القرآن، فقد كان المانع من جمعه على عهد الرسول o أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو لتعذر تغييره في كل وقت، فلما استقر القرآن واستقرت الشريعة بموته o أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم. انظر: ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم (2/597).
وقد رد الغماري على ما ذكره ابن تيمية بقوله: (هذا كلام ليس بمحرر ولا محقق، فقد اشتبهت عليه هذه المسألة بمسألة السكوت في مقام البيان، صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة، لكن لا لأن النبي o تركه، وإنما لأنه o بين في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان، فدل سكوته على أنه غير مشروع، والقاعدة: أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، وإلى هذه القاعدة تشير الأحاديث التي نهت عن السؤال ساعة البيان) السيد عبد الله ابن الصديق الغماري، تحقيق وتعليق: الاستاذ صفوت جوده أحمد، مكتبة القاهرة، ص12.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية