الترك ظل كأنه عدم فعل، والعدم هو الأصل والفعل طارئ، والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعًا، فلا يقتضي الترك تحريمًا…
أ. د. نور الدين أبو لحية
بقية: الفصل الأول: جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية حول مفهوم البدعة وضوابطها
بقية: المبحث الثاني: موقف الجمعية من البدعة وأدلتها
بقية: المطلب الثاني: أدلة الجمعية على موقفها من البدعة:
بقية: الاحتجاج بفتاوى العلماء والمالكية خصوصًا:
يعلق ابن باديس على الأصلين اللذين اتخذهما معيارًا للحكم على الأعمال بالسنية والبدعية – واللذين قد فصلناهما في المقال السابق -، فيقول: (هذان الأصلان اللذان قررنا بهما فقه مالك هما أصلان مجمع عليهما كثيرة في الشريعة المطهرة أدلتهما والفروع التي تنبني عليهما فلنا في مالك وغيره من أئمة الهدى القدوة الحسنة في التمسك بهما. فنحتاط لعبادتنا حتى لا نخلط بين فرضها ونفلها. ونتقبل ما جاء من العبادات مقيدًا أو محددًا بقيده وحده، ونتقبل ما جاء منها مطلقًا على إطلاقه فلا نلتزم فيه ما يخرجه عن الإطلاق. ولنحذر كل الحذر من الإخلال بقيود الشارع أو التقييد لمطلقاته، ففي ذلك استظهار عليه وقلة أدب معه وتبديل لوضعه واختيار عليه وإنما الخير لله ولرسوله لا لأحد من الناس، وأن الغالب على الناس أنهم لا يتعمدون الإخلال بالقيود وإنما يتعمدون التقييد للمطلقات وأنواع الالتزامات مع أنهما في المخالفة سواء فلنحذر من الوقوع في مثل هذا على الخصوص)([i]).
ونحب أن نبين هنا أن العلاقة التي تربط الجمعية بالمذهب المالكي لا تتعدى مالك وبعض أصحابه المتقدمين، أما المتأخرون من أصحاب المتون والشروح والحواشي، والذين يكاد يكون أكثرهم من أصحاب الطرق الصوفية، فإن الجمعية تنتقدها، بل وتقدم كتب الحنابلة عليها، يقول الزاهري في العدد الخامس من (الصراط السوي): (وهُنا مسألة جوهريّة لا بأس بالإشارة إليها، وهي أنّ كُتب الحنابلة التي يقرئها الوهّابيّة وغيرهم هي كّتب سّنّة وحديث أكثر ممّا هي كُتب فقهيّة حنبليّة، وهم لا يزالون يُؤلّفونها على طريقة السّلف الصّالح وأئمّة هذا الدّين الحنيف، بخلاف كُتبنا نحن المالكيّة التي يُؤلّفها فُقهاؤنا المتأخّرون في المذهب المالكي مثلًا فهي خالية من السّنّة والحديث حتّى إنّك لتقرأ كتابًا ذا أجزاء من كُتب المُتأخّرين من أوّله إلى آخره فلا تكاد تعثر فيه على حديث شريف ولا على أثر من آثار الصّحابة، وبعبارة أخرى أنّ كُتب الحنابلة المُتأخّرين لا تزال كّتب سنّة وحديث ككتُب المُتقدّمين أمّا كُتب المُتأخّرين من المالكيّة والحنفيّة مثلًا فقد خلت كلّها أو جُلّها من السّنّة والحديث، بل يسوق لك مُؤلّفها الأحكام مُجرّدة عن كلّ نظر واستدلال ولا يخفى أنّ كتب السّنة والحديث تجعل قارئها سُنّيًّا سلفيًّا شديد الاتّصال بالرّسول o وشديد الاتّصال بالسّلف الصّالح وبعيدًا كلّ البعد عن التّقليد والجُمود وبعيدًا عن البدع ومُحدثات الأمور، ومن هنا جاء الخلاف بين الوهّابيّة من أهل السّنّة الآخرين إن كان هناك خلاف)([ii]).
وانطلاقًا من هذا نرى الجمعية في مناقشاتها مع المخالفين سواء كانوا من المدرسة المقاصدية أو المدرسة الصوفية، تنتقي من فتاوى الفقهاء ما يتناسب مع هذه النظرة، وهي انتقائية – كما نرى – غير موضوعية؛ لأن التأصيل الحقيقي يستدعي الاطراد، والتعامل مع القضايا من جميع جوانبها.
وكمثال على ذلك أن ابن باديس في مناقشته مع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رجع إلى فتاوى أبي سعيد بن لب الغرناطي([iii])، بل ويثني عليه، يقول في ذلك: (ونزيد على ذلك الآن ما قاله فقهاؤنا المتأخرون في بدع الجنائز من القراءة ونحوها: سئل أبو سعيد بن لب كبير فقهاء غرناطة في عصره عما يفعله الناس في جنائزهم حين حملها من جهرهم بالتهليل والتصلية والتبشير والتنذير ونحو ذلك على صوت واحد أمام الجنازة. كيف حكم ذلك في الشرع؟)([iv]).
ثم نقل فتواه ببدعية ذلك، وأن (السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار.. واتباعهم سنة ومخالفتهم بدعة: وذكر الله والصلاة على رسول الله o عمل صالح مرغب فيه في الجملة لكن للشرع توقيت وتحديد في وظائف الأعمال، وتخصيص يختلف باختلاف الأحوال والصلاة وإن كانت مناجاة الرب، وفي ذلك قرة عين العبد، تدخل في أوقات تحت ترجمة الكراهة والمنع. والله يحكم ما يريد)([v]).
وينقل فتوى أخرى له في نفس الموضوع، ذكر فيها أن (ذكر الله والصلاة على رسوله A من أفضل الأعمال وجميعه حسن لكن للشرع وظائف وقَّتها وأذكار عيَّنها في أوقات وقتها، فوضع وظيفة موضع أخرى بدعة، وإقرار الوظائف في محلها سنة، وتبقى وظائف الأعمال في حَمل الجنائز إنما هو الصمت والتفكر والاعتبار. وتبديل هذه الوظائف بغيرها تشريع. ومن البدع في الدين)([vi]).
ثم عمم ابن باديس فتوى أبي سعيد على كل الأوضاع الحادثة، فقال: (وهذه هي فتوى أبي سعيد بن لب في موضوعنا المنطبقة على كل ما أحدث من الأوضاع بقصد التقرب وليست قربة في هذه المواضع وإن كانت حسنة في أصلها وقد رأيت إنكاره لها، فترك هذا كله فضيلة)([vii]).
لكنا بالعودة إلى كتاب (تقريب الأمل البعيد في نوازل الأستاذ أبي سعيد) والذي يضم فتاوى الإمام أبي سعيد ابن لُب الغرناطي (ت:782هـ) نرى أنه في فتاواه ينتهج منهج المدرسة المقاصدية التي ينتمي إليها ابن عاشور، والتي ترى تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، وكمثال على ذلك أنه (سئل عن قراءة الحزب في الجماعة على العادة، هل فيه أجر؟ مع ما نقل فيه ابن رشد من الكراهة؟).
فأجاب قائلًا: (أما قراءة الحزب في الجماعة على العادة فلم يكرهه أحد إلا مالك على عادته في إيثار الاتباع، وجمهور العلماء على جوازه واستحبابه، وقد تمسكوا في ذلك بالحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده)([viii]).
بالإضافة إلى هذا النص الصحيح يستند أبو سعيد بن لب إلى المقاصد الشرعية في هذا، فيقول: (ثم إن العمل بذلك قد تضافر عليه أهل هذه الأمصار والأعصار، وفيه مقاصد من يقصدها فلن يخيب من أجرها: منها تعاهد القرآن حسبما جاء فيه من الترغيب في الأحاديث، ومنها تسميع كتاب الله لمن يريد سماعه من عوام المسلمين؛ إذ لا يقدر العامي على تلاوته فيجد بذلك سبيلًا إلى سماعه، ومنها التماس الفضل المذكور في الحديث؛ إذ لم يخصص وقتًا دون وقت)([ix]).
بل إنه فوق ذلك يرد على من يعتبر الترك دليلًا على البدعة، فقال: (ثم إن الترك المروي عن السلف لا يدل على حكمٍ إذا لم ينقل عن أحد منهم أنه كرهه أو منعه في ذينك الوقتين، وشأن نوافل الخير جواز تركها.. فالحق أن فيه الأجر والثواب؛ لأنه داخل في باب الخير المرغب فيه على الجملة، ولا يعتقد فاعل ذلك أنه يقدم على مكروه تقليدًا لمالك، يل يعتقد معنى الحديث المتقدم وتقليد من يستحب ذلك ويستحسنه)([x]).
ثم يختم فتواه ببيان تقسيم البدع إلى سيئة ومستحسنة، فيقول: (وثم بدع مستحسنة لا سيما في وقت قلة الخير وأهله، والكسل عن قوله وفعله، لطف الله بنا ومن علينا بصلاح أحوالنا بمنه وفضله)([xi]).
===========================
([i]) آثار ابن باديس (2/ 267).
([ii]) الصراط السوي، العدد 5، ص6.
([iii]) هو أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب الغرناطي الثعلبي، شيخ الجماعة، وعمدة فقهاء غرناطة، (782/701هـ)، صاحب كتاب: تقريب الأمل البعيد في نوازل الأستاذ أبي سعيد، المشهور بنوازل ابن لب الغرناطي. (انظر: أبو سعيد فرج بن قاسم، تقريب الأمل البعيد في نوازل الأستاذ أبي سعيد، دار الكتب العلمية، بيروت، ص9).
([iv]) آثار ابن باديس (3/ 82).
([vi]) آثار ابن باديس (3/ 83).
([vii]) آثار ابن باديس (3/ 83).
([viii]) أبو سعيد بن لب، تقريب الأمل البعيد في نوازل الأستاذ أبي سعيد، ص200-201.
([ix]) المرجع السابق، ص200-201.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية