أخبار عاجلة

جمع الله في اليهود معاصي إبليس فمن دونه من أعداء الله!!

سماحة مولانا الإمام المجدد حجة الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضي أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم، ونفعنا الله بكم، وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- نرجو من سماحتكم بيان كيف جمع الله في اليهود معاصي إبليس فمن دونه من أعداء الله؟ ولماذا باءوا بغضب على غضب؟.. حتى ننتفع بتلك المعاني والأسرار في حياتنا المعاصرة...

يَا بُنَىَّ: قال الله تعالى في حق اليهود: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (البقرة: 90).

ذم بعد ذم من الله تعالى ليهود بنى إسرائيل، فإن معنى بئس: ساء، وليس هنا محل الضوابط النحوية والصرفية، وإنما هنا بيان كلام الله تعالى، و﴿مَا﴾ هنا نكرة موصوفة كناية عن فاعل ﴿بِئْسَ﴾ فهى بمعنى الشيء، والمراد هنا والله أعلم: ساء وقبح الشىء الذى باعوا به أنفسهم، وهو كفرهم بالله وجحودهم رسول الله o.

وهنا إشارة: وهي أنهم باعوا ما جاء به رسول الله o بالباطل الذى ادعوه، وإنما قال الله: ﴿اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ أى باعوا به أنفسهم؛ لأنهم أهلكوها وأوجبوا عليها الخلود فى الحطمة أعاذنا الله. وإن كان البيع والشراء حصلا فى كفرانهم بما جاء به رسول الله o وفى حرصهم على باطلهم عنادًا وطغيانًا. ﴿بَغْيًا﴾ يعنى تعديًا لحدود الله بالظلم والكبرياء مع علمهم اليقيني أن رسول آخر الزمان يكون من ولد إسماعيل بالنص الصريح فى التوراة والإنجيل، ولولا ضيق المقام لأوردت آيات التوراة والإنجيل الصريحة التى بينتها فى كتاب (وسائل إظهار الحق) فراجعه إن شئت.

وقد جمع الله تعالى فى اليهود معاصى إبليس فمن دونه من أعداء الله تعالى، فإنهم لما بعث رسول الله o من العرب حسدوه وحسدوا العرب أيضًا، وكذبوا كتاب الله فى أيديهم، وأنكروا ما كانوا يستفتحون به على المشركين، وبدلوا صفات رسول الله o فى التوراة، وقالوا: إن نبي آخر الزمان من ولد إسحاق لا من ولد إسماعيل، وحظروا على الله تعالى أن يتفضل على غير أولاد إسحاق، حاكمين عليه سبحانه بالعجز بغيًا منهم وعنادًا بعد العلم وهو شر الكفر؛ بدليل

قوله تعالى: ﴿أَن يُنَزِّلَ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾. والله تعالى ذو الفضل العظيم، وهو سبحانه يؤتى فضله من يشاء. فكانوا فى كل تلك القبائح والأباطيل شرًّا من كل اليهود الذين كذبوا الرسل وقتلوهم، فكانوا لعنهم الله تعالى شر الأشرار جميعًا. ولتلك الضلالات التى أرداهم الله بها وحفظ العرب منها بعد أن نشروها بينهم أخبرنا الله تعالى عنهم بما هو عدل منه بقوله سبحانه: ﴿فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، ومعنى ذلك أن معاصرى رسول الله o من اليهود الذين كانوا يستنصرون ببعثته على المشركين ويبشرون المشركين بقرب زمانه، فلما أن أرسله الله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا كفروا به، فباءوا أي رجعوا بكفرهم برسول الله o بغضب من الله عظيم على غضب مكرر قبل رسول الله o؛ لأن الله تعالى غضب عليهم بكفرهم بعيسى A وبعبادتهم العجل، وبما رموا به موسى وغير ذلك، ولكن غضب الله عليهم بكفرهم برسول الله o أشد وأنكى، وللكافرين منهم وهم من ماتوا على الكفر من غير أن يؤمنوا برسول الله o. ﴿عَذَابٌ﴾، أى آلام شديدة وذل. وذلك العذاب مهين يعنى أن ذلك العذاب مهين لهم يذلهم ويخزيهم ويهينهم إهانة يتمنى الواحد منهم أن يكون ترابًا.

ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (البقرة: 91).

يبين الله لنا كفر اليهود بما في كتبهم بإقامة الحجة عليهم؛ لأنهم هم وأسلافهم فطروا على العناد، ومحاربة رسل الله.

يخبرنا الله تعالى أن رسول الله o أو أصحابه 7، إذا قالوا لليهود آمنوا، أى صدقوا بما أنزل الله. والمراد به القرآن المجيد، الذي أنزله سبحانه مصدقًا لما معهم؛ لأنه يدعو إلى توحيد الله، وإلى الإيمان برسله، الذين أرسلهم الله تعالى لهداية الخلق. فصار إرسال الرسل سنة الله التي قد مضت ولن تجد لسنة الله تبديلًا. وليس بعجيب أن يرسل سيدنا محمدًا o، الذى بيَّن اسمه ونعته، بل ومولده وهجرته، وأنه خاتم الرسل، صلوات الله وسلامه عليه، بيانًا صريحًا في التوراة والإنجيل، فيدعوهم العناد إلى تكذيب التوراة، وإنكار ما فيها من دلائل نبوة رسول الله o، ويغيرون ما ورد فى التوراة من ذلك بدليل خبره عنهم بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾، والذى يعنيه معاصرو رسول الله o من اليهود هو التوراة، وكذبوا بل وكفروا؛ لأن التوراة وضحت صفات رسول الله o بفصيح العبارة، ودعواهم أنهم آمنوا بها فرية، فقولهم هذا جعلهم كفارًا بموسى A، وبالتوراة. وبمحمد o، وبالقرآن. ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ أي ويكفرون بما سواه من الكتب، ولك أن تقول بما بعده أو بغيره، فأخزاهم الله تعالى وكذبهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ والمعنى إذا كانت الفاء رابطة لجواب شرط مقدم تكون ﴿إِن﴾ فى ﴿إِن كُنتُم﴾ شرطية و﴿كُنتُم﴾ فعل الشرط، و﴿تَقْتُلُونَ﴾ جواب مقدم. وإن كانت ﴿إِن﴾ نافية وعليها يكون الكلام – ما أنتم مؤمنون، وتكون الفاء رابطة لجواب شرط محذوف ملحوظ تقديره إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون؟ ونفى عنهم الإيمان بقوله ما أنتم مؤمنون، التى كنى عنها بقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ إذا فسرنا، ﴿إِن﴾ فى هذا الموضع نافية. والخطاب لليهود من بنى إسرائيل من بعد موت موسى A إلى معاصرى رسول الله o بطريق التغليب، وأتى بالمضارع فى قوله ﴿تَقْتُلُونَ﴾ والمحل للماضى رعاية للتغليب؛ لأن سلفهم قتل والذين كانوا فى عصر رسول الله o، لو استطاعوا أن يقتلوا رسول الله لفعلوا فهم بحسب نواياهم يقتلون الأنبياء، وجائز لغة أن يحل المضارع محل الماضى إذا دلت القرينة على أنه للماضى والشواهد فى اللغة على مثل هذا كثيرة. وهنا يظهر لنا أن العبارة لا تكشف الحقيقة مطلقًا؛ لأن العبارة لو كشفت الحقيقة لما كفر من سمعوا كلام الله من رسله. وإنما كانت العبارة للبيان لمن سبقت لهم الحسنى من الله تعالى وللحجة على من قدر الله تعالى لعنهم وطردهم من رحمته، ونعلم أيضًا أن العلم والعمل والشهود والحال لا يطمئن بها قلب عارف بالله بل يجب أن يكون المؤمن بين الخوف من السابقة واللاحقة، وبين الرجاء من فضل الله ورحمته فلا ييأس العبد من رحمة الله ولا يأمن جانب الله، والعبد عبد وإن رفعه الله إلى العرش، والرب رب وإن تنزل بإحسانه وعطفه على العبد، حفظنا الله تعالى من الغرور بالعلم والعمل والحال والكشف، بل ومن الغرور بالتصريف بكلمة: كن. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ والبلاء قد يكون بإسباغ النعم كلها ويكون العبد مستدرجًا. وقد يكون البلاء بتوالي الخطوب والمصائب، ويكون العبد فيها محبوبًا لله مرفوع الدرجة عنده، وقد ابتلى إبليس بنعم لم تعط لغيره وهو مستدرج، حتى لعنه وأقامه داعيًا إلى اللعنة والنار. وابتلى آدم بأن نفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنته، ونهاه عن الأكل من الشجرة فخالف، فابتلاه بالطرد من الجنة، وبالكدر والعناء في طلب قوته من الأرض، وسلط عليه قابيل وكثيرًا من أبنائه، فصبر وتاب، فقبل منه سبحانه وأكرمه، فكيف يأمن سالك مكر الله تعالى أو يقنط من رحمته سبحانه. وما تقدم من الآيات في يهود بنى إسرائيل عبرة لمعتبر. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …