أخبار عاجلة

آيات الساعة العشر في القرآن الكريم والسنة (9)

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن الترتيب النهائي حسب الوقوع للآيات العشر كالتالي: 1- خسف بالمشرف 2- خسف بالمغرب 3- خسف بجزيرة العرب 4- خروج الدجال 5- نزول المسيح  6- خروج يأجوج ومأجوج 7- طلوع الشمس من مغربها 8- الدابة 9- الدخان 10- النار التي تخرج من قعر عدن.. وفي هذا المقال نستكمل الحديث، فنقول::

أ.د. فاروق الدسوقي

بقية آيات الساعة العشر

بقية: اختلاف العلماء والروايات حول تحديد الآية الأولى:

من ثم يصبح لدينا ثلاث روايات صحيحة في أول الآيات تتضمن ثلاثة أقوال:

الأول: أول الآيات طلوع الشمس من مغربها؛ حسب حديث مسلم.

الثاني: أول الآيات ظهور الدجال؛ حسب حديث ابن جرير.

الثالث: أول الآيات الخسوف الثلاثة؛ حسب حديث مسلم.

وقد حاول البرزنجي التوفيق بين ترتيبه وبين هذين النصين فقال: (أي بعد المهدى) والنصوص لا تحتمل هذا، حيث لم يرد أي نص يشير إلى المهدى أو يذكره صراحة ضمن نصوص الآيات العشر، بالرغم من أن استنباطه صحيح وموافق لنصوص أخرى، فكيف نوفق بين هذين القولين وبين النتيجة التي توصلنا إليها عن ترتيب الآيات العشر بالبدء بالخسوف الثلاثة من ناحية، وبين القول بأن المهدى أول الآيات كما أثبت هذا البرزنجي والسفاريني من ناحية أخرى؟! أو القول بطلوع الشمس أولًا؟.

أما القول بالنار التي تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب فهي علامة أولى للساعة وليست آية، ومن ثم فهي من الأحداث التي تسبق وتسوق وتؤدى وتنذر بقرب الآية الأولى، ولا معنى لقوله o: [أول أشراط الساعة] في ظل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] إلا أن تكون النار أول الكبرى، ولكى نفهم هذه النصوص على وجهها الصحيح ويرتفع التعارض المتوهم، نقول: إن الآيات العشر تتضمن تقسيمًا في داخلها إلى ثلاث مجموعات، وكل مجموعة هي بضع آيات متعاصرة أو تكاد تكون متعاصرة، تقع في زمن متقارب، وتؤدى إحداها إلى الأخرى. ولها خصائص مشتركة وآثار تاريخية مشتركة.

المجموعة الأولى: الخسوف الثلاثة، إذ تقع تقريبًا في وقت واحد، أو في أيام متتالية وبحدث واحد يدل على هذا ورودها في الحديث: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب؛ لأن الواو لا تفيد الترتيب، وإنما هي أصلًا للجمع، ومن ثم فالأرجح أن تحدث هذه الخسوف في وقت واحد ويكون لها آثار تاريخية وسياسية وحياتية واحدة في الأرض.

المجموعة الثانية: وهي ما نزلت فيها آيات من الذكر الحكيم هي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158]، وقد ثبت لنا بالأحاديث الصحيحة الواردة أنها طلوع الشمس من مغربها، والدابة والدخان، وهذه الثلاث أثرها واحد هو غلق باب التوبة وزمنها واحد كذلك، فهي متعاصرة وتكون الدنيا بعدها غير ما كانت عليه إذ ستتوقف سنة الله تعالى في ابتلاء الخلق.

المجموعة الثالثة: هي الدجال ونزول عيسى ابن مريم A، وفتح يأجوج ومأجوج وهذه كلها أحداث متعاصرة.

ويعاصر الدجال أيضًا ويسبقه في الظهور المهدي الذى يفتح الله تعالى على يديه القسطنطينية مرة ثانية بنصره علي الروم في الملحمة الكبرى، ثم يفتح الله على يديه وفي نفس الملحمة رومية، روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله o: [عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال]، قال: ثم ضرب بيده على فخد الذي حدثه أو منكبه ثم قال: [إن هذا لحق مثل ما أنك ها هنا] أو [كما أنك قاعد]([1]).

وعن معاذ بن جبل أيضًا قال: قال رسول الله o: [الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر]([2]).

وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له عن عبد الله بن بسر أن النبي o قال: [بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة]([3]).

فالمهدى يعاصر الدجال بل ويزامنه ويكون الصراع والحرب بينهما، وكذلك المهدى يعاصر المسيح ابن مريم عليه السلام، وروى البيهقي بسنده في دلائل النبوة عن سعيد بن جبير قال سمعت عبد الله ابن عباس ونحن نقول: اثني عشر أميرًا ثم لا أمير، واثني عشر أميرًا ثم هي الساعة، فقال ابن عباس: ما أحمقكم؟! إن منا أهل البيت بعد ذلك المنصور والسفاح والمهدى يدفعها إلى عيسى ابن مريم)([4]).

وهذا المهدي الذي يدفعها إلى المسيح A هو الذي يصلي ابن مريم A خلفه صلاة الصبح ثم يدفعها إليه، ومن ثم يمكن القول: إن المجموعة الأولى هي الآيات الثلاث الأولى من الآيات العشر، وهي الخسوف الثلاثة، لكن المجموعة الثانية وهي: ظهور الدجال والمسيح ابن مريم A وفتح يأجوج ومأجوج أولها ظهورًا الدجال، فالحديث الذى ينص على أن الدجال هو أول الآيات صحيح بهذا المعنى، أي أنه الأول بين هذه المجموعة، وإن كان المهدي يسبقه كما تبين لنا، لكن المهدى ليس من الآيات بل هو من العلامات، ومن ثم ذكره العلماء في الترتيب قبل الدجال، وهذا أحق لكنه ليس آية من الآيات الكبرى للساعة بل هو من علاماتها الكبرى.

فالدجال إذن أول الآيات الأولى في المجموعة الثانية.

وطلوع الشمس أول الآيات في المجموعة الثالثة التي ستتغير بعدها الدنيا فلا تكون دارًا للابتلاء بعد ذلك بل تكون مرتعًا لشرار الناس الذين ستقوم عليهم الساعة.

ويكون الحديث الخاص بطلوع الشمس صحيحًا أيضًا، إذ ينص على أنها أول الآيات بالنسبة لبعض آيات ربك التي يغلق باب التوبة بظهورها بعضها أو كلها، وتبقى بعد ذلك الآيات الثلاث الأولى وهي الخسوف، إذ من الواضح أن هذه الخسوف تكون معاصرة للمهدى ومرتبطة بخروجه؛ لأنها تحدث قبل خروج الدجال وإعلانه عن نفسه مباشرة، وحيث من الثابت بالنصوص أن المهدى يحكم قبل خروج الدجال، فإن هذه الخسوف معاصرة له أي للمهدى، بل ولها علاقة بخروجه وإقامته للخلافة الراشدة، إذ هي التي يمهد بها الله تعالى له سلطانه في الأرض.

وثمة علامات أخرى تسبق المهدي وتسبق حدوث الآيات الثلاث الأولى وتنذر بها، أولها النار التي تخرج من المشرق، ومنها خروج السفياني، فهذه النار معاصرة إذن للسفياني وهما قل وحيث أن الخسوف الثلاثة ممهدة وموطئة للمهدي، وبها يتغير وجه الأرض تغيرًا يتيح له إقامة الخلافة الراشدة، فإن النار التي تخرج من المشرق وتحشر الناس إلى المغرب هي علامة على قرب حدوث الخسوف التي هي بمثابة نزول القدر الإلهي الذي سيغير الله تعالى به خريطة الأرض السياسية، ويعيد للأرض التوازن بين قوى الاستكبار الحاكمة لها الآن وبين قوى الخير فتقوم الخلافة الإسلامية الراشدة باعتبارها إحدى هذه القوى الرئيسية، رغمًا عن قوى الطغيان.

وبهذا يكون السفاريني قد أصاب عندما جعل المهدى قبل الدجال، ولكنه قد أخطأ إذ أغفل الخسوف الثلاثة كآيات كبرى هي التي تجعل قيام الخلافة الراشدة بعدها أمرًا موافقًا للسنن التاريخية، وممكنًا من الناحية التطبيقية بعد أن كان قبلها مستحيلًا بالقياس إلى سنن التاريخ البشري.

==============================

([1]) مسند احمد، ورواه أبو داود كتاب الملاحم – باب في إمارات الملاحم ١/٤٢٥.

([2]) رواه أبو داود كتاب الملاحم باب في تواتر الملاحم 2/٤٢٦.

([3]) رواه أبو داود كتاب الملاحم باب في تواتر الملاحم ٢/٤٢٦، ورواه ابن ماجة رقم ٤٠٩٣.

([4]) البيهقي – دلائل النبوة ج٦ ص٥١٦.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …