بيَّنَّا اللقاء الماضي أن الآيات الست العظام قد أنزل الله تعالى فيها قرآنًا، ومن ثم تبقى أربع آيات، منها آخرها وهي النار التي تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم، أما الآيات الثلاث التي هي الأولى والثانية والثالثة فهي الخسوف الثلاثة، فهي قبل ظهور الدجال ونزول المسيح وطلوع الشمس والدابة والدخان.. وفي هذا المقال نستكمل الحديث، فنقول:
أ.د. فاروق الدسوقي
بقية آيات الساعة العشر
آيات الساعة المذكورة في القرآن الكريم:
لا شك أن البرزنجي رحمه الله تعالى قد جانبه الصواب في تفسير الخسوفات الثلاثة على النحو الذي ذكرناه في المقال السابق للأسباب والأدلة التالية:
1- الخسوفات الثلاثة هي من الآيات المتتابعات المتواليات في الحدوث كتوالي حبات الخرز من العقد الذي انقطع سلكه، فإذا حدثت توالت بعدها في زمن قصير بقية الآيات العظمى، وحيث أن هذه الخسوفات التي ذكرها البرزنجى قد وقعت منذ صدر الإسلام في العهد الأموي والعباسي، فإنها تكون زلازل وخسوفات أخرى غير التي ورد ذكرها في الحديث باعتبار أنها الآيات الثلاث الأولى من الآيات العشر العظمي، أي أنها ليست بالقطع من آيات الساعة أو أشراطها التي تحدث تباعًا وسراعًا.
٢- ذكر البرزنجي رحمه الله تعالى زلازل كثيرة وخسوفات كثيرة حدثت في التاريخ، بينما هذه الآيات ثلاثة خسوفات في مواضع محددة من الأرض في المشرق والمغرب وفي وسط الأرض أي في جزيرة العرب تقع متوالية أو متعاصرة أو متآنية.
3- الخسوفات الثلاثة، باعتبار أنها آيات، يكون لها تأثير على سير أحداث التاريخ البشرى إذ بعدها تتغير موازين القوى فى الأرض رحمة بأمة المصطفى o من الأكلة الذين تكالبوا عليها. وهذا لم يكن من قبل، وهو كائن الآن كما سيتبين لنا ذلك من بعد بأدلته.
ومن ثم فإن هذه الخسوفات الثلاثة لها ذكر في القرآن الكريم، كما وجدنا لبقية الآيات العشر ذكر فيه، ما عدا الآية العاشرة؛ لأنها ستقع بعد رفع القرآن من المصاحف.
فالخسف في القرآن الكريم هو من عذاب الخزي الذي يصيب به الله تعالى من يشاء من الظالمين المستكبرين في الأرض.
قال تعالي عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81].
وقال تعالى أيضًا عن الأمم البائدة التي استأصلها الله تعالى من الأرض: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 38 – 40].
وحذر الله تعالى الناس من الخسف بسبب أعمالهم، ذلك الذي يمكن أن ينزل بهم بعد نزول القرآن الكريم، أي في المستقبل، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: 45].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 67، 68].
وقال تعالى أيضًا محذرًا البشر من الخسف وإصابتهم بالحصباء بعد نزول القرآن الكريم: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16، 17].
في هذه الآية الأخيرة وعيد بأن يخسف الله تعالى الأرض بمن يأمنوا عذابه في الدنيا والآخرة، ويتمادوا في كفرهم وفسقهم، وكذلك يرسل عليم حاصبًا أي ريحًا فيها حصباء تدمغهم وتخبطهم، إذا تجاوزوا الحد في الطغيان ففي قوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بصيغة المستقبل، إشارة إلى وقوع الخسف وإرسال الحصباء في مستقبل الأيام، بعد نزول القرآن الكريم على أقوام من المنافقين والكافرين والأشرار والجبابرة الذين سيصلون في الكفر والطغيان إلى حد بعيد يغضب الله U.
وحيث وصلت البشرية إلى أن تكون محكومة بهؤلاء الأشرار العتاة، فإنه قد صار لزامًا.
إن ذكر الآيات التسع في القرآن الكريم أمر له دلالاته الهامة، أهمها وأولها اختلافها عن الأشراط كما أن حدوث أولها دليل قاطع على أن الدنيا آذنت بانتهاء.
ننتهي مما سبق إلى أن أشراط الساعة تنقسم إلى علامات وآيات، وأن العلامات منها الصغرى ومنها الكبرى، وأن الصغرى بدأت ببعث النبي، وأطلقوا عليها صغرى لبعدها عن الساعة؛ ومن ثم تكون الكبرى هي القريبة منها.
والكبرى إذن تحدث متعاصرة مع الآيات ومتخللة لها، وبالتالي يكون أول أشراط الساعة في حديث البخاري هو العلامة الأولى الكبرى، أي القريبة من وقوع الساعة التي تنذر وتنبه إلى بدء عصر الآيات وقرب حدوث الآية الأولى أو المجموعة الأولى من مجموعات الآيات الثلاث وهي الخسوف الثلاثة.
وبناء على هذا كله يمكن إنشاء الجدول التالي الذي يتضمن تصنيفًا للأشراط بأنواعها:
أشراط الساعة
| العلامات | الآيات | |
| الصغرى | الكبرى | |
| 1- أحداث تاريخية تمت منذ بعث النبي الخاتم حتى هذا العصر.
2- أحوال بشرية: سياسية واجتماعية وخلقية تزداد يومًا بعد يوم على مستوى البشرية ومستوى الأمة تنتهي بحدوث ۷۲ خصلة وقد حدثت جميعًا. |
1- أولها نار تحشر من المشرق الى المغرب.
2- الظلمة. 3- الهدة. 4- خسف جيش السفياني. 5- بيعة المهدى ومجيء الرايات السود من خراسان. 6- الملحمة العظمى وفتح قسطنطينية ورومية. 7- ريح من اليمن يموت بها كل مؤمن. 8- هدم الكعبة. 9- رفع القرآن من المصاحف. |
1- خسف بالمشرق.
٢- خسف بالمغرب. 3- خسف بجزيرة العرب. 4- الدجال. 5- نزول المسيح A. 6- خروج يأجوج ومأجوج. 7- طلوع الشمس من مغربها. 8- الدابة. 9- الدخان. ۱۰ نار تخرج من قعر عدن. |
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية