أخبار عاجلة

آيات الساعة العشر في القرآن الكريم والسنة (13)

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن زلزلة الساعة لا تحدث لحظة قيام الساعة كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة نتيجة إضافة الزلزلة إلى الساعة – ولكنها زلزلة عظيمة لم يكن لها نظير من قبل تحدث بين يدي الساعة كعلامة من علامات الساعة، فهي تحدث في الدنيا، كما تحدث أشراط الساعة وآيات الساعة الأخرى.. وفي هذا المقال نستكمل الحديث، فنقول:

أ.د. فاروق الدسوقي

بقية: زلزلة الساعة العظمى في القرآن الكريم والسنة

بقية: الخسـوف الـثـلاثــة تـقــع بـزلـزلـة الساعة:

بالرغم من أن الصلة وثيقة بين الخسف والزلزلة، وهي من قبيل صلة المعلول بالعلة. وبالرغم من أن الحديث ذكر ثلاثة خسوفات هي آيات ثلاث تحدث، وتوصلنا إلى أنها الآيات العظمى من الأولى إلى الثالثة حسب ترتيب الحدوث.

ومع أننا نجد ذكر الزلزلة العظيمة في أول سورة الحج باعتبارها علامة أو شرطًا من أشراط الساعة العظمى، فإن أحدًا – فيما قرأت – من المفسرين لم يربط بين الزلزلة والخسوف. كما لم أجد لأحد من العلماء الذين تحدثوا عن الساعة وأشراطها ربطًا بينهما، وذلك بالرغم من أن المفسرين قد أوردوا من حديث رسول الله o من كلام السلف والتابعين ما يفيد أن هذه الزلزلة العظيمة إنما هي علامة من علامات الساعة، أورد السيوطي في الدر المنثور ما نصه:

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]، قال: الزلزلة قبل الساعة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي أنه قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ..﴾ إلى قوله: ﴿.. وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1 – 2] قال: هذا في الدنيا من آيات الساعة وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد ابن عمير في الآية. قال: هذه أشياء تكون في الدنيا قبل يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زلزلتها شرطها

وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ قال هذا بدء يوم القيامة([1])، وفى قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ﴾ [الحج: 2]، قال: تغفل.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال: ذهلت عن أولادها لغير فطام، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾، قال: ألقت الحوامل ما في بطونهن لغير تمام، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ قال: من الخوف، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: 2]ـ قال: من الشراب([2]).

وقد أثبت ابن كثير اختلاف العلماء في زلزلة الساعة.

فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة، عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]، قال: قبل الساعة.

وعن عامر الشعبي قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة وقد أورد الإمام ابن جرير في حديث الصور عن أبي هريرة قال: قال رسول الله o: [إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصُّور، فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر من يؤمر] قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: [قرن] قال: فكيف هو؟ قال: [قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين. يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (ص: 15) فتسير الجبال فتكون ترابًا، وترج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ (النازعات: 6 – 8)، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة على البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل كل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتى الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولى الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضًا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: 32 – 33)، فبينما هم على ذلك إذا انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم]، قال رسول الله: [والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك]، قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حيث يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: 87] قال: [أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذى يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 1 – 2)]([3])، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن أورد هذا الحديث الطويل: إنه دل على أن الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط الساعة ونحو ذلك والله أعلم)([4]).

وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث بعض الحديث الواحد منها يخص زلزلة الساعة مباشرة، وبعضه يخص أهوال القيامة. والتي سنبدأ بها مقالنا المقبل إن شاء الله تعالى.

([1]) وهو قول صحيح سيظهر لنا معناه من بعد حيث اليوم الآخر يبدأ فجره بالآية الأولى من آيات الساعة العظمى، فهذا اليوم ليس نهارًا وليلة وإنما هو عشرات السنين.

([2]) السيوطي الدر المنثور ج١٧٠، ص۷.

([3]) رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم.

([4]) مختصر تفسير ابن كثير للصابوني ح٢، ص٥٨.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …