بيَّنَّا اللقاء الماضي أن وقع الساعة على النفوس أمر عظيم وخطب جليل إذ يزلزلها، وإذ يحصل من أمر الساعة في نفوس الناس من الروع والفزع القدر الهائل الشديد؛ كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.. وفي هذا المقال نستكمل الحديث، فنقول:
أ.د. فاروق الدسوقي
بقية: زلزلة الساعة العظمى في القرآن الكريم والسنة
الخلاف بين العلماء حول زمن وقوع زلزلة الساعة والقول الراجح:
تبين لنا مما سبق أن فريقًا من العلماء والمفسرين قرروا أن زلزلة الساعة تحدث في الدنيا قبل قيام الساعة وأنها إحدى الآيات العظمى أو العلامات الكبرى، وأما الفريق الآخر فقد رجحوا أنها تقع لحظة قيام الساعة، أو أنها تحدث بعد قيام الناس لرب العالمين في عرصات القيامة، وهؤلاء أولوا الزلزلة بالهول والشدة.
وقد عرضنا من قبل أقوال الفريق الأول، كما عرضنا بعد ذلك الأحاديث التي استند إليها الفريق الثاني.
وبالرغم من أن ابن جرير الطبري 6 تعالى لم يرجح القول الأول وانحاز إلى القول الثاني، فإن ابن جرير لم يحرر ترجيحه بصراحة وبوضوح وإنما بالإشارة؛ إذ أورد حديث نفخة الفزع وذكر أن في إسناده نظر([1]) وعلَّل المحقق الأستاذ أحمد شاكر 6 هذا النظر في الإسناد بوجود رجلين مجهولين من الأنصار في هذا السند، ثم ذكر ابن جریر 6 تعالى أقوال العلماء من السلف الذين قالوا بأنها زلزلة تقع في الدنيا منهم علقمة والشعبي وغيرهما معقبًا على هذا القول بقوله: “إن هذا قول لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله الله o بخلافه”. ثم سرد بعد هذا حديث بعث النار وبعض الأحاديث السابقة ذكرها عن أحداث وأحوال القيامة. ومن ثم يفهم من هذا كله أنه يرى أن زلزلة الساعة بقيام الساعة أو يوم القيامة وليست علامة كبرى من علاماتها تقع في الدنيا.
فإذا حاولنا أن نتلمس السبب الذي أدى إلى اختلاف المفسرين والعلماء حول زلزلة الساعة هل هي في الدنيا قبل قيام الساعة أو هي في لحظة قيام الساعة وفى يوم الدين بعد قيامة الناس لرب العالمين؟ فإننا ندرك هذا السبب في المفاهيم والحقائق التالية:
1- أقصى ابن جرير حديث نفخة الفزع وقدم عليه الأحاديث الصحاح الأخرى كحديث بعث النار وأحاديث حشر الناس عراة حفاة غرلًا، وغيرها مما تتحدث عن أحوال وأهوال يوم القيامة ومن ثم جعل أصحاب هذا الرأي زلزلة الساعة أمرًا معنويًّا والأحداث والصور الواردة في الآية المعبرة عن شدة فزع الناس (ذهول المرضعات وإجهاض الحوامل، وميل الناس يمنة ويسرى كالسكارى) أمورًا معنوية.
2- وردت في بعض الأحاديث الخاصة بعرصات القيامة والحساب آية الزلزلة، كما نص حديث بعث النار على أن الزلزلة تقع في اليوم الذي ينادى آدم أن أخرج بعث النار، وهو اليوم الذى يحاسب فيه الناس بعد القيامة.
أما أهم حجج الفريق الذي رجح أنها قبل قيام الساعة فهي كما يلي:
1- آية الزلزلة تنص على أن من تقع الزلزلة عليهم فيهم النساء الحوامل والمرضعات وليس هذا كله من أحوال النساء يوم القيامة، أو لحظة قيام الساعة التي يموت الناس لحظتها بنفخة الصعق.
٢- الترنح الذي يصيب الناس فيصيرون كالسكارى، ويترنحون في سيرهم يمينًا وشمالًا بدون خمر، ولكن من شدة الهلع والعذاب، أمر لم يوصف به الناس لا لحظة قيام الساعة ولا يوم القيامة في أي نص من النصوص بل تدل النصوص على أحوال مخالفة تمامًا.
3- الفزع الذي يصيب الناس بسبب الزلزلة عام ليس فيه استثناء، إلا الشهداء، أما بالنسبة لسائر أحياء الأرض، سواء منهم المؤمنون أو الكافرون فلا ينجو أحد منهم من الفزع، وهذا واضح من صيغ العموم في الآية: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ وأيضًا: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ﴾ هذا العموم دليل واضح قوى على أن الزلزلة قبل القيامة والساعة؛ لأن الفزع الأكبر الذي سيأتي الحديث عنه قاصر على الكافرين، قال تعالى عن المؤمنين: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103]، أي أنه لا يحزن المؤمنين، بخلاف فزع زلزلة الساعة فهو يعم.
4- ورد في القرآن الكريم آيات محكمات تحدثنا عن ثلاث نفخات في الصور، نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين، بعثًا من القبور، ففي الأولى قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: 87].
وفي الثانية قال U: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ …﴾ [الزمر: 68].
وفي الثالثة قال تعالى: ﴿… ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68].
هذه النفخات الثلاث في الصور مختلفة من حيث الأثر بمقتضى هذه الآيات الكريمة، إذ الصعق يفاجئ الناس بغتة فيقتلهم … ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]، فلا يكون لديهم وقت للفزع أو للسلوك الذي يلزم من الفزع عند الإنسان.
ومن ثم تكون الزلزلة، التي يتم بها الفزع والتي تحدث بنفخة الفزع، قبل قيام الساعة ويوم القيامة أي في الدنيا.
===========================
([1]) أبي جعفر محمد بن جرير الطبري: “جامع البيان عن تأويل آي القرآن”، جـ١٣، صـ١١٠، طبعة دار الفكر.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية