ويرى (الإمام أبو العزائم) – وهو مالكي المذهب – أنّ التربية تقوم على أصلين: الأول: صفاء النفس.. والثاني: استقامة الطريق. فصفاء النفس يقصد به التزكية والمجاهدة.. أما الاستقامة أو الطريق المستقيم فقد جمعها في خصال تشتمل على اثنتي عشرة خصلة، وهي جامعة لأوصاف الإيمان.…
أ.د محمود إسماعيل محمد مشعل
بقية: المبحث الأول
مذهبية الدرس الفقهي في المقررات الجامعية وآثاره التربوية
بقية: المطلب الثالث: مفهوم التربية ومضامينها في التراث الفقهي المذهبي.
الفرع الثاني: نماذج من الكتب الفقهية في المزج بين الفقه والأخلاق
من نماذج كتب الفقهاء التي جمعت بين العقائد والفروع والأخلاق متن (الرسالة) التي دوّنها الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، المتوفى (386هـ)، علّق عليها أئمة مذهب مالك 7 عدة شروحٍ وحواشٍ وكلها أقوال رجال مرجعها الكتاب والسنة. على أنّ هذه الرسالة دُوّنت في أصول الدين وفروعه وأخلاقه وقد مضى عليها ألف سنة، وأتباع مالك 7 في مشارق الأرض ومغاربها قد عُنوا بتعليمها للولدان في الكتاتيب ودراستها لمن في حكمهم من العامة في المدارس والمساجد منذ قرون عدة([1]).
جاء في خطبة الكتاب، أما بعد: (أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه: فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب)([2]).
قال النفراوي تعليقًا على قوله: (وشيء من الآداب) جمع أدب، واختلف في المراد به، فقيل: ما يذكره في آخر الكتاب من آداب الأكل والشرب، ويحتمل أن المراد به ما تحسن به حالة الإنسان فيما بينه وبين الله وملائكته وكتبه ورسله وسائر الناس، فإنه تعرّض للجميع في آخر هذا الكتاب. فالذي تحسن حالته فيما بينه وبين ربه تجنبه عن كل ما يؤثم وهو التقوى، والذي تحسن به حالته فيما بينه وبين كتب الله احترامها وتعظيمها بحيث لا يمسها إلا على طهارة، ولا يقرؤها في مواضع الأقذار، ومع الرسل والناس التأدب مع الجميع على الوجه المطلوب شرعًا.
وما أحسن قول بعضهم: الأدب أن يؤدب ظاهره باتباع السنة قولًا وفعلًا، وباطنه بالحقيقة؛ بأن يرضى بما يرد عليه من الله ويتلقاه بالقبول ويعده نعمة إما عاجلة وإما آجلة، فالعاجلة: بلوغ النفس في الحال محبوبها وما تحتاج إليه، والآجلة: كأنواع المضار فإنه يثاب عليها آجلًا أو يحط عنها بها خطيئة؛ فهي نعمة بهذا الاعتبار»([3]).
جاء في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: «قد كثر اشتغال الناس برسالة الإمام أبي محمد الملقّبة بباكورة السعد وبزبدة المذهب، لما ظهر في الخافقين من أثرها وبركتها، لأنها أول مختصر ظهر في المذهب بعد تفريع ابن الجلاب وكثرت الشروح عليها، ولم يكن يستغنى بواحد منها عن غيره”([4]). وجاء فيه أيضًا قوله 6 تعالى: “(تتمة) الأدب على أربعة أقسام:
طبيعي: وذلك كالكرم والشجاعة وتعظيم من يطلب تعظيمه ونحو ذلك من صفات الإنسان الجبلية الحسية.
وكسبي: وهو معرفة النحو واللغة والشعر وغير ذلك من العلوم العقلية ومن ذلك معرفة الكتاب والسنة.
وصوفي: وهو ضبط الحواس ومراعاة الأنفاس والاشتغال بالتفكر في مصنوعات الله.
وشرعي: وهو ما يذكره المصنف في آخر الكتاب مما يجب على المكلف فعله أو تركه مما يتعلق بالخالق والمخلوق”([5]).
أمّا أبو البركات الدردير: فقد ختَم كتابه الشرح الصغير على أقرب المسالك بقوله: (بابٌ في جُمل من مسائل شتى، وخاتمة حسنة). (شُكر الله تعالى واجبٌ شرعًا)، (وهو): أي الشكر في عُرف الصوفية، وقيل عرف أهل الشرع، ولا شك أنه بالمعنى الذي ذكره واجبٌ شرعًا فيشهد إلى أن المراد عرف الشرع: (صرف المكلف كل نعمة لما خلقت له) اللام في ” له ” للثمرة غير الباعثة”([6]). فقال الشيخ أحمد الصاوي تعليقًا على كلامه: ” قوله: [وقيل عرف أهل الشرع]: إن قلت الصوفية أهل شرع وزيادة، فما معنى المقابلة؟
فالجواب: أن الصوفية بحثهم على العمل الباطن وحسن السريرة وخلاص النية من رؤية الغير، فمن لم يكن كذلك فأعماله عندهم كالهباء لا يثبتونها، وأهل الشرع يعولون على ما ظهر من الأعمال الموافقة للشرع فما أنكره الشرع ظاهرًا أنكروه، وما مدحه مدحوه، ويكِلون السرائر لله تعالى.
قوله: [للثمرة غير الباعثة]: أي للعلة الغائية غير الحاملة الفاعل على فعله؛ كانتفاع الناس بظل الأشجار بعد تمامه حيث لم يكن الحامل للغارس إلا الثمر، وفي الحقيقة المستحيل على الله الغرض الباعث الذي يتكمل به وإلا فأفعاله سبحانه وتعالى لا بد لها من حكمة ومصلحة سبق علمه بها أزلًا لكن تلك المصالح([7]).
ثم أنقل هنا حقيقة التربية عند السيد محمد ماضي أبي العزائم إذْ يقول: “عمارة كل وقتٍ من أوقات السالك فيما اقتضاه الوقت من اللازم الشرعي من عملٍ قلبي فقط، أو عمل بدني فقط، أو عمل مزدوج بينهما، وبذلك ينتقل على معارج القرب كل لمحة، ونفس؛ لأنّ الزمن هو المراحل التي ينتقل منها إلى حضرة الرب سبحانه وتعالى، وإنما العمر هو المسافة بين العبد وربه. ولا بد من وضع إطار عام لهذا العمل الذي يقوم به الطالب، سواء كان من أعمال القلب أو البدن أو هما معًا، فإنّ هذا الإطار هو الذي يحفظ على الطالب وقته، ويختصر عليه الطريق.
ويرى (الإمام أبو العزائم) – وهو مالكي المذهب – أنّ التربية تقوم على أصلين: الأول: صفاء النفس.. والثاني: استقامة الطريق. فصفاء النفس يقصد به التزكية والمجاهدة.. أما الاستقامة أو الطريق المستقيم فقد جمعها في خصال تشتمل على اثنتي عشرة خصلة، وهي جامعة لأوصاف الإيمان.
أوّلُ ذلك الشهادتان وهي الفطرة، والصلوات الخمس وهي الملة، والزكاة وهي الطهرة، والصيام وهو الجُنّة، والحج وهو الكمال، والجهاد وهو النصر، والأمر بالمعروف وهو الحجة، والنهي عن المنكر وهو الوقاية، والجماعة وهي الألفة، والاستقامة وهي العصمة، وأكل الحلال وهو الورع، والحب والبغض في الله وهو الوثيقة.
وكل ذلك لا يتحصّل عليه المريد إلا إذا ابتدأ بالبحث عن عالم عارف متمكن منحه الله الفقه في قلبه، وجمّل ظاهره بجمال حلل السنة، حتى إذا وجده سعى إليه حيث كان وصحبه، مسلِّمًا له نفسه، ملاحظًا لأعماله وأقواله وأصوله، حتى يتلقى عنه السنّة المحمدية عملًا وحالًا وتعليمًا. وإن لم يظفر بالرجل فعليه أن يبحث عن الآثار وأعمال السلف، وهديهم من العلماء وفي الكتب، ويعمل بها ويترك أعمال علماء الدنيا([8]).
ولقد أثبتت التجارب أنه مهما استُحدث في التعليم من طرق ووسائل، لا يمكن أن تحقق المواقف الموضوعية، والعلاقات التربوية، والخصائص السلوكية إلا عن طريق المعلِّم([9]). ومهما يكن من شيء؛ “فإنّ ترسيم تصوّر متكامل يؤطّر مسالك التعليم الشرعي مدخلٌ لتجديد منهج التحصيل، وذلك بضبط فعل التعلُّم وتقنين مدخلاته ومخرجاته، مع مراعاة خصوصية التعليم الجامعي، وما يتصف به من حرية أكاديمية تفرض لزامًا تحرير المبادرات العلمية والتربوية التي تتغيا الرفع من جودة التحصيل والبحث العلمي([10]).
على أنّ وجه القصور في مناهج التدريس الشرعي عن تخريج الكفاءات العلمية الحاملة لواء العلم والمعرفة، يظهر جليًا إذا ما قارنا بين مدخلاتها ومخرجاتها، ممن أُتيح لهم إتمام دراساتهم العليا، أو الذين لهم أثر في دنيا العلم والمعرفة، أو من وُفقوا في تحمُّل الوظائف الشرعية والتربوية والاجتماعية (التعليم، والتوثيق، والوعظ، والخطابة،….) بعد النجاح في مباريات مهنية؛ فإنه لا مندوحة عن تقويم الدرس الشرعي الجامعي من التوسّل بمناهج البحث التربوي وأدواته وتقنيناته؛ فمن شأن ذلك أن يُقدِّم صورة كليةً تُحدّد بجلاء قيمة المنهج، وتزن فاعليته وجدواه. والناظر في مجالات البحث في العلوم الإسلامية يلحظ ضعفًا بيِّنًا في الدراسات والأبحاث التربوية مقارنةً بما راكمه البحث العلمي في مختلف التحيُّزات العلمية”([11]).
======================================
([1]) بلوغ السول في مدخل علم الأصول: للشيخ محمد حسنين مخلوف، (ص134).
([2]) الفواكه الدواني: للنفراوي، أحمد بن غنيم، (1/18 و20).
([6]) حاشية الصاوي على الشرح الصغير، (4/729).
([7]) حاشية الصاوي على الشرح الصغير، (4/729).
([8]) الإمام أبو العزائم وأثره في التربية الفكرية: أ.د/ بكر إسماعيل الكوسوفي، (ص17-18)، مؤسسة آلبا برس، القاهرة، (2004م).
([9]) يراجع: الفكر التربوي عند ابن جماعة: حسن إبراهيم عبد العال (ص281)، مكتب التربية العربي لدول الخليج، (1409هـ)، ومنهج الإمام مالك في التعليم والتربية: د. حذيفة السامرائي، (ص723)، مجلة الجامعة الأسمرية الإسلامية، (مجلد 27-ع1-2016م)، (2013م).
([10]) المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة، مرجعية التقويم ومداخل التجديد: د. يونس محسين، (ص 54)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب الأردن، عمان، (2024م).
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية