بيَّنَّا اللقاء الماضي خمس آيات من الذكر الحكيم تتحدث عن حدوث الساعة بغتة، في كل آية منها تأتي الساعة بغتة ويكون حال الناس أنهم لا يشعرون، وأنهم لا يستطيعون ردها، وأنها تبهتهم من سرعة المفاجأة والمباغتة، فلا إنذار أو نذير أو دلالة قريبة تنذر بوقوعها.. وفي هذا المقال نستكمل الحديث، فنقول:
أ.د. فاروق الدسوقي
بقية: زلزلة الساعة العظمى في القرآن الكريم والسنة
المفهوم الدقيق لليوم الآخر في القرآن والسنة:
من كل ما سبق يتبين لنا أن جوهر الخلاف بين العلماء حول تحديد موعد الزلزلة يكمن في اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ فتحديد لفظ “اليوم” ومعرفته، وكذا مفهوم لفظ “الآخر”، كل هذا يكمن فيه جوهر الخلاف بينهم.
والذي أرجحه – والله تعالى أعلم – أن اليوم الآخر الذي يعتبر التصديق به الركن الخامس من أركان الإيمان، هو آخر أيام الحياة الدنيا، وهو ليس من الوجود الأخروي، إذ الحياة الدنيا مرتبطة بهذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان، ويوم القيامة وفي آخر مراحله يبدل الله تعالى الأرض غير الأرض والسماوات، وحيث أن الله تعالى الغنى الكريم الوهاب قد أعطى الإنسان الأرض وخلقها له ليبتليه عليها وفيها طيلة أجله، وحيث أن قيام الساعة هي لحظة انتهاء أجل حياة البشرية، وحيث أن هذه الأرض التي خلقها الله لعبيده ينتهى دورها ووظيفتها بانتهاء الدنيا التي هي دار الابتلاء، وحيث أن الله تعالى الكريم الغنى لا يأخذ شيئًا من عبيده قد أعطاه لهم ووهبهم إياه، فإن الأرض، هذا الكوكب الذى يعيش عليه الإنسان سيجعله الله تعالى لأهل الجنة خبزة تقدم نزلًا لهم أول دخولهم فيها مع ما يقدم لهم من زيادة كبد الحوت الذي هو أول طعامهم وما يقدم لهم من لحم الثور العظيم الذى يأكل الآن من أطراف الجنة ينميه الله تعالى نزلًا لهم مع الأرض التي يحولها الله تعالى خبزة يأكلها المؤمنون.
في الحديث المتفق عليه: عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله o: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر لأهل الجنة). فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: (بلی)، قال: تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال النبي o فينظر النبي o إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال([1]): ألا أخبرك بإدامهم؟ بالام([2]) والنون. قالوا: وما هذا؟ قال : ثور ونون([3]) يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا)([4]) واللفظ للبخاري.
فهل اليوم الآخر يبدأ بقيام الساعة والبعث؟!
إذا كانت الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب، فإنه يكون هو يوم الدين ويوم الحساب الذي يبدأ بالبعث، وهذا اليوم ليس يومًا من أيام الدنيا، كما أنه ليس يومًا من أيام الآخرة، التي تبدأ مرحلتها بدخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، والعياذ بالله تعالى منها.
فإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال بالنفي بسبب الاعتراض الذي ذكرناه أنها في حالة الإجابة بالإيجاب، فما هو مفهوم اليوم الآخر؟ ومتى يبدأ هذا اليوم؟!.
إن اليوم الآخر هو اليوم الأخير من عمر الحياة الدنيا، أو هو المرحلة الأخيرة من عمر البشرية، تلك المرحلة التي تبدأ بأحداث مغايرة تمامًا لما قبلها من حيث طبيعة الأحداث والزمان والسنن الطبيعية والبشرية والفلكية والتاريخية التي تحكم أحداث هذه المرحلة.
إن كلمة اليوم في اللغة العربية لا تعنى الوحدة الزمنية التي تبدأ من غروب الشمس حتى غروب شمس النهار التالي فقط، بل اليوم هو الوحدة الزمنية التي تتميز من حيث الأحداث والطبيعة والسنن عما قبلها وعما يلى بعدها. من ذلك يوم البسوس ويوم داعس والغبراء عند العرب، وهي تعد عندهم بالسنين إذ استمرت حرب داعس والغبراء أربعين عامًا ومع ذلك دونت في أشعار العرب باعتبارها يومًا، فقالوا: يوم داعس والغبراء، ويوم البسوس، ويوم القادسية، وهذه الأخيرة حرب استغرق الإعداد لها مقدماتها شهورًا، واستغرقت ما يقرب من أسبوع من الزمان، ولكن هذه الفترة الزمنية تعتبر يومًا واحدًا، إذ تميزت عن الأيام التي قبلها وعن الأيام التي بعدها بطابعها الخاص وخصائصها الذاتية، فكانت يومًا واحدًا حسب أحد معانى اليوم في العربية واستخداماته.
واليوم الآخر هو مرحلة أخيرة من مراحل الدنيا، وهو ليس مرحلة أولى من مراحل الحياة الآخرة، وإلا لكان اسمه اليوم الأول، ومن ثم فلا بد أن يكون اليوم الآخر في الدنيا، أو على الأقل يقع جزء مهم منه في الحياة الدنيا؛ وذلك لأن الساعة التي هي لحظة انتهاء أجل البشرية في الدنيا لا تعنى نهاية الأرض التي ترتبط وجودها بالحياة الدنيا ارتباطًا وثيقًا؛ لأن الناس يموتون بقيام الساعة، ويكون في باطن الأرض أجساد الناس جميعًا أو ما بقى من أجسادهم، ثم منها تنبت أجسادهم ثم يبعثون منها، فتنشق الأرض عن جماجمهم وأجسادهم ثم يساقون فوقها للحشر.
إذن للأرض دور منتظر بعد البعث وهو أن يحشر الناس عليها ويحاسبوا عليها، وسيغيرها الله تعالى لكى تكون صالحة للحشر قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: 47).
فما دامت الأرض باقية، فإن هذه المدة التي تبقى فيها هي جزء أو مرحلة من مراحل اليوم الآخر.
فإذا فرغ الناس من الحساب وتوجهوا كل إلى مصيره وعبروا الجسر أي الصراط، فإن الله تعالى يبدلها ويجعلها خبزة طعامًا ونزلًا لأهل الجنة، ومن ثم وفي لحظة التبديل ينتهي اليوم الآخر في آخر مرحلة من مراحله.
أما الجنة أو النار – والعياذ بالله تعالى منها – فهي الدار الآخرة أو الحياة الآخرة وهي غير اليوم الآخر، وإن كانت مترتبة عليه وتالية له، فثمة اختلاف بين اليوم الآخر والحياة الآخرة إذ تبدأ الحياة الآخرة بانتهاء اليوم الآخر.
فإذا كانت هذه نهاية اليوم الآخر فما هي بدايته؟!.
================
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية