إن حياة الإمام الحسين هى مدرسة الأجيال الكبرى التى تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعًا متفقين ومختلفين، فهى تغذيهم بالوفاء والصبر، وتدفعهم إلى الإيمان بالله، وتعمل على توجيههم الوجهة الصالحة المتسمة بالكرامة وحسن السلوك، كما تعمل على تهذيب الضمائر وتكوين العواطف وتنمية الوعى.. فهى أجدر بالبقاء من كل كائن حى؛ بل أحق بالخلود من هذا الكوكب الذى يعيش فيه الإنسان؛ لأنها إطار لأسمى معانى الكرامة الإنسانية…
الدكتور عبدالحليم العزمي
الأمين العام للاتحاد العالمي للطرق الصوفية
الإعلام: بين سيدنا الحسين.. وسيدهم يزيد!!
إن الإمام الحسين u من أبرز من خلَّدتهم الإنسانية فى جميع مراحل التاريخ.. ومن أروع من ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين ساهموا فى بناء الفكر الإنسانى، وتكوين الحضارة الاجتماعية، وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الأرض..
إن الإمام أبا الأحرار من ألمع القادة المصلحين الذين حققوا المعجز على مسرح الحياة، وقادوا المسيرة الإنسانية نحو أهدافها وآمالها، ودفعوا به إلى إيجاد مجتمع متوازن تتحقق فيه الفرص المتكافئة التى ينعم فيها الناس على اختلاف قومياتهم وعقائدهم.. ولقد كان الإمام الحسين u من أكثر المصلحين جهادًا وبذلًا وتضحية..
إن أغلب حياة المصلحين الذين وهبوا حياتهم لأممهم وشعوبهم تبقى مشعة تعطى ثمارها ونتائجها للناس؛ ولكن فى فترة خاصة، ومحدودة من الزمن؛ لم تلبث أن تتلاشى كما يتلاشى الضوء فى الفضاء..
أما حياة الإمام الحسين u فقد شقَّت أجواء التاريخ وهى تحمل النور والهدى لجميع الناس؛ فلقد تفاعلت حياة الإمام الحسين u مع أرواح الناس، وامتزجت بعواطفهم ومشاعرهم.. وهى ندية عاطرة تتدفق بالعزة والكرامة، وتدفع المجتمع إلى ساحات النضال لتحقيق أهدافه، وتقرير مصيره..
إن حياة الإمام الحسين u هى مدرسة الأجيال الكبرى التى تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعًا متفقين ومختلفين، فهى تغذيهم بالوفاء والصبر، وتدفعهم إلى الإيمان بالله، وتعمل على توجيههم الوجهة الصالحة المتسمة بالكرامة وحسن السلوك، كما تعمل على تهذيب الضمائر وتكوين العواطف وتنمية الوعى.. فهى أجدر بالبقاء من كل كائن حى؛ بل أحق بالخلود من هذا الكوكب الذى يعيش فيه الإنسان؛ لأنها إطار لأسمى معانى الكرامة الإنسانية..
إن الإمام الحسين u لم ينشد فى حياته الخالدة أى مطمع سياسى أو نفع مادى؛ وإنما استهدف المصلحة الاجتماعية، وعنى بأمر الناس جميعًا.. كى يعودوا لدين جده J، وسخر الإعلام لنشر المبادئ الحقة، والدعوات الصادقة، وإزالة الكثير من الشبهات العالقة فى عقول الناس، وبالمقابل استغلت قوى الشر الإعلام من أجل نشر مبادئها الهدامة وتحقيق مآربها الشريرة، فأقامت سياجًا هائلًا من التعتيم على مبادئ الحق والعدل، وشنَّت الحملات التشهيرية على رموزه ووضعتهم- زورًا وبهتانًا- فى قفص الاتهام من أجل أن ينفضَّ الناس من حولهم.
مع ذلك سرعان ما ارتدت سهام اليزيديين إلى نحورهم، وانكشف- للقاصى والدانى- كذب إعلامهم، فسخط الرأى العام الإسلامى عليهم بعد استشهاد الإمام الحسين u، ولم يستمر يزيد بعد ذلك إلا ثلاث سنوات، بفعل الانتفاضات والثورات التى عصفت بحكم بنى أمية فقوَّضت كيانهم، وأصبحوا أثرًا بعد عين.
والأسئلة التى نطرحها هنا: ما هى الأساليب الإعلامية التى اتبعها الإمام الحسين u من أجل إعلان دعوته، وتبيان أحقية موقفه ومواجهة إعلام أعدائه؟ وبالمقابل ما هى الأساليب الإعلامية اليزيدية التى طوقت بستار من التضليل عقول عدد غير قليل من الناس ودفعتهم إلى محاربة الإمام الحسين u والفتك به بتلك القسوة والوحشية المنقطعة النظير؟!.
الإعلام الحسينى فى مقابل الإعلام اليزيدى
يقول الأستاذ عباس الذهبى: لقد أمعنا النظر فى عدة مصادر، واستقرأنا الأساليب الإعلامية التى اتبعها الإمام الحسين u، فوجدنا أنها تتمثل بصورة أساسية بالأساليب التالية:
أ – الاتصال الشخصى والجمعى:
يقول علماء الإعلام بأنهما من أقوى الوسائل الإعلامية قديمًا وحديثًا، فمن خلالهما تتم مناظرة أو محادثة شخص أو مجموعة أشخاص عن طريق الاتصال المباشر، فيحصل تماس بين الملقى والمتلقى منه فيكون التأثير فعالًا، وسوف أورد شواهد على نوعى الاتصال بعد تبيان الفارق بينهما:
1- الاتصال الشخصى:
يتم عن طريق اتصال الإمام الحسين u بنفسه أو أحد من أهل بيته أو أصحابه بشخص آخر، فيشرح له دواعى نهضته وبطلان ادعاءات أعدائه.
ومن أمثلة ذلك: اتصال الإمام الحسين u بزهير بن القين، الذى كان يتحاشى- كما تذكر المصادر- اللقاء به، فكان يساير الإمام الحسين u لما أقبل من مكة، ولكن إذا أراد الإمام الحسين u النزول فى مكان اعتزله ناحية، فلما كان فى بعض الأيام نزل الإمام u فى مكان لم يجد زهير بُدًّا من أن ينزله. فبينما كان زهير يتغذى مع جماعة من بنى فزارة وبجيلة، إذا أقبل رسول الحسين u حتى سلم ثم قال: يا زهير بن القين، إن الحسين u بعثنى إليك لتأتيه، فتردد زهير، فقالت له زوجته: سبحان الله! أيبعث إليك ابن رسول الله
J ثم لا تأتيه، فلو أتيته فسمعت من كلامه، فمضى إليه زهير بن القين، فحدثه الإمام الحسين u وقال له فى ختام حديثه: (تلك هى القضية، فلم إبطاؤك عن الجنة؟)، فما لبث أن جاء مستبشرًا قد أشرق وجهه!.. فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فحول إلى الإمام الحسين u وغدا من خُلَّص أصحابه، وفوق ذلك تحول إلى وسيلة إعلامية ناطقة.
2- الاتصال الجمعى:
وذلك من خلال مخاطبة الإمام الحسين u أو أحد أصحابه للجيش اليزيدى فى عدة مواقف، الأمر الذى دفع بقيادة هذا الجيش أن يصدروا أوامر من أجل إحداث الضجيج والصياح والجلبة والحركة ليحجبوا كلامه من أسماع المحاربين، وهذا أسلوب يشبه نوعًا ما التشويش الإذاعى الذى تتبعه بعض الحكومات فى أوقات الحروب والأزمات فى وقتنا الحاضر، وكانت السلطات اليزيدية تظهر توجسًا واضحًا من النداءات والخطب والاتصالات التى يلقيها أو يقوم بها الإمام الحسين u وأصحابه، والتى أحدثت تأثيرًا واضحًا على عقول ومواقف بعض أفراد الجيش اليزيدى، فالتحقوا بجبهة الإمام الحسين u، ومنهم كبار الضباط أمثال: الحُرِّ بن يزيد الرياحى. وكشاهد على ذلك النوع من الاتصال ما ورى أنه (لما ضيقوا على الحسين u حتى نال منه العطش ومن أصحابه، قام u واتكأ على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته، فقال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدى رسول الله J؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن أبى علىّ بن أبى طالب؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن أمى فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى J؟ قالوا: اللهم نعم.. إلى أن قال: فبم تستحلون دمى وأبى صلوات الله عليه الذائد عن الحوض يذود عنه راجلًا كما يُذاد البعير الصادر عن الماء..؟ قالوا: قد علمنا ذلك كله! ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشًا!!).
فصاح الإمام الحسين بأعلى صوته:
– هل من ذاب عن حرم رسول الله؟
– هل من موحد يخاف الله فينا؟
– هل من مغيث يرجو الله فى إغاثتنا؟
ثم قال:
إذا استنصر المرء امرءًا لائذًا به
فناصـره والخاذلـون سـواء
أنا ابن الذى قد تعلمـون مكانه
وليس على الحق المبيـن جفاء
أليس رسول الله جـدى ووالدى
أنا البدر إن غطى النجوم خفاء
ألم ينـزل القـرآن حـول بيوتنا
صباحًا ومـن بعد الصباح مساء
وهكذا أوقف الإمام الحسين الأمة على عتبه تاريخ جديد من حياتها وأصبحت أمام خيارين: إما تبنى سياسة الرفض القاطع للأمر الذى فرض عليها مهما كان الثمن.. أو القبول بسياسة الأمر الواقع!!.
ب – الرسل والمراسلات:
وهما وسيلتان إعلاميتان تمكن الإمام الحسين u من خلالهما من إيصال صوته وتبيان موقفه إلى عدد من زعماء الأقاليم ووجوه القوم، فقد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتابًا مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين، يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته منهم: يزيد بن مسعود النهشلى، والمنذر ابن الجارود العبدى، جاء فى بعض فقراته: (أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه J، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولى وتطيعوا أمرى أهدكم سبيل الرشاد) [الطبرى 6/186 حوادث سنة 60هـ].
وأرسل الإمام الحسين u مسلم بن عقيل u ابن عمه وثقته من أهل بيته، وسلَّمه رسالة موجهة إلى أهل الكوفة، يعدهم فيها بالقبول، فسار مسلم بن عقيل بكتاب الحسين u حتى وصل الكوفة، فلما وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بقدومه، ثم أنزلوه فى دار المختار الثقفى، وصارت الناس تختلف إليه، فقرأ على جمع كبير منهم كتاب الإمام الحسين u، وهم يبكون حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفًا. ولكن ابن زياد أخذ يزحزحهم عن مواقفهم بالتهديد والإغراء، أو ما يطلق عليه حاليًا سياسة العصا والجزرة، فنقضوا البيعة وتفرقوا عن ابن عقيل الذى اعتقل وقتل بعد ذلك بصورة مروعة!.
جـ – استثمار موسم الحج:
بما أن موسم الحج يشكل ملتقًى إسلاميًّا كبيرًا على مر العصور، يجتمع فيه المسلمون الوافدون من كل فج عميق، فقد استفاد منه دعاة الإصلاح والتغيير فى بث الأفكار وكسب وتعبئة الأنصار، ويستفيد منه اليوم اليزيديون فى تكفير وتبديع وتفسيق وتفريق الأمة الإسلامية تحت زعم حماية التوحيد ونصرة السنة المظلومة.
والإمام الحسين u بدوره قد أدرك ما لهذا المكان المقدس من أهمية استثنائية بوجود بيت الله الذى يشكل أمانًا للخائفين، ويمنح حرية التحرك والتبليغ، وخاصة أثناء موسم الحج الذى هو بمثابة مؤتمر إسلامى جماهيرى سنوى، يؤدى فيه المسلمون فريضة الحج، ويتداولون فيه شؤون وشجون العالم الإسلامى.
من هذا المنطلق، توجه الإمام الحسين u إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين للهجرة، فأقام بها باقى شعبان وشهر رمضان وشوال وذى القعدة. وأخذ خلال هذه المدة يبث فيها دواعى نهضته ويبين حقانية موقفه، كما قام بفضح السلطة اليزيدية القائمة، وكشف للملأ بأنها سلطة استبدادية وغير شرعية تقوم على مرتكزات انتهازية ومصلحية وقمعية، وغدت أحاديثه على كل شفة ولسان، وتركت آثارها على الرأى العام الإسلامى آنذاك، فثارت ثائرة السلطة الحاكمة، وأرادت بشتى السبل احتواء وتحجيم ومن ثم إسكات الصوت الحسينى الهادر.
وحينما أدرك الإمام u ببصيرته وخبرته بأن السلطة تريد التخلص منه بمختلف الحيل ولو بالقتل فى جوف الكعبة، فخاف على حرمة الكعبة وقدسيتها من أن يُراق دمه فيها، لذلك قرر الخروج من مكة قبل إكمال مناسك الحج، فكان لخروجه المفاجئ صدًا إعلاميًّا كبيرًا فى أوساط المسلمين، الذين أصيبوا فى ذلك الوقت بمرض فقدان الإرادة، وهو مرض لا يعالج إلا بهزة عنيفة وصدمة قوية، ولعلاج هذا المرض لم يجد الإمام الحسين u إلا دمه ودماء أهل بيته، وهذا ما أشارت إليه السيدة زينب عليها السلام بعد استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته بقولها: اللهم تقبل مِنَّا هذا القربان.
د – الخطابة:
وهى وسيلة إعلامية قوية سواء قبل الإسلام أو بعده، حيث ينقل الخطيب آراءه ومواقفه للجماهير بصورة مباشرة، فيحدث فيهم التأثير المطلوب وخاصة إذا كان الخطيب مفوهًا يمتلك ناصية الفصاحة والبيان، وقوة الحجة، والقدرة على التأثير والإقناع، وتأجيج المشاعر وإثارة العواطف، وبالنتيجة سيتمكن من استمالتهم نحو قضيته.
والإمام الحسين u كما يقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد فى كتابه (الحسين أبو الشهداء): (قد أوتى ملكة الخطابة من طلاقة لسان وحسن بيان وغنة صوت وجمال إيماء)، لذلك استفاد من قدراته الخطابية، فلم يترك فرصة إلا واغتنمها فى سبيل إيصال صوته، وكان لخطبه الأثر البالغ فى زعزعة بعض أفراد الجيش المعادى عن مواقفهم والتحاق قسم منهم بمعسكره u- كما نوهنا سالفًا- وقد استعرضنا شواهد من خطبه فى فقرة الاتصال الجمعى، وهنا نلفت النظر إلى أن خطب الإمام الحسين u غير موجهة لأعدائه فحسب، بل إن كثيرًا ما خاطب أهل بيته وأصحابه، فكانت خطبه بمثابة المصل الواقى الذين يمنحهم المناعة ضد جراثيم الدعاية اليزيدية التى تهدف إلى التشكيك بقضيتهم العادلة، وفك عُرى التلاحم والتناصر فيها بينهم وبين قائدهم الإمام الحسين u. فكان (سلام الله عليه) يتبع مع أهل بيته وأصحابه مبدأ المصارحة والمكاشفة، وهو أسلوب يقول عنه علماء الإعلام بأنه من أهم وسائل مكافحة الشائعات، التى تكثر- عادة- أوقات الحروب والأزمات.
كان الإمام الحسين u يوجه خطبه أولًا إلى أصحابه بغية ترصين جبهته الداخلية وتخليصها من العناصر الدخيلة. ومن الشواهد الدالة على ذلك أنه لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبًا فقال: (الحمد لله، ما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهنى إلا أسلافى اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لى مصرع أنا ملاقيه)، ثم أضاف قائلًا: (من كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّنًا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإننى راحل مصبحًا إن شاء الله تعالى).
هـ – الشعر:
لم يترك الإمام الحسين u وسيلة إعلامية فى عصره إلا واستخدمها فى سبيل الكشف عن زيف إعلام بنى أمية، بعد أن جعلوا بدعايتهم المضللة على القلوب أكنة، وعلى الأسماع وقرًا، وعلى الأبصار غشاوة.
فمن الضرورة بمكان أن يلجأ الإمام الحسين u إلى الوسائل الإعلامية السائدة والمتاحة له كالخطابة والمراسلات واللقاءات الفردية والجماعية، وكذلك لجأ إلى الشعر كوسيلة مؤثرة فى نفوس الناس، ومن الشواهد على ذلك أنه لما قتل مسلم بن عقيل t، استعبر الحسين u باكيًا، ثم قال: (رحم الله مسلمًا، فلقد صار إلى روح الله وريحانه وجنته ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه وبقى ما علينا) ثم أنشأ يقول:
فإن تكـن الـدنيا تعــد نفيــسة
فإن ثـواب الله أعلــى وأنبــلُ
وإن تكن الأبـدان للمـوت أنشئت
فقتل امرئٍ بالسيف فى الله أفضـلُ
وإن تكـن الأرزاق قسمًا مقــدرًا
فقلة حرص المرء فى السعى أجملُ
وإن تكـن الأمـوال للتـرك جمعها
فما بال متـروك بـه المـرء يبخلُ
فيما تقدم استعرضنا الأساليب الإعلامية الرئيسة، التى اتبعها الإمام الحسين u من أجل إظهار دعوته وسحب البساط الإعلامى المتهرئ من تحت أرجل أعدائه الذين صوَّروا للرأى العام بأنه طالب مُلْك، وأن غايته من ثورته ليست دينية إسلامية عامة وإنما هى غاية شخصية، وعندما يئس من تحقيق هدفه أبدى استعداده للخضوع والتسليم.
والمحاولة الثانية هى تصوير الإمام الحسين وأنصاره للرأى العام بأنهم خوارج، وأنهم بغاة خرجوا على الشرع والشرعية المتمثلة بيزيد بن معاوية، وتمرَّدوا على إمامهم، وشقوا عصا الطاعة، وشتتوا الجماعة.
أساليب الإعلام اليزيدى
امتاز الإعلام اليزيدى بغوغائية الإدعاء والبرجماتية (النفعية) من خلال اتباعه للوسائل الإعلامية التالية:
1 – العصا والجزرة:
اعتمد الخطاب الإعلامى اليزيدى من حيث الأولوية على منطق القوة وأدوات القهر، فقد ضرب يزيد بعرض الحائط وصية أبيه الذى أوصاه بأن لا يمس الإمام الحسين u بسوء إذا أبى البيعة، فلما مات معاوية تواترت الأوامر من يزيد إلى ابن عمه الوليد- والي المدينة- بأخذ البيعة له من الناس عامة ومن الحسين بن علىٍّ u وابن الزبير بصورة خاصة.
وكان مروان بن الحكم من زعماء الأمويين فى المدينة ورجل الظل فى إمارة المدينة، متحمسًا لتنفيذ تعليمات يزيد بحذافيرها وإجبار الإمام الحسين u على البيعة ولو باستخدام القوة!.. فطلب من الوليد بأن يحبس الإمام الحسين u حتى يبايع أو تضرب عنقه. وهذا نص عبارته للوليد كمصداق جلىّ لهذا النهج الإعلامى: (والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا؛ حتى يكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الإمام الحسين u وقال: أنت- يا ابن الزرقاء- تقتلنى أو هو؟! كذبت وأثِمْتَ).
وكان الوليد ومروان يبغيان إخضاع الإمام الحسين u ليزيد، ولكن ذاك بالسياسة، وهذا بالتهديد، أى: بالجزرة والعصا.
2 – التكذيب:
استخدمت هذه الوسيلة منذ أقدم العصور، فقد كانت الأقوام والأمم السالفة تتهم أنبياءها ومصلحيها بالكذب من أجل إلقاء ظلال من الشك على دعواتهم الخيرة. وعلى هذا المنوال نسجت الدعاية اليزيدية عندما أوحت للسذج من الناس بأن الإمام الحسين u (وحاشاه ثم حاشاه) كذَّابٌ ومفترٍ وغير مؤهل للخلافة! كما حاولت السلطة أن تسخر بعض أنصار الإمام الحسين u، الذين وقعوا أسارى فى قبضتها من أجل إقناع الناس بمصداقية إعلامها، ولكن محاولتها هذه قد باءت بالفشل، عندما تقطعت حبال كذبها بفعل وعي وصلابة أنصار الإمام الحسين u وإيمانهم بقائدهم وقضيتهم.
ومن الشواهد على هذا المنحى أن ابن زياد لما ألقى القبض على سفير الإمام الحسين u إلى الكوفة، وهو قيس بن مسهر الصيداوى، أمر أن يشرف على الناس من شرفة قصره، ويلعن الإمام الحسين u ويعلن للملأ أنه- حاشاه- كذاب وابن كذاب!.. فصعد الصيداوى إلى حيث أراد ابن زياد، ثم ألقى على الجموع التى جمعوها وحشدوها نظرة وابتسامة ثم صاح: أيها الناس، إن هذا الحسين بن علىٍّ خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم فأجيبوه، ثم لعن عبيد الله ابن زياد وأباه، واستغفر لعلىِّ بن أبى طالب u وصلى عليه، فأمر به عبيد الله أن يرمى من فوق القصر، فرموا به فتقطع- رحمة الله عليه-.
3 – التظاهر بالحق وقلب الحقائق:
الدعاية اليزيدية جمعت كيدها وحصرت همها من أجل قلب الحقائق الناصعة، التى دفعت بالإمام الحسين u إلى إعلان ثورته، فقد اتبعت هذه الدعاية المغرضة وسيلة للتضليل الدينى، فأخذت تعزف على نغمة: أن الحسين قُتِلَ بسيف جَدِّهِ، بدعوى أنه فرَّق الأمة وخلق الفتنة، ويريد هؤلاء من هذا الادعاء بأن ما لاقاه الإمام الحسين u من قتل وابتلاء هو من صنع الله!.. هذ المنطق الذى يطمس الحقائق بصورة صارخة، قد ظهر جليًا من خلال خطب الطاغية يزيد وواليه ابن زياد سواء فى الكوفة أو الشام.
يقول المؤرخون: (جلس ابن زياد فى القصر الأميرى وأذن للناس عمومًا، وجيء برأس الإمام الحسين u فوضع بين يديه، وأدخل نساء الإمام الحسين u وصبيانه إليه، فجلست السيدة زينب بنت الإمام علىٍّ u متنكرة، فسأل عنها فقيل: زينب بنت علىٍّ u، فأقبل إليها، فقال: الحمد لله الذى فضحكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا. فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟- لاحظ التزييف الدينى، فقد نسب ما اقترفته يده الآثمة إلى الله!- فقال: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجَّ وتخاصم) [تاريخ الطبرى 4/349، والبداية والنهاية لابن كثير 8/21].
4 – الغدر والخيانة:
يقول المحامى أحمد حسين يعقوب: إن الخلافة اليزيدية اتفقت مع بعض الناس (40 ألفًا) على إرسال بيعات للإمام الحسين u مقابل جُعْل للمبايعين، حتى يخرج من مكة ويقتل فى المكان الذى تريده!! (كربلاء الثورة والمأساة، ص91).
الخلاصة
من المعروف أن كل ثورة تستلزم ساعدًا ولسانًا، ودمًا ورسالة، عملًا وإعلامًا، وخطب السيدة زينب والإمام السجاد عليهما السلام والبقية الباقية من واقعة كربلاء أثناء سبيهم، كان لها دور مهم فى فضح حقيقة العدو وإفشال إعلامه الكاذب، وتوعية الناس على حقيقة الثورة وماهية شخصية أبى عبد الله u وشهداء كربلاء، وهذا ما جعل الأمويين عاجزين عن إسدال الستار على جرائمهم أو محوها من الأذهان.
بقى علينا أن نشير إلى أن الرأى العام الإسلامى قد انقلب ضد الأمويين بعد شهادة الإمام الحسين u بعد أن تبين للدانى والقاصى زيف وخداع البراقع الدينية التى تستر بها هؤلاء من أجل خداع الآخرين.
وهكذا انهار صرح الدعاية الأموية الذى بنته على جرف هارٍ من ترهيب وتكذيب ولعن وسباب واتهامات عارية عن الصحة، تعمل على قلب الحقائق وتزييف الوقائع.. وظهرت الحقيقة واضحة وضوح الشمس فى رائعة النهار، وبقى ذكر الإمام الحسين u وأصحابه يملأ أسماع الدنيا بعد انقشاع الغبار الذى أثاره الإعلام المضاد الذى كان أشبه بسحابة تائهة تأتى لحظة لتغطى ضوء الشمس ثم تذهب سريعًا لتعود الشمس بسطوعها وإشراقها.
يقول الإمام أبو العزائم: (فرحوا- يزيد وابن زياد- أن غاب شخص الإمام الحسين وخفت صوته. وبلى والله ما صدقوا، فقد قتلوا أنفسهم، وهزموا دولتهم، وخلَّدوا للحسين مجدًا وذكرًا، بقى اسم الحسين يمجد، وسيبقى فى الخالدين ممجدًا).
كلمة أخيرة
أرجو من القارئ اللبيب أن يعيد قراءة المقال مرة ثانية بعد أن يُسقط ما جاء فيه على السادة الصوفية الحقة أحباب أهل البيت والصحابة الذين يتبعون النهج الحسينى الصادق فى الإعلام.
وبالمقابل.. الوهابية المتصهينة، وذيولها المتمسلفة أحفاد الطلقاء خصوم السنة المحمدية، وأدعياء التصوف عُبَّاد المناصب الذين تحركهم: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، من الذين ينتهجون نهج الإعلام اليزيدى الكاذب.
نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية