أخبار عاجلة

لماذا تأخرت الأمة؟! وقفة للنقد الذاتي (5)

إن بناء الأمم عملية معقدة ومركبة، فهي ليست وليدة الصدفة، ولا تتم دون تغيير جذري في أفكار ومعتقدات الشعوب…

السيد علاء أبو العزائم

شيخ الطريقة العزمية

ورئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

لماذا تأخرت الأمة؟!

وقفة للنقد الذاتي (5)

إن بناء الأمم عملية معقدة ومركبة، فهي ليست وليدة الصدفة، ولا تتم دون تغيير جذري في أفكار ومعتقدات الشعوب.

في مقالاتي عن (الضياع والأمل المرتقب) حددت المرض الخطير الذي ضرب الأمة، وشرعت في عرض كيفية علاج الأمة منه، وفي هذه المقالات أتحدث عن أمور يجدها الناس بسيطة لكنها مؤثرة في تراجعنا، كما لو أننا نقوم بعملية نقد ذاتي لأنفسنا.

بعد أن تناولنا في المقالات الأربعة السابقة جملةً من العوامل التي أسهمت في تراجع الأمة عبر العقود والقرون، فتوقفنا عند غياب الطموح، وقتل الإبداع، وثقافة الرضا بالقليل، واختفاء روح المغامرة، وندرة الحرية، ومحاربة القدوة، وتراجع الأخلاق، وانتشار الفساد، وكراهية لقاء الله، فإن المرحلة التالية من التفكير لا بد أن تتجه إلى السؤال الأهم:

كيف يمكن معالجة هذه العوامل؟ وكيف يمكن تحويل النقد الذاتي إلى مشروع إصلاحي يفتح الطريق أمام نهضةٍ جديدة؟

نحو استعادة المجد.. كيف تعالج الأمة أسباب تراجعها؟

إن تشخيص الداء خطوة ضرورية، ولكنه لا يكفي وحده ما لم يتبعه بحثٌ جاد عن العلاج.

والأمم التي استطاعت عبر التاريخ أن تستعيد قوتها بعد فترات الضعف لم تكن أممًا خاليةً من العيوب، بل كانت أممًا امتلكت الشجاعة للاعتراف بأخطائها، والإرادة لتغيير مسارها.

والأمة التي استطاعت في مراحل من تاريخها أن تبني حضارةً واسعة الأفق في العلم والفكر والأخلاق والسياسة ليست عاجزة بطبيعتها عن النهوض مرةً أخرى، غير أن هذا النهوض لن يتحقق بالشعارات ولا بالتمني، بل يتطلب مراجعة شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتعيد بناء الإنسان قبل أن تعيد بناء المؤسسات.

وفيما يلي محاولة لرسم معالم الطريق الذي يمكن أن تسلكه الأمة لمعالجة تلك العوامل التي أدت إلى تراجعها.

أولًا: استعادة الطموح الحضاري

الطموح هو الشرارة الأولى لكل نهضة؛ لأنه القوة النفسية التي تدفع الإنسان إلى تجاوز حدود الواقع والبحث عن مستقبلٍ أفضل.

الأمة التي تفقد طموحها تفقد قدرتها على الحركة، وتتحول تدريجيًّا إلى مجتمعٍ يكتفي بإدارة واقعه بدل تغييره.

لقد شهد التاريخ مرارًا كيف أن الشعوب التي امتلكت رؤيةً طموحة لمستقبلها استطاعت أن تتجاوز ظروفًا أشد قسوة مما نعيشه اليوم.

فالدول التي خرجت من الحروب المدمرة في القرن العشرين لم تستسلم لآثار الدمار، بل انطلقت في مسارات إصلاحية عميقة أعادت بناء اقتصادها ومؤسساتها ومكانتها العالمية.

أما حين يتلاشى الطموح من وجدان الأمة، فإن المجتمع يعتاد على تبرير التخلف بدل مقاومته، ويصبح التراجع أمرًا طبيعيًّا لا يثير الدهشة، بل قد يجد من يدافع عنه بحججٍ شتى.

لهذا فإن أول خطوة في طريق النهضة هي إعادة بناء الطموح الحضاري في وعي الأجيال الجديدة. ويبدأ ذلك من التربية والتعليم، حيث ينبغي أن يتعلم الشباب أن الحضارة لا تُهدى من الخارج، بل تُبنى بالعمل والجهد والإبداع.

كما ينبغي أن يتحول الخطاب الثقافي والإعلامي من خطاب الشكوى والتذمر إلى خطاب العمل والأمل؛ لأن المجتمعات التي تُغذّى باستمرار بفكرة العجز تفقد قدرتها على المبادرة.

إن الطموح لا يعني مجرد الرغبة في الرفاه المادي، بل يعني الإيمان بقدرة الأمة على الإسهام في تقدم الإنسانية، وعلى تقديم نموذج حضاري يجمع بين العلم والقيم.

ثانيًا: إطلاق طاقات الإبداع

الإبداع هو القوة التي تدفع الحضارات إلى الأمام؛ لأنه يمكّن الإنسان من اكتشاف حلول جديدة للمشكلات القديمة، ومن ابتكار وسائل جديدة للتقدم في مختلف المجالات.

غير أن الإبداع لا ينمو في بيئة تخشى الأفكار الجديدة أو تضيق بالنقد. فالعقل المبدع يحتاج إلى فضاءٍ من الحرية يسمح له بالتفكير والتجربة والخطأ والتعلم.

لذلك فإن أول خطوة في تحرير الإبداع هي تغيير الثقافة التي تنظر إلى كل جديد بريبة، وتتعامل مع الاختلاف وكأنه تهديد للنظام القائم.

إن المجتمعات التي تقدمت علميًّا لم تتقدم لأنها تملك عقولًا مختلفة عن بقية البشر، بل لأنها أوجدت بيئة تشجع التفكير الحر، وتمنح الباحثين والمبتكرين الفرصة لاختبار أفكارهم.

كما أن المؤسسات التعليمية يجب أن تتحول من مؤسساتٍ لتلقين المعلومات إلى مؤسساتٍ لتنمية التفكير النقدي؛ لأن الطالب الذي يتعلم كيف يفكر سيكون قادرًا على الإبداع، بينما الطالب الذي يتعلم فقط كيف يحفظ سيظل تابعًا لغيره.

ثالثًا: تصحيح مفهوم الرضا

الرضا في معناه الروحي فضيلة عظيمة؛ لأنه يمنح الإنسان الطمأنينة ويحرره من عبودية الطمع، غير أن هذا المفهوم إذا أسيء فهمه قد يتحول إلى ذريعة للكسل والجمود.

فالرضا لا يعني القبول بالظلم أو التخلف، ولا يعني الاستسلام للأوضاع السيئة دون محاولة إصلاحها، فالأنبياء والمصلحون لم يكونوا راضين بالواقع الفاسد، بل كانوا يسعون إلى تغييره.

من هنا فإن تصحيح مفهوم الرضا ضرورة فكرية وتربوية، بحيث يُفهم على أنه رضا بالقضاء الإلهي، لا رضا بالظلم أو التقصير.

إن الإنسان يستطيع أن يكون راضيًا في قلبه، طموحًا في عمله، ساعيًا إلى تحسين حياته وحياة مجتمعه.

رابعًا: إحياء روح المبادرة والمغامرة

كل إنجاز حضاري كبير بدأ بمحاولة جريئة. فالاكتشافات العلمية، والاختراعات الكبرى، والمشروعات الاقتصادية الضخمة، كلها بدأت بفكرة ظنها البعض مغامرة غير محسوبة.

غير أن المجتمعات التي تخشى التجربة لن تحقق تقدمًا حقيقيًّا؛ لأنها تفضل الأمان المؤقت على الإنجاز الكبير.

من هنا فإن إحياء روح المغامرة المحسوبة يتطلب تشجيع الشباب على المبادرة، ودعم المشاريع الجديدة، وتقبل الفشل بوصفه خطوة في طريق النجاح.

فالفشل ليس عيبًا في ذاته، بل هو تجربة تعلم؛ إذا أحسن الإنسان الاستفادة منها.

خامسًا: بناء الحرية المسؤولة

الحرية ليست ترفًا فكريًّا، بل هي شرط أساسي لنمو العقل والإبداع. فالمجتمع الذي يعيش أفراده في خوف دائم لا يستطيع أن ينتج معرفة حقيقية.

غير أن الحرية لا تعني الفوضى، بل تعني القدرة على التعبير عن الرأي ضمن إطارٍ من المسؤولية واحترام القانون.

إن بناء مجتمع حر يتطلب وجود مؤسسات قوية تحمي الحقوق، وتشجع المشاركة، وتتيح المجال للنقد البناء؛ لأن النقد هو الوسيلة التي يصحح بها المجتمع أخطاءه.

سادسًا: إعادة الاعتبار للقدوة

الإنسان بطبيعته يتعلم من النماذج التي يراها أمامه. فإذا كانت القدوة في المجتمع صالحة، فإن الناس يميلون إلى تقليدها، أما إذا كانت القدوة فاسدة، فإن الانحراف يصبح طبيعيًّا.

لهذا فإن إعادة الاعتبار للقدوة الصالحة ضرورة لإصلاح المجتمع. ويجب أن تتجه الجهود إلى إبراز العلماء والمفكرين والمصلحين الذين قدموا نماذج مشرقة في النزاهة والعلم والعمل.

كما ينبغي أن يدرك المجتمع أن القدوة لا تُصنع بالإعلام وحده، بل تُصنع بالسلوك الحقيقي الذي يراه الناس في حياتهم اليومية.

سابعًا: إعادة بناء الأخلاق العامة

الأخلاق هي الأساس الذي يقوم عليه استقرار المجتمع. فالصدق يخلق الثقة، والأمانة تحفظ الحقوق، والإخلاص يمنح العمل معناه.

وعندما تنتشر الأخلاق الفاسدة مثل: الكذب والخيانة والنفاق، يفقد المجتمع قدرته على التعاون؛ لأن كل فرد يصبح متوجسًا من الآخر.

لهذا فإن بناء الأخلاق يجب أن يبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الطفل القيم الأولى، ثم من المدرسة، حيث تتعزز هذه القيم بالتعليم والتربية، ثم من المجتمع كله الذي ينبغي أن يكافئ الصادق ويعاقب الكاذب.

ثامنًا: إعادة التوازن بين الدنيا والآخرة

من أسباب الاضطراب في حياة المجتمعات اختلال التوازن بين الدنيا والآخرة، فبعض الناس يفرط في التعلق بالدنيا؛ حتى تصبح غايته الوحيدة، بينما يظن بعضهم أن الزهد يعني الانسحاب من الحياة.

والحقيقة أن التوازن هو الطريق الصحيح، حيث يعمل الإنسان لدنياه بجد واجتهاد، ولكنه لا يجعلها هدفه النهائي.

إن الإيمان بأن الحياة الدنيا مرحلة مؤقتة يجعل الإنسان أكثر قدرة على التضحية من أجل الحق، وأقل استعدادًا لارتكاب الفساد من أجل مكاسب زائلة.

تاسعًا: محاربة الفساد وبناء مجتمع صالح

مكافحة الفساد لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من القوانين العادلة، والمؤسسات الرقابية، والشفافية في إدارة المال العام.

غير أن العنصر الأهم في مكافحة الفساد يبقى الضمير الأخلاقي؛ لأن القانون مهما كان قويًّا لن يستطيع مراقبة كل سلوك.

لهذا فإن المجتمع إذا أصبح صالحًا سيخرج منه المسؤول الصالح، وسيستمر الصلاح ما دامت الأمة لا تجعل الدنيا غايتها الكبرى.

خاتمة

المرجعية الروحية أساس النهضة

إن الإصلاح الحقيقي للأمة لا يمكن أن يكتمل إلا إذا كان له أساس روحي وأخلاقي يضبط مساره ويمنحه المعنى والاتجاه، فالتقدم المادي وحده لا يكفي لبناء حضارة متوازنة؛ لأن الحضارة تحتاج إلى قيمٍ عليا تهديها وتمنعها من الانحراف.

من هنا فإن الأمة بحاجة إلى مرجعية روحية تجمعها على معايير العدل والصدق والاستقامة، مرجعية لا تخضع لتقلبات السياسة ولا لمصالح الحكام، بل تقوم على العلم والتقوى والنزاهة.

وفي تاريخ الأمة يمثل أهل بيت النبي J نموذجًا فريدًا في الجمع بين العلم والخلق والعبادة والجهاد من أجل الحق، فقد كانوا عبر العصور مصدرًا للهداية الفكرية والروحية، ومثالًا للنزاهة والاستقامة.

إن جعل أهل البيت مرجعية روحية للأمة لا يعني بالضرورة أن يكون الإمام من أهل البيت هو الحاكم السياسي المباشر، فشؤون الحكم قد تخضع لظروف التاريخ وتعقيداته، ولكن المقصود أن يكون الإمام هو المرجع الأعلى الذي تُقاس به القيم، وتُعرض عليه الأفكار، ويُرجع إليه في القضايا الكبرى التي تمس دين الأمة وأخلاقها.

فعندما تكون القيادة السياسية خاضعة لمراقبة مرجعية أخلاقية وروحية عليا، تقل احتمالات الانحراف، ويظل ميزان الحق قائمًا في المجتمع.

إن الأمة التي تجعل العلم والتقوى أساس مرجعيتها، وتستلهم من سيرة أهل البيت قيم العدل والإخلاص والشجاعة، تستطيع أن تعيد بناء نفسها على أسسٍ متينة تجمع بين الإيمان والعمل، وبين الروح والعقل، وبين الدين والدنيا.

عندئذ فقط يمكن أن تبدأ رحلة النهضة الحقيقية، لا بوصفها حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا واقعيًّا يبدأ بإصلاح الإنسان، وينتهي ببناء حضارةٍ جديدة تليق بتاريخ هذه الأمة ورسالتها في العالم.

ولكي ترجع الأمة لإمام أهل البيت لا بد أن يتحرك أتباعه ليقدموه قدوة للمجتمع، ويبرزوا أفكاره وأحواله وأخلاقه، وأن يكونوا صورة مشرفة له، فيقول الناس: هؤلاء أتباعه، فإن الإمام مسؤول عن نصح الأمة، وأتباعه مسؤولين عن تقديمه للأمة، فإذا جاء إمام ولم تعرفه الأمة فإن أتباعه مقصرون في حقه، وفي حق رسالته.

فيا إخواني: انشروا رسالتنا، وأبرزوا أخلاقنا، وكونوا صورة صادقة لنا، فإن لم تفعلوا فلن تنهض أمتكم، وستكونون مقصرين في حق أئمتكم.

وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وسلم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

لماذا إذا سقطت إيران سقطت الأمة الإسلامية؟!!

في احتفالٍ الاتحاد العالمي للطرق الصوفية ومشيخة الطريقة العزمية بمناسبة ذكرى غزوة بدر الكبرى ومولد …