أخبار عاجلة

تدريس الفقه المذهبي في الجامعات حضوريًّا وافتراضيًّا وآثاره التربوية (5)

المذهب لغة: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى مكان الذهاب وهو الطريق، والذهاب: السير والمرور، يقال ذهب يذهب ذهابًا وذهوبًا فهو ذاهب، والمذهب: مصدر كالذهاب، أي المعتقد الذي يذهب إليه…

أ.د محمود إسماعيل محمد مشعل

بقية: المبحث الأول

مذهبية الدرس الفقهي في المقررات الجامعية وآثاره التربوية

المطـلـب الـثـانـي: مفهوم المذهبية الفقهية والاعتناء بها مقررًا دراسيًّا.

المذهب لغة: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى مكان الذهاب وهو الطريق، والذهاب: السير والمرور، يقال ذهب يذهب ذهابًا وذهوبًا فهو ذاهب، والمذهب: مصدر كالذهاب، أي المعتقد الذي يذهب إليه([i]) وتقول ذهب مذهب فلان: قصد قصده وطريقته([ii]).  والمذهب في الاصطلاح: له إطلاقان، إطلاق عام، وإطلاق خاص.

ويُستعمل مصطلح ((المذهب)) بالمعنى العام، أي من حيث هو مذهب ولا اختصاص له بمذهب إمام دون غيره، كما يطلق هذا المصطلح على معنى خاص في مذهب إمام من الأئمة، فإن ضابط المذاهب: “أنها حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية”([iii]).

يقول القرافي: في ضابط المذاهب ((أنها الأحكام الشرعية الفرعية الاجتهادية، وأسبابها، وشروطها، وموانعها، والحجاج المبينة للأسباب والشروط والموانع))([iv]). وعلى الاستعمال الخاص أيضًا جاء تعريف المذهب عند شهاب الدين الحموي الحنفي بأنه: « ‌مَا ‌اخْتُصَّ ‌بِهِ ‌الْمُجْتَهِدُ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ. وَهَذَا يَشْتَمِلُ جَمِيعَ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَالتَّعْرِيفُ الْخَاصُّ لِمَذْهَبِ إمَامِنَا هُوَ: مَا اُخْتُصَّ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ.

ثم أورد تعريف شهاب الدين القرافي، فقال ما نصّه: “وَعَرَّفَ بَعْضُهُمْ الْمَذْهَبَ بِأَنَّهُ: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ الِاجْتِهَادِيَّةُ وَأَسْبَابُهَا وَشُرُوطُهَا وَمَوَانِعُهَا وَالْحِجَجُ الْمُثْبِتَةُ لِلْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ»؛ وتعقّبه بقوله: «وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ؛ وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُ الْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ الَّتِي يَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِنْ جُمْلَةِ مَبَادِهَا التَّصَوُّرِيَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ وَالْحَجَّةِ لَيْسَ بِوَظِيفَةِ الْمُجْتَهِدِ أَصَالَةً وَإِنَّمَا وَظِيفَتُهُ قَصْدًا وَأَصَالَةً هُوَ الْبَحْثُ عَنْ الْأَحْكَامِ سَوَاءً كَانَتْ أَحْكَامَ الْأَدِلَّةِ وَالْأَسْبَابِ أَوْ الشُّرُوطِ أَوْ الْمَوَانِعِ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَحْكَامِ: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْكَرَاهِيَةُ. وَالِاجْتِهَادُ لُغَةً: تَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ فِي أَمْرٍ. وَاصْطِلَاحًا: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ الظَّنِّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ»([v]).

وإذا قلنا باستعمال المذهب بالمعنى العام، ولا اختصاص له بمذهب إمام دون غيره؛ فإنه يخرج من المذهب: الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، والثابتة بدليل القطع لا يحكم فيها بأنها مذهب هذا أو ذاك.

وإنما ينسب إلى المذهب ما اختص به عن غيره فى المسائل الاجتهادية فلا يقال مثلًا: الصلاة فريضة عند الشافعي، وإنما يقال: ينقض الوضوء بلمس المرأة عند الشافعي.. وهكذا، كما يخرج أيضًا: الأحكام الاعتقادية إذ قد اصطلح على تسمية المختلفين في فروعها فرقة وليس مذهبًا، فيقال: فرقة الخوارج، والمرجئة، والقدرية، والجبرية. وعليه؛ فالتمذهب هو: أن يُقلِّد من لم يبلغ درجة النظر والاجتهاد في علوم الشريعة مذهبًا من المذاهب الفقهية المعتبرة بأخذه برُخَصه وعزائمه، ولا يقلّدُ غير أهله.

والفقه: في اللغة: له معان متعددة، منها: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغلب على علوم الدين، ومن هذا قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ‌يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91]. وقوله جل شأنه: ﴿‌وَطُبِعَ ‌عَلَىٰ ‌قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ [التوبة: 87]. وقول النبي o: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»([vi]).

ثم أُطلقت كلمة الفقه على ما تتناوله الأحكام الدينية بجميع أنواعها: العقائد، والأخلاق، والأحكام العملية، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ ‌طَآئِفَةٞ ‌لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. وكان هذا الإطلاق للفقه حتى قبل تكوين المذاهب الفقهية، ومما عُرّف به بناءً على هذا الإطلاق قول أبي حنيفة رحمه الله: ” الفقه: معرفة النفس ما لها وما عليها “، وهنا يكون الفقه مرادفًا لكلمة: شريعة، وشرعة، وشرع. لكن هذا الاستعمال تغيّر ودخل على المصطلح شيئ من التخصيص وأطلق على الأحكام الشرعية العملية، فخرج بذلك علم العقائد، وعلم الأخلاق، وعُرّف بأنه ” العلمُ بالأحكام الشرعية العملية المكتسبُ من الأدلة التفصيلية”.

قال أبو حامد الغزالي في الإحياء: “الفقه: فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة والفتاوى، والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقًا فيها وأكثر اشتغالًا بها يقال هو الأفقه، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله تعالى ﴿ ‌لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].  وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان….. ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولًا للفتاوى في الأحكام الظاهرة ولكن كان بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستتباع فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر .”([vii]).

وفي البحر المحيط: قال الحليمي في “المنهاج “: إن تخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح حادث. قال: والحق أن اسم الفقه يعم جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به إلى معرفة الله، ووحدانيته، وتقديسه، وسائر صفاته، وإلى معرفة أنبيائه، ورسله عليهم السلام، ومنها علم الأحوال، والأخلاق، والآداب، والقيام بحق العبودية وغير ذلك. قلت: ولهذا صنّف أبو حنيفة كتابًا في أصول الدين وسماه ” الفقه الأكبر”([viii]).

ومن هذا يتبين أن الفقه قديمًا كان يشمل علم العقائد إضافة إلى الفروع، وبعد أن كثرت الفروع وتعددت وتباينت طرائق الاجتهاد ونشأت المذاهب الفقهية وانتشرت أطلق الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية سواء أكان طريق معرفتها الاجتهاد بالاستنباط من أدلتها التفصيلية أم كان العلم بها ناشئًا عن طريق الأخذ والتفهم لأقوال الفقهاء، حتى أطلق على العارف بالفقه من طريق التقليد لأقوال الفقهاء المجتهدين فقيهًا.

ومما لا شك فيه أنّ بناء الطالب بناءً فقهيًّا على مذهبٍ معروف، وجادَّة مطروقةٍ أمتن وأقعد له وأقرب للاطراد والتناسق من البناء على اختيارات فقيهٍ متأخر لم يُحرَّر مذهبه – لا أصولًا ولا فروعًا – كتحرير المذاهب التي تعاقبت الأجيال على دراستها وتدريسها وشرحها واختصارها، ونصرها والاعتراض عليها ونقدها والاستدلال لها؛ فغدَت معروفةَ الأصول والفروع.

«فالمجتهد في مذهب الإمام أحمد 0 مثلًا: إذا أحاط بقواعد مذهبه، وتدرب في مقاييسه وتصرفاته: ينزل من الإلحاق بمنصوصات وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه، وهذا أقدر على ذا من ذاك على ذاك، فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهَّدة، وضوابط مهذبة، ما لا يجده المستقل في أصول الشارع ونصوصه، وقد سئل الإمام أحمد 0 عمن يفتي بالحديث: هل له ذلك، إذا حفظ أربعمائة ألف حديث؟ فقال: أرجو»([ix]).

وعليه؛ فإنّ الأخذ بالتمذهب في التدريس يجد الناظر فيه (قواعد ممهَّدة، وضوابط مهذبة)، مما لا يجد مثله في فقه عالم معاصر ولا غير معاصر، ولسنا هنا بصدد خوض المعركة التاريخية في وجوب التقليد أو جوازه أو تحريمه، وليس القصد إلغاء القيمة العلمية لآراء المتأخرين، ولا تقرير عدم جواز التعبّد أو الفتوى بها، ولا الدعوة إلى التقليد المذهبي والتعصب، وإنما المراد تأكيد أهمية تصنيف المقرر على الجادَّة العلمية المسلوكة عند أهل العلم. وإذا نظرنا في كتب التراجم والطبقات وجدنا جلَّ الأئمة والعلماء، قد تفقهوا على مذهب من المذاهب المشهورة.

==============================

([i]) لسان العرب – مادة ذهب 2/1081.

([ii]) القاموس المحيط ص 110، والمصباح المنير 1/211.

([iii]) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: لأبى عبد الله محمد الحطاب (المتوفى 954هـ) 1/24، ط1 سنة 1328هـ- مطبعة السعادة مصر.

([iv]) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: أحمد بن إدريس المشهور بالقرافي، (المتوفى 684هـ)، ص 98، المكتب الثقافي – القاهرة، ط1 1989م.

([v]) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر: للحموي، شهاب الدين الحسيني الحنفي (ت ١٠٩٨هـ)، (1/30) دار الكتب العلمية، (1985م).

([vi]) صحيح البخاري، عن معاوية، برقم 71، باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، (1/ 39)، دار ابن كثير، دمشق، (1993م).

([vii]) إحياء علوم الدين: للغزالي، (1/ 47، 48)، المكتبة العصرية بيروت.

([viii]) البحر المحيط: للزركشي (1/37).

([ix]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: للمرداوي (12/261- 262).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …