أخبار عاجلة

المقاربة التداولية البلاغية والتلقي الاسترجاعي لرائية الخنساء (9)

النص تدور أفكاره كلها حول المأساة التى روعت الخنساء وإلحاحها الدائم على إظهار قيمة صخر وخصاله التى تفرد بها بين قومة، أما الجمل – من حيث الشكل الداخلى – مرتبة، مركبة تركيبًا نحويًّا سليمًا، محددة الفكرة، موجزة، واضحة واسعة المدلول، معززة بأدوات ووسائل الربط التى تسمح لمكونات هذا النص ترابطًا وتماسكًا قويًّا…

أ.د. عزيزة الصيفي

بقية: مراجعة أسلوبية للقصيدة

مؤثرات القافية:

حالف الشاعرة التوفيق فى اختيارها لقافية (الراء) وما يسبقها من مد ينسب حالة الحزن والتوله التى تملكت الخنساء وطغت على عقلها، والقافية مطلقة غير مقيدة، لتنطلق وتمتد مع أنينها، فلهذا الحرف مكانة كبيرة فى الشعر العربى، حيث إن للراء دلالات متضادة، مما يمنح القصيدة حسًّا مرهفًا رقراقًا، يدل على الضعف، أو مشاعر متأججة تدل على القوة، فمن الصفات التى استغلتها الشاعرة، مما سوف يتضح ما يتميز به حرف الراء من صفات القوة: الجهر، والانحراف، والتكرار، والتفخيم ، ومن صفات الضعف: الترقيق، والتلطيف، ويتوسط الإزلاق الصفتين، مما يجعل القصيدة تتردد بين درجتى الارتفاع، والانخفاض، فتعبر الشاعرة عما يجول بخاطرها، بحرية كبيرة، فنراها تستخدم الانخفاض عند الحديث عن موت صخر، والقوة عند الحديث عن خلقه وأخلاقه وصفاته.

أثر اللفظ فى الإبانة:

مثلها مثل جميع شعراء عصرها، حرصت على التعبير باللفظ المناسب فى موضعه المطلوب، لأداء دوره فى الإبانة، فمن المعلوم أن تداول الألفاظ يحتاج من الشاعر الجيد أن يراعى درجة تأثيره فى التركيب النظمى للكلام، مما يؤجج عاطفة المتلقى ويثير حماسته للتجاوب والانخراط داخل أحداث النص يستمد منه الطاقة الانفعالية التى يقصد الشاعر توصيلها له.

ومن الملاحظ أن اللفظ اختير بعناية شديدة، وأنه يبعد عن اللفظ الوحشى الذى تداوله الشاعر الجاهلى فى معلقاته، فاللفظ كما بدا سهلًا واضح الدلالة، وقد ينقل من دلالته الحقيقة إلى دلالات أخرى تمارس من خلالها التوظيف المجازى الذى يفيد بدقة ما يرمى إليه النص من درجة التأثير.

وبناء لفظ القافية على وزن (فعال ومفعال) وأغلبها جاء على هيئة صيغ مبالغة، ليتسنى لها توظيف التوكيد وترسيخ المعان فى وصف صخر وتثبيتها ودوامها، ومنها يستدل المتلقى على ملامح شخصيته، التى برزت فى أرجاء القصيدة بكل الصيغ القياسية؛ ذلك لأنه كان لديها إصرار كبير على تأكيد وجودية أخيها، رغم مقتله، وذلك بذكر صفاته فى الكرم والسيادة، وما جاء فى القصيدة من معان يحملها اللفظ بمدلوله الحقيقى تارة، ومدلوله المجازى تارة أخرى ما هى إلا أصداء لما تردد من صراع قائم فى نفسها.

الابتداء والانتهاء:

جاء الابتداء حسنًا قويًّا حين ابتدأت بالنكرة (قذى) وما تبع ذلك من غموض من يبكى وعلى من كان البكاء وذرف للدموع وتصاعد فى المعنى، ولكن لم تأت نهاية القصيدة بمثل قوة البداية، حيث أنهت بالحديث المتكرر عن كرم صخر، وكأن الحديث مستمر لا يستشعر المتلقى أن هكذا النهاية، فهى معلقة، لم تحظ بحسن اختتام. كما فعل أبو فراس حين ختم ختامًا حسنًا لخص ما تعتصر قلبه، مخاطبًا الحمامة النائحة ليصل بالمعنى إلى بؤرة الصراع النفسى فيقول([1]):

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة

ولكن دمعى فى الحوادث غالى

وكذلك فعل العقاد حين قال مخاطبًا العقاب الهرم:

لعينيك يا شيخ الطيـور مـهابة

يفر بغاث الطير عنها ويهزم

وما عجزت عنك الغداة وإنما

لكــل شـبـاب هيبة حين يهرم

فيختم بجوهر المعنى التبئيرى، والرسالة التى يريد توصيلها والتأكيد عليها.

الأفكار الجزئية وبناء الجمل:

النص تدور أفكاره كلها حول المأساة التى روعت الخنساء وإلحاحها الدائم على إظهار قيمة صخر وخصاله التى تفرد بها بين قومة، أما الجمل – من حيث الشكل الداخلى – مرتبة، مركبة تركيبًا نحويًّا سليمًا، محددة الفكرة، موجزة، واضحة واسعة المدلول، معززة بأدوات ووسائل الربط التى تسمح لمكونات هذا النص ترابطًا وتماسكًا قويًّا.

أما من حيث الشكل الخارجى للفكرة فى البناء النصى، يلاحظ أن الفكرة مؤلفة من جمل أغلبها جملًا قصيرة تصاغ فى أبنية متكاملة الأجزاء، منضبطة الهيكل، مناسبة من حيث الطول والقصر حسب ما يقتضيه السياق من عبارات تفى بالمراد. فلا يجد المتلقى غرابة نفورًا، أو إطالة بلا فائدة، فكل فكرة محبوكة السبك فالمتأمل فى الأبيات الأربعة الأولى من القصيدة يلحظ هذا التكثيف لفكرة البكاء وهذا التشويق والإثارة لعاطفة المتلقى، وهكذا فى كل أجزاء النص.

الحذف:

آثرت الحذف فى أكثر من موضع، تحذف المسند إليه (صخر) فى معظم أبيات القصيدة فتحيل بالضمير المضمر، لكونه معلوم من السياق، منذ أن قالت: (نعم المعمم.. إلى أن قالت: (ضخم الدسيعة)، وقد اعتبر عبد القاهر الجرجاني([2]) الحذف مَظهـــرًا من مظاهرِ الكفاءة والاقْــــتِدار اللُغوي، يَعْمَـــدُ فيه المتكلم إلى إضْمـــــارِ أو إسْقاط جُزء أو أجزاء من الكلامِ، فَيزْدادُ المعنىَ تَأثيرًا، ويَزدادُ الخطاب بلاغة، ويتمكن المخاطَب من فك شفرات الحذف ومُضْمراته بتوظيف معارفه المسبقة، والسياق وكفاءته اللغوية. ومن ثم هو أسلوب خطابي تواصلي يتجاوز المفردات إلى مستوى رصد العلاقات بين الكلمات ومستعمليها، وذلك ما يعد أصلًا من أصول التداولية.

أهمية التشطير في الأبيات:

للنص سمت خاص، وأداء يتوافق مع مضمونه ومحتواه، حاولت الشاعرة من خلال التشطير فى معظم الأبيات أن توازن المصراعان، والجزآن، بحيث يبدو كل شطر قائم بذاته لا يتواصل مع الآخر، وكأن الوقت يداهمها وأنفاسها ضاقت لا تحتمل الجمل الطوال، ولإحداث الإيقاع المدوي، الذي يتناسب مع حزنها، فيترك صدى قويًّا، تبعث رسائل قصيرة سريعة مادحة أخلاق أخيها، فالرثاء سخرته – غالبًا – لمدح صفاته وفضائله.

الاهتمام بالتطريز:

وقع التطريز فى أبيات متتاليات، حيث جاءت الكلمات متساوية فى الوزن، فبدت كطراز الثوب مثل إعلان وإسرار، إحلاء وإمرار، وحوى المتضادات فأحدث تقوية للمعانى الوجدانية، التى يكون لها أكبر الأثر على نفسية المتلقى.

التكرار:

ورد تكرار الحروف والأدوات مثل (كأن) للتشبيه والشك، وتكرار الأسماء مثل (صخر، الدهر، البكاء، خناس) كما تكررت معانى (الكرم والإقدام، والشجاعة والشهامة، والنخوة)، بصياغات أسلوبية متنوعة، كما تكرر الفعل المضارع (تبكى) ثلاث مرات، كما تكررت الفعلية الترادفية (ذرفت، تبكى، سيل، يفيض، العبرى، ليبكه مقتر)، ، وكذلك تكررت عبارة (وإن صخرًا) ثلاث مرات، كما كررت بعض العبارات (ضخم الدسيعة) مرتين، وكررت فعل الرتع ثلاث مرات فى بيت واحد. وتكرر التشديد، والتوكيد، والترديد، لتمكين المعنى فى النفس، وتميزت القصيدة بتعدد الأخبار وتفشى الاسمية فيها، لرغبتها فى إثبات وجودية صخر ودوامها، وتكرار (المحيا) مرتين، وقد يظن أن الخنساء أفلست فصارت تكرر ألفاظًا وعبارات وأفعالًا بعينها، والواقع أنها أرادت التركيز على معان محددة، لا تحيد عنها.

صيغ المبالغة:

صيغ المبالغة من أكثر الأساليب حضورًا فى مختلف أبيات القصيدة على وزن (فعال، فعيل، مفعال)، (جلد جميل المحيا، جهم المحيا).

الصور البيانية:

لم تلجأ للاستخدام المفرط للصور البيانية، إنما كان الاعتماد على أساليب أخرى، أدل على تعميق الصراع القائم بين صخر والدهر تارة، وبينها وبين الدهر تارة أخرى، ولعل أكثر الصور شهرة: التشبيه الضمنى فى الصورة الكلية (وما عجول على بو… بأوجد منى)، والتشبيه التمثيلى البارع (كأنه علم فى رأسه نار) و(كأن ظلمتها فى الطخية القار) وتشبيهات مفردة، الغرض منها: إما بيان حال المشبه، أو بيان مكانته، أو تزيينه أو تقبيحه، أو تقريبه أو تبعيده، أو تعظيمه أو تحقيره، كما اعتمدت القصيدة على الصور الاستعارية وخاصة الاستعارة المكنية، ومهمة الصور – فى معظمها- تعين على إبراز خصال صخر الحميدة وعيوب الدهر المذمومة.

===================

([1]) انظر: خاتمة النصين.

([2]) ينظر: الحذف فى دلائل الإعجاز.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (36)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …