أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (182)

الحكمة الثانية والثمانون بعد المائة

من دخل من باب الكرامة، خرج من باب الندامة

الأستاذ سميح محمود قنديل

الكرامة: هى تكريم الله العبد بما يقربه إليه، أو إظهار خوارق العادات على يد العبد، ليهدى به غيره من غير قصد. الكرامة: هى أن يكرم المؤمنين بالاعتصام بالكتاب والسنة، ويعصمهم من الفتن المضلة، والأهواء المذلة، ومنكر الكرامة محروم منها.

وأكمل كرامة من الله لعبده أن يقيمه عاملًا فى الدنيا بمحابه ومراضيه، وتلك الإقامة أفضل من العطايا جميعها، بل ومن الجنة ذاتها، فإن إقامة الله العبد فى محابه ومراضيه، هى ما يحبه الله تعالى من عبيده، أما النعيم فى الجنة، فهو ما يحبه العبد، وشتان بين ما يحبه الله تعالى، وما يحبه العبد، فالاستقامة فى الدنيا أعظم نعمة من الله ينعم بها على العبد، وبها يحبه الله، والجنة يوم القيامة أعظم نعمة من الله يتفضل بها على المؤمن، وهى محبوبة العبد.

يقول الإمام أبو العزائم 0 فى الحكمة: “الكرامة من أظهرها ليظهر بين الناس، أو لينال بها خيرًا، وقع فى النفاق من حيث لا يشعر، فإن الله أمر الأنبياء بإظهار المعجزة دعوة للخلق إلى الحق، وأخذ العهد على الأولياء أن يخفوا الكرامة، حتى يظهرها سبحانه تأييدًا لمن يحبهم، ومن راض نفسه لتظهر له كرامة فقد عبد غير الله، وإن لله رجالًا يبكون حسرة وندامة، على ما فاتهم من إظهار الكرامة”.

الصوفية والكرامات

الكرامة يعرفها الإمام أبو العزائم 0 تعريفًا مختصرًا جميلًا فيقول: “الكرامة: أن يكرمك الله سبحانه بأن تعرف من أنت، ثم يقيمك بعد ذلك عاملًا من عماله سبحانه، ويعرفها رجال التصوف، بأنها: الأمر الخارق لما تعود عليه البشر أن يجدوه مقبولًا عقلًا، ومطابقًا لقوانين ونظم الطبيعة والحياة، غير أن هذا الأمر الخارق لما تعود عليه البشر لا يقترن بدعوى النبوة ولا إيحاء لها، وإنما يخص الله أولياءه العارفين بها، وهو القادر الفعال لما يريد، ويعتقدون أن أعظم كرامة يهبها الله لمخلوق من مخلوقاته هي كرامة الهداية، والتوفيق للطاعة في حياته وأعماله، قال القشيري: «اعلم أن من أجَلِّ الكرامات التي تكون للأولياء، دوام التوفيق للطاعة والعصمة عن المعاصي والمخالفات».

وتبرز أهمية الموضوع من المفارقة بين ما تحتله الكرامة الحسية من أهمية، تعلو كلما دنونا من القاعدة الشعبية فى الأوساط الصوفية، حتى يصل الأمر إلى أنه لا يعترف لولى بأنه ولى حتى يظهر كرامة، وتنخفض أهميتها كلما ارتفعنا إلى قمة الهرم الصوفى، واقتربنا من المتحققين بالطريق والشيوخ الكاملين، والذين ينظرون إليها على أنها لعب ولهو وزينة وتكاثر، وأن الكرامة المعنوية هى الكرامة الحقيقية، ومن ثم قرروا أن أكبر كرامة هى الاستقامة.

ومما ذكره الشيخ عبد الله بن الصديق الغمارى 0، أنه اختار فى تعريف الكرامة: أنها الأمر الخارق الذى يظهر على يد رجل صالح فى زمن التكليف، ويكون دليلًا على تمسكه بالشريعة وعمله بأحكامها وآدابها، ومن الضوابط التى قررها الشيخ الغمارى أن الكرامات لا تخرج عن دائرة الإمكان، قال: والذين يحكون هذه المستحيلات غير مدركين ما فيها من مناقضة لقضايا العقول، يفتحون على أنفسهم وعلى الأولياء بابًا للطعن الشديد.

ومن الأمور التى قررها فى هذا الأمر: أن التضارب بين روايات الكرامة دليل على الكذب، وأن الغرض من ترجمة الولى وذكر بعض كراماته، الاعتبار بما قدم من أعمال صالحة والاقتداء به، والمجذوب ليس أهلًا للقدوة، والحاصل أنه لا ينكر الكل ولا يقبل الكل، ولكن يقبل مع التحفظ والاحتراس، مع اليقظة والتحرى، كما قال الشيخ عبد الله بن الصديق 0.

وقد وضع الغمارى 0 عدة معايير لا بد منها لقبول الكرامة: المعيار الأول: أن تقع على يد ولىّ صالح عالم عامل بالشريعة عُرف بكل ذلك، المعيار الثانى: أن تكون خارقة للعادة فحسب، وليست خارقة للعقل، المعيار الثالث: الثبوت وصحة الرواية، ولا بد من استخدام معايير صحة الرواية التى وضعها علماء الحديث الشريف، وفى ضوء هذه المعايير الدقيقة، لا بد من نقد ما يشيع من كرامات، وألا نتقبلها إلا فى ضوء مثل هذه المعايير، سواء فى ذلك الكرامات التى تتلقفها الألسنة وتتحاكاها، أو الكرامات التى بُثت فى بطون الكتب، كما أنه فى ضوء هذه المعايير يمكن فى الحقيقة أن نتقبل كثيرًا من النقد الذى وُجه إلى ظاهرة الكرامات، كما يمكن أن نتفهم كثيرًا من التحليلات التى قدمت فى محاولة لتفسيرها.

أفضل كرامات العبد

إن قضية الكرامة قد احتلت مساحة ليست بالضيقة فى الوسط الصوفى، وعلى مدى قرون طويلة، وارتبط بها كثير من الممارسات غير الصحيحة، ولا شك أن معالجة هذه القضية ووضعها فى إطار صحيح يساعد على إصلاح بعض ما اختل من شأن مبالغات أدعياء الصوفية، والمنتقدين لطريقهم الذين سلكوا مسلكًا غير سَوىّ، بعدم رجوعهم إلى محققى القوم وأئمتهم، وبنوا نقدهم على من ليس بحجة على الطريق، بل الطريق حجة عليهم، بما شيد به من أصول الكتاب والسنة.

ويؤكد ابن عطاء الله 0 فى حكمه، على أن الكرامات ليست دليلًا على كمال الولاية، فيقول: “ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة”، ويوجه استفهامًا استنكاريًّا إلى ذلك الذى سلك الطريق وجلس ينتظر وقوع الكرامات على يديه، فيقول له: “كيف تخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد”، وأما الكرامات الحقيقية فيقول عنها: “أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكرًا له، ولولا فضله لم تكن أهلًا لجريان ذكره عليك، وجعلك مذكورًا به، إذ حقق نسبته لديك، وجعلك مذكورًا عنده فتمم نعمته عليك”.

أما سبب وقوع الكرامات لكبار الأولياء، فيرى ابن عطاء الله السكندرى 0: “أن المسافة بعدت بين الأولياء والصحابة، فجعلت الكرامات جبرًا لما فاتهم من قرب المتابعة التامة، فإن من الناس من يقول: إن الأولياء لهم الكرامات، والصحابة لم يكن لهم ذلك، بل كانت لهم الكرامات العظيمة بصحبتهم له o، وأى كرامة أعظم منها، ومن جهة أخرى نؤكد على أن الكرامات إنما يتعلق بها بعض المبتدئين فى الطريق لتثبيت يقينهم، وأن شأن الراسخ فى عقيدته والصادق فى إرادته ألا يلتفت إلى ذلك، وألا يتعلق به إن وقع له، وأن طالب الكرامة لنفسه أو سائلها من شيخه، مثله مثل الآية: )وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ( [البقرة: 118] .

ولسيدى عبد العزيز الديرينى 0 واقعة مشهورة، فقد طلب جماعة منه كرامة وقالوا: مرادنا شيء يقوى يقيننا واعتقادنا فيك، حتى نأخذ عنك الطريق، فقال: “يا أولادى وهل ثم كرامة من الله لعبد العزيز أعظم من أن يمسك به الأرض ولم يخسفها به، وقد استحق الخسف به من سنين؟”، فقال له شخص: إن الخسف لا يكون إلا للكفار، وأنتم من المؤمنين، فقال: “قد خسف الله تعالى بشخص لبس حلة وتبختر فيها فى مكة، كما فى البخارى عن ابن عباس، وكم لعبد العزيز من ذنب أعظم من التبختر”.

ويقول سيدى على الخواص 0: “ما ثم كرامة للعبد أفضل من ذكر الله تعالى، لأنه يصير جليسًا للحق كلما ذكر، وقد اختلى مريد سنة كاملة، فما رأى نفسه وقعت له كرامة، فذكر ذلك لشيخه فقال له: أتريد كرامة أعظم من مجالسة الحق تعالى، ثم قال له: ما رأيت أكثف حجابًا منك، لك فى الكرامة العظمى سنة كاملة ولا تشعر بها”.

والإمام يحذر هنا المريد أن يدخل من باب الكرامة، ويعتمد عليها سببًا لليقين أو التمكين والوصول، فذلك نقص فى السير والسلوك على طريق ملك الملوك، ولن تكون سببًا للدخول على الحق، ولكنها ستكون سببًا لخروجه من باب الحسرة والندامة.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …