أخبار عاجلة

النَّص المُتشظِّي.. المشروع الصهيوني من ريف دمشق إلى قطاع غزة (8)

ربما كانت المساندة الأمريكية التي وقفت بجانب المساعي غير المحمودة للصهاينة هي التي أغرت اليهود بتوثيق وكتابة سيرة ذاتية لملامح دولة في طريقها للإنشاء. فها هو هاري ترومان الرئيس الأمريكي في عام 1947م يدعو إلى تحقيق أكثرية يهودية في فلسطين، ووجه مذكرة بشأن ذلك إلى رئيس الحكومة الإنجليزية تسمح لمائة ألف مهاجر يهودي بدخول فلسطين…

الأستاذ الدكتور بليغ حمدي

بقية: الصهيونية من التبرؤ إلى الاستيطان إلى ترويج السيرة الذاتية

بقية فكرة تأسيس الدولة:

ربما كانت المساندة الأمريكية التي وقفت بجانب المساعي غير المحمودة للصهاينة هي التي أغرت اليهود بتوثيق وكتابة سيرة ذاتية لملامح دولة في طريقها للإنشاء. فها هو هاري ترومان الرئيس الأمريكي في عام 1947م يدعو إلى تحقيق أكثرية يهودية في فلسطين، ووجه مذكرة بشأن ذلك إلى رئيس الحكومة الإنجليزية تسمح لمائة ألف مهاجر يهودي بدخول فلسطين.

المثير في شأن المسألة الصهيونية حقًّا هو الدعم المسيحي لتأكيد وتكريس هذا الكيان، وهذا لم يكن وليد القرن العشرين، بل له إرهاصات متجذرة في السيرة الذاتية للصهيونية، فنجد على سبيل المثال مارتن لوثر وهو زعيم ورائد حركة الإصلاح الديني المسيحي ورائد المذهب البروتستانتي يقول في كتابه المعنون بـ ” عيسى ولد يهوديًّا ” المنشور عام 1523م: ” إن اليهود أبناء الله ونحن الضيوف الغرباء “، ويردف قائلًا في كتابه في موضع آخر: ” إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم “. وربما هذا وإن كان يعكس الطبيعة المسالمة بعض الشيء للمسيحيين إزاء اليهود إلا أنه يبرهن عن خشية التيار المسيحي آنذاك من الشعور الدائم بالكراهية من جانب اليهود وهذا نجده في الأسفار اليهودية مثل: ” من يفعل خيرًا للمسيحيين فلن يقوم من قبره قط “، وأيضًا ” يجب على اليهود السعي الدائم لغش المسيحيين “.

لكننا نرى مدًّا سافرًا لمارتن لوثر وهو يمجد اليهود واليهودية بغير تبرير سوى الذي ذكرناه سالفًا فنجده يقول في موضع آخر من كتابه: ” علينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها كالمرأة الكنعانية تمامًا “. وربما هذا التحول في فكر المسيحية تجاه اليهود واليهودية ارتبط بالظهور الثاني للمسيح والمرهون بقيام دولة لهم على أرض فلسطين.

لكن بات من الملفت للنظر والاهتمام معًا أن الظهور الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط تحول من مجرد استيطان بشري طفيف إلى موجات استعمارية تعكس الهدف الأسمى لديهم وهو استقطاب المنطقة وامتلاكها والسيطرة على مفاصلها جميعًا، وهذه الموجات بدأت بالفعل منذ الانهيار العسكري الذي تم في الخامس من يونيو عام 1967م، والذي بمقتضاه بدأ الكيان الصهيوني في تسجيل سيرته الذاتية بسطور من الصعوبة محوها رغم انتصارنا التاريخي العظيم في حرب أكتوبر 1973م، إلا أن هذا الانكسار الموسوم بنكسة يونيو كان بمثابة الإعلان عن علم ووطن وجيش لكيان هيولي لا أصل له بالنسبة لاعتقاداتنا التاريخية، لكنه تم بالفعل. وهذا ما سمح لإسرائيل التي أصبحت دولة رغم امتعاض الدول العربية والإسلامية ورفضها المطلق لوجودها دون نتيجة أو قرار بحلها، بالإعارة على المخيمات الفلسطينية على الأراضي اللبنانية في 1969م مستخدمة طائرات أمريكية الصنع، وهي في الأساس لم تكن تستهدف المخيمات الفلسطينية أو بحاجة إلى مطاردة الفلسطينيين الذين فروا من أراضيهم المقدسة بقدر ما حاولت إسرائيل أن تسجل فصلًا جديدًا في سيرتها الذاتية الصنع بأنها قادرة على النيل من دول الجوار أيضًا، تحقيقًا لنفوذ عسكري؛ حتى وإن لم تسعَ إلى احتلال الأراضي اللبنانية.

وباسترجاع تواريخ سابقة يمكن تحديد معالم السيرة الذاتية التي دشنتها إسرائيل، وهي بالقطع سيرة ذاتية دموية، ولك أن تتأمل الفترة العسكرية التي خاضتها ومرت بها إسرائيل من أجل تفكيك القوة العربية، وسرعان ما انتهت هذه الفترة بتقويض الطاقات العربية؛ حتى تسيدت إسرائيل المجالات الاقتصادية والمعرفية والتكنولوجية، ففي الفترة من 1978 وحتى 1990م نجد إسرائيل تجدد الهجوم على لبنان وتقصف المفاعل النووي بالعراق، وترتكب أبشع مجازر القرن العشرين في صبرا وشاتيلا، ثم تستهدف تهجير يهود الأرض من كل مكان مثل: الاتحاد السوفيتي سابقًا وأثيوبيا إلى فلسطين العربية، وفي الوقت الذي انشغلت فيه الدول العربية المسكينة في تضميد جراحها سعت إسرائيل إلى التفرد والانفراد الثقافي والعلمي بدليل عدد براءات الاختراعات الهائلة في الكم والكيف والاستخدام والإفادة أيضًا، وأيضًا عدد الفائزين بجائزة نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء، في الوقت الذي ذهبنا نحن مهتمين بالبحث لنا عن مكان ما بزاوية منسية لإلقاء قصيدة تندد بوحشية الصهاينة، وآخر ذهب ليجدد بكاء العجائز من السيدات من خلال رواية محلية الصياغة تشجب مجازر الإسرائيليين، بينما هم مستمرون في كتابة سيرتهم الذاتية بحروف لا تنمحي بتعاقب السنين.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (36)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …