حاول التاريخ الرسمي الصهيوني نشر الوعي الزائف عن طريق ممارسات العصابات الصهيونية التي مهدت الطريق إلى إعلان دولة إسرائيل عام 1948م، وهذه الممارسات شكلت لدى الغرب الأوروبي الصورة الذهنية للصهيونية والتي تمثلت بجدارة في كتاب روفائيل باتاي 1977م بعنوان (العقل اليهودي)….
الأستاذ الدكتور بليغ حمدي
بقية: إسرائيل عندما ترتدي قناع الاعتدال
بقية: الفكرة والدولة
بقية: حديث عن الصهيونية:
يجب الإشارة إلى أن التاريخ الرسمي الصهيوني حاول نشر الوعي الزائف عن طريق ممارسات العصابات الصهيونية التي مهدت الطريق إلى إعلان دولة إسرائيل عام 1948م، وهذه الممارسات شكلت لدى الغرب الأوروبي الصورة الذهنية للصهيونية والتي تمثلت بجدارة في كتاب روفائيل باتاي 1977م بعنوان (العقل اليهودي).
ولكي يتحقق هدف الصهيونية الدينية كما يذكر سمير مرقص في دراسته المطولة عن الصهيونية المسيحية المنشورة بجريدة الأهرام القاهرية في 2024م. كان لزامًا عليها أن تمارس سلوكًا سياسيًّا ضاغطًا. فتأسست في لندن سنة 1807م جمعية لترويج فكرة عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقًا للنبوءات. ويذكر أيضًا في هذا المجال هنري دراموند، عضو مجلس العموم البريطانى الذي تخلى عن عمله السياسى ونذر حياته من أجل عودة اليهود إلى فلسطين.
ويضيف سمير مرقص (2023م) أنه من فرنسا انطلقت ولأول مرة خطة لإقامة كومونولث يهودي في فلسطين، مقابل القروض اليهودية للحكومة الفرنسية، ومساهمة اليهود في تمويل حملة نابليون بونابرت لاحتلال المشرق العربى بما فيه فلسطين. ويعد نابليون بونابرت هو أول رئيس دولة يقترح استعادة دولة يهودية في فلسطين… وتوالت الدعوات السياسية والدينية في القرن التاسع عشر لتشجيع توطين اليهود في فلسطين؛ الأمر الذي يسهم في تهيئة الظروف والمناخ المناسبين لولادة الصهيونية اليهودية السياسية.
ونجد في كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المعنون بـ: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل (الجزء الأول) أسباب دعم إنجلترا للحركة الصهيونية العالمية، أبرزها ما ذكره من أن معركة الهجوم على دولة الخلافة بدأت بهجمات متواصلة ومستمرة على الممتلكات الأوروبية للدولة العلية تحت مزاعم تحرير المسلمين من أسر خليفة المسلمين، وهنا بزغت ورقة اليهود مرة أخرى، فظهرت بقوة فكرة إقامة الدولة اليهودية، ويقول الزعيم الصهيوني (ناحوم سوكولوف) في فكرة تأسيس الدولة الصهيونية في مذكراته: إنه فكر كثيرًا وطويلًا مع صديقه هرتزل وتأمل في الأسباب التي دعت إنجلترا إلى التحمس بقوة بل وبشراسة أيضًا للمشروع الصهيوني في فلسطين ومساندة المشروع فقال: ” إنني سألت نفسي كثيرًا عن أسباب تأييد إنجلترا لحركتنا وتوصلت إلى أربعة أسباب أرتبها كما يلي”:
1- الطابع الإنجيلي للشعب الإنجليزي.
2- تأثير الإنجيل في الأدب الإنجليزي.
3- محبة فلسطين عند الإنجليز.
4- السياسة الإنجليزية في الشرق الأدنى طوال القرن التاسع عشر.
الجديد في تفسير المشهد أن الهدف الوحيد حينئذ للسياسة البريطانية ليس فقط دعم تأسيس دولة صهيونية في فلسطين، بل تحقيق الفصل بين مصر وسوريا مع زرع وطن قومي لليهود فاصلًا بينهما عند نقطة الاتصال بين ضلعي الزاوية الإستراتيجية الكبرى في جنوب شرق البحر الأبيض المتوسط.
تيودور هرتزل.. المؤسس:
ثم يأتي دور تيودور هرتزل الخطير حينما نشر كتيبًا صغير الحجم تحول فيما بعد إلى دستور أساسي ورئيس للحركة الصهيونية جاء بعنوان (الدولة اليهودية)، وفي سطوره أشار إلى ثمة إحداثيات تثير القلق والتوجس منها ما ذكره الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل (1996م) من أن اليهود لن يندمجوا في المجتمعات الأوروبية، وأن الذين سيندمجون فقط هم أغنياء اليهود؛ هذا لأن المجتمعات الأوروبية هي التي ستقبلهم، أما بالنسبة لليهود الفقراء من الشرق سوف يكونون مصدر إزعاج وقلق لليهود الأثرياء الذين استقروا في غرب أوروبا.
وفي تحليله للمشهد العالمي قام هرتزل بتوصيف الحالة اليهودية بأنه إذا هوت الظروف باليهود سيصبحون من البروليتاريا الثورية، لكنهم عندما ينهضون تنهض معهم قوة في غرب المال الرهيبة. وحدد الصهيوني تيودور هرتزل خطة تحمل أغنياء أوروبا الغربية لدفع تكلفة هجرة فقراء يهود أوروبا إلى الموطن الجديد.
ولم يكتف هرتزل في خطته بالتحليل السابق، بل قام بوضح محاور إضافية تمكنه من تنفيذ فكرة إقامة دولة صهيونية في فلسطين؛ تمثلت هذه المحاور فيما يلي:
1- محور يتجه إلى السلطان صاحب الولاية الاسمية على فلسطين بوصفة خليفة المسلمين.
2ـ محور يتجه إلى بريطانيا التي تقدمت نشيطة وقوية وسابقة للآخرين نحو إرث ممتلكات الخلافة في الشرق.
3- محور يتجه إلى مصر لاعتبارات إستراتيجية.
ويشير محمد حسنين هيكل (1996م) إلى أن هرتزل بالنسبة للمحور البريطاني لم يحتج إلى عناء كثير، فكما يذكر أن “هناك أساس موجود وقائم، وكل ما هناك أن الظروف المستجدة تقتضي الإسراع فيه، ومن الملاحظ أن مسعى هرتزل تجاه إنجلترا لم يبتعد كثيرًا عن مصر، وإنما اتصل بها على نحو قد يكون مباشرًا”.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية