أخبار عاجلة

جوانب الخلاف بين جمعية العلماء والطرق الصوفية (5)

إن الفقهاء الكبار قسموا البدع هذا التقسيم، فقد روي عن الشافعي أنه قال: (البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم)…

أ. د. نور الدين أبو لحية

بقية: الفصل الأول:

جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية حول مفهوم البدعة وضوابطها

المبحث الثاني: موقف الجمعية من البدعة وأدلتها

بناء على ما سبق إثباته من أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين انتهجت المنهج السلفي بمدرستيه المحافظة والتنويرية، وبناء على تبنيها لمنهج الإمام مالك في مواجهة جميع المحدثات، فإنه من البديهي أن تختار الاتجاه الذي يرى أن كل البدع ضلالة، وأنه لا صحة لتقسيمها لمقبولة ومرفوضة، وهذا الرأي – كما عرفنا- هو الرأي الذي اشتهر به الشاطبي، واشتهر به كتابه (الاعتصام)، والذي كانت توليه الجمعية عناية خاصة، كما كان يوليه الاتجاه السلفي بفرعيه المحافظ والتنويري.

وسنحاول في هذا المبحث أن نبين موقف الجمعية من تحديد مفهوم البدعة، وأنواعها، وضوابطها، ثم نذكر الأدلة على ما ذهبت إليه من ذلك مع ذكر مناقشات المخالفين لها.

المطلب الأول: حقيقة البدعة عند الجمعية:

يعرف ابن باديس البدعة بأنها (كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي o فعله وكل بدعة ضلالة)([1]).

ويقول في موضع آخر: (من أبين المخالفة عن أمره o وأقبحها الزيادة في العبادة التي يتعبد الله بها على ما مضى من سنته فيها وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك فيها، وكلا هذين زيادة وإحداث مذموم يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله o وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله o عنها، وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء، ودع ما يجر إليه من بلايا أخرى)([2]).

ويضرب الأمثلة على ذلك، وهي أمثلة تقترب كثيرًا من الأمثلة التي تذكرها السلفية المحافظة، بل كما يذكرها محمد بن عبد الوهاب خصوصًا، يقول في الآثار: (من الناس من يخترع أعمالًا من عند نفسه ويتقرب بها إلى الله مثل ما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها والذبح عليها والخضوع لديها وانتظار قضاء الحوائج منها وهم يعلمون أنها مخلوقة مملوكة له، وإنما يعبدونها – كما قالوا – لتقربهم إلى الله زلفى…. وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص والزمر والطواف حول القبور والنذر لها والذبح عندها ونداء أصحابها وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها وحرق البخور عندها وصب العطور عليها؛ فكل هذه اختراعات فاسدة ليست من سعي الآخرة الذي كان يسعاه محمد l وأصحابه من بعده فساعيها موزور غير مشكور)([3]).

وهذا النوع من الأعمال هو ما اصطلح عليه التيار السلفي بالبدع الحقيقية.

وهناك نوع آخر يطلقون عليه (البدع الإضافية)، ويريدون به تقييد ما ورد من الشعائر التعبدية بمواقيت أو أعداد ونحوها، وقد تحدث ابن باديس كذلك عن هذا النوع واعتبره من بدع الضلالة مخالفًا بذلك أصحاب الفريق الأول، الذي يرى أن هذا الصنف لا يشمله وصف الضلالة وإن شمله وصف البدعة، يقول في بيان ذلك: ( إن ما ورد من العبادة مقيدًا بقيده يلتزم قيده، وما ورد منها مطلقًا يلتزم إطلاقه، فالآتي بالعبادة المقيدة دون قيدها مخالف لأمر الشرع ووضعه، والآتي بالعبادة المطلقة ملتزمًا فيها ما جعله بالتزامه كالقيد مخالف كذلك لأمر الشرع ووضعه وهو أصل في جميع العبادات)([4]).

بل إن الأمر وصل بالشيخ ابن باديس إلى التشدد؛ حتى في ما ورد في الشرع إطلاقه من كل قيد، وهو مما لم يقل به حتى بعض من ينتمي إلى التيار السلفي المحافظ، يقول في ذلك: (وكذلك التزامها في وقت مخصوص بشكل مخصوص كما تلتزم الطاعات التي فرضها الشارع وجعل لها أوقاتًا، فان هذا ليس مما يتسع له صدر الدين ولا مما كان في عهد السلف الصالحين ولا سيما مع التكلف الذي كثر من يرتكبه بإلزام وبغير إلزام)([5]).

وهو يفرق في هذا بين العبادات والمعاملات، يقول في ذلك: (ما يجري به عمل الناس ينقسم إلى قسمين: قسم المعاملات، وقسم العبادات. وقسم المعاملات هو الذي يتسع النظر فيه للمصلحة والقياس والأعراف، وهو الذي تجب توسعته على الناس بسعة مدارك الفقه وأقوال الأئمة والاعتبارات المتقدمة، وفي هذا القسم جاء كلام أبي سعيد هذا وغيره وفيه نقله الفقهاء أو ما تراه كيف يعبر بالعرف والعادة؟. وأما قسم العبادات فإنه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن النبي o، فلا يتقرب إلا بما تقرب به وعلى الوجه الذي كان تقربه به، ومن نقص فقد أخل، ومن زاد فقد ابتدع وشرع، وذلك هو الظلام والضلال)([6]).

================

([1]) آثار ابن باديس، 5/154.

([2]) آثار ابن باديس، 1/224.

([3]) الآثار 87/1.

([4]) الآثار 2/57.

([5]) الآثار 3/235.

([6]) آثار ابن باديس: 3/248.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (36)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …