الإنسان من حيث فطرته الإنسانية مستأنس ألوف بما أودع فيه من الجمالات الحقيقية، التي ميزته عن جميع الكائنات الأرضية، وإنما المعاشرة سبب من أسباب المزاحمة الإبليسية، وقد يظهر للمتأمل أن الإنسان قد اكتسب من الحيوانات البهيمية خلالًا خاصة بها، كالسلب والنهب وسفك الدماء، والتحايل على اكتساب العيش بأي وجه من الوجوه، وهو الأمر الذي لا يفعله إلا من لا عقل له، ولا علم يكتسب به من وجه حل موافق للائتلاف والعمران، فإن الحق سبحانه وتعالى ربط العمران بعضه ببعض، فجعل هذا مميزًا بصفة خاصة به ينتفع بها بنو جنسه، وينتفع منهم بها آونة أخرى، وهكذا….
الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
بقية الركيزة الرابعة: الأخلاق
الأخلاق الصادقة الإسلامية:
الإنسان من حيث فطرته الإنسانية مستأنس ألوف بما أودع فيه من الجمالات الحقيقية، التي ميزته عن جميع الكائنات الأرضية، وإنما المعاشرة سبب من أسباب المزاحمة الإبليسية، وقد يظهر للمتأمل أن الإنسان قد اكتسب من الحيوانات البهيمية خلالًا خاصة بها، كالسلب والنهب وسفك الدماء، والتحايل على اكتساب العيش بأي وجه من الوجوه، وهو الأمر الذي لا يفعله إلا من لا عقل له، ولا علم يكتسب به من وجه حل موافق للائتلاف والعمران، فإن الحق سبحانه وتعالى ربط العمران بعضه ببعض، فجعل هذا مميزًا بصفة خاصة به ينتفع بها بنو جنسه، وينتفع منهم بها آونة أخرى، وهكذا.
وأما الحيوانات فجعل لكل نوع منها وقاية تقي ظاهره، ويجلب بها ما يحتاج إليه، وألهمها كيف تشغل تلك القوى.
ثم أفاض على الإنسان – فضلًا منه – قوى إلهية من قواه الربانية، قهرت تلك القوى الحيوانية، ودبرتها على حسب ما به يكون العمران، فاستأنست النافع من الحيوانات بهذا العلم المفاض من الحق، وقهرت الحيوانات الأخرى التي لا تنفع. كل هذا بالحكمة السماوية، فكل إنسان لم يعتن بهذه الحكم السماوية، واللطيفة النورانية، واستعملها في غير ما وضعت له، انحطت رتبته، واستعمل الحيل الحيوانية في جلب ضرورياته. كل هذا اكتسبه الإنسان من معاشرته للحيوانات، ولذلك نرى أن الذين يعيشون في البلاد الكثيرة الحيوانات المفترسة ويشهدونها، يتخلقون بأخلاقها، ويستعملون أعمالها.
وقد تفضل الله سبحانه وتعالى فأرسل الرسل بالأخلاق الطاهرة الزكية، والصفات البارة الربانية، وجملهم بأكمل الأوصاف وأعظم الخلال، وأمرهم أن يدعوا الخلق للخالق، وأيدهم سبحانه بالدلائل المعجزة للخلق، التي هي في قوة صدق عبدي فاتبعوه. فانقاد الناس لاتباع هذا النور، وخصوصًا من وفقهم الله بهدايته للدخول في دينه، فأتوا بالنواميس الربانية، وبينوا ما يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه وآخرته، وطلب ربه سبحانه وتعالى، بأقوالهم وأعمالهم وإشاراتهم، كل شيء بما يليق به من تصريح أو تلويح، فسلم المسلمون وأسلموا، وخالف المخالفون وتخلفوا.
فالأخلاق المرضية محصورة في كتاب الله تعالى، وما بينه سيدنا رسول الله J بقوله وعمله. فكل من علم تلك الأخلاق وعمل بها ظاهرًا وباطنًا، فهو الإنسان الكامل في الإنسانية.
ولما كانت النواميس الربانية موجبة وجوبًا عينيًّا القصاص والتعزير، وإظهارها بالحبس والسيف على حسب ما يناسب الحال والشأن، ظهر جليًّا أن الرادع الشرعي للإنسان أمران: القرآن والسلطان، والإنسان الذي طهرت أخلاقه وصفاته لا يحتاج لوازع غير القرآن؛ لأن القرآن الشريف وضح وبيَّن وأظهر ما به سعادة المؤمن، وهذا الإنسان المشاهد بنور بصيرته حقيقة الواجب الشرعي، قام بالواجب الذي إذا قصر عنه لا يكون له حظ في الدين. ومن حافظ على الواجب فهو مسلم من عامة المسلمين. وبقدر صدقه في تأدية الواجب ينال الجزاء.
وإنما ينال مرضاة الله تعالى من لم يقف به العزم على حد الواجب، بل يسارع في القربات، ويبادر إلى النوافل بكل أنواعها، فيتقرب إلى ربه ببذل كل عظيم من مال وزمان وشرف وشهرة وعلو في الأرض وعافية وقوة وغير ذلك، بسرور وانشراح ومداومة، وتجدد ومزيد غير واقف عندما يزول، بل بغيته رضوان الله وفضله، صغرت في عينه كل قربة وعمل ومال، فكان في كل نفس يزداد إقبالًا ومسارعة، ويزداد على عمل العناء والتعب سرورًا ونشاطًا، طارحًا كل جزاء وشرف ورفعة في الدنيا، وملك ونعمة في الآخرة وراء ظهره. وبهذا ينال العبد رضاء ربه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (الحديد: 27). فالواجب واجب لشكر المنعم، والإقرار بالعبودية، وإنما نوال الرضا لا يكون إلا بأن يرخص في عينه كل نفيس في جانب بذله للقربة، ونوال الرضا من الله تعالى.
الأخلاق:
هِيَ الأَخْلَاقُ أَسْـــــرَارُ الْمَعَالِي
تُفَاضُ عَلَىٰ أُولِي الْهِمَمِ الْعَوَالِي
تَــــــرىَ الإِنْسَانَ إِنْسَانًا عِيَانًا
وَتَشْهَدُهُ بِهَا نُــــــــــورَ الْمِثَالِ
يَلُوحُ عَلَيْهِ نُورُ الْوَصْفِ يُجْلَىٰ
كَمَا يُجْلَىٰ عَلَى الْمَلَكِ الْمُوَالِي
بِأَخْلَاقِ الْمُهَيْمِنِ قَدْ تَحَلَّــــــىٰ
فَحَلَّ مَقَامَ أَعْلَىٰ بِالْجَمَــــــــالِ
فَذُلِّي لِلْعَلِيِّ بِـــــــــــهِ فَخَارِي
وَفَقْرِي لِلْغَنِيِّ بِهِ نَوَالِــــــــــي
بِأَضْدَادِ الصِّفَاتِ أَنَالُ قُرْبِـــي
وَأَحْظَىٰ مِنْ إِلَٰهِي بِالْوِصَــــالِ
بِأَخْلَاقِ الْمُرَادِ وَقَـــدْ أَضَاءَتْ
بِأُفْقِ الْقَلْبِ شَمْــــسُ الإِتِّصَالِ
عَلَى الْخُلُقِ الْعَظِيمِ بِهِ رُقِيِّـــي
لأِفْقِ شُرُوقِ أَنْوَارِ الْمَجَالِــــي
بِهِ أَنَا عَبْدُ ذَاتِ اللَّهِ شَغَفِـــــــي
بِتَحْقِيقِي بِمَنْزِلَتِـــــــــي وَحَالِي
بِذُلٍّ وَافْتِقَارٍ وَاضْطِــــــــــــرَارٍ
وَرَغَبٍ ثُمَّ رَهَـــــــبٍ مِنْ جَلَالِ
وَحَاِلـــــــــي بَيْنَ شُكْرٍ لِلأَيَادِي
مِــــــنَ الإِحْسَانِ أَوْ بَيْنَ ابْتِهَالِ
وَبَيْنَ الْعَجْزِ عَنْ حَصْرِ الأَيَادِي
وَعَنْ حَصْرِ الْعَطَايَا بِالْمَقَــــــالِ
وَبَيْنَ تَضَــــــــرُّعٍ لِزَوَالِ بُؤْسٍ
وَطَمَعٍ فِي إِجَابَتِهِ سُــــــــــؤَالِي
وَأُنْسٍ بِالتَّجَلِّي حَالَ صَفْـــــوِي
وَطَمَع ٍفِي السَّعَادَةِ فِـــــي الْمَآلِ
عُبَيْدٌ وَصْفُ سَيِّـــــــــــدِهِ تَجَلَّىٰ
وَفِي كُلِّ الْمَظَاهِرِ قَـــــــدْ بَدَالِي
فَلَمْ تُشْهَدْ لِــــــــــــيَ الآثَارُ إِلَّا
لِيَرْأَىٰ نُورَ مُبْدِعِهَا خَيَالِـــــــي
وَمَا شَهِدَتْ عُيُونُ الرَّأْسِ أَثَرًا
فحَجَّبَنِي عَـــنِ الْمَعْنَى الْمِثَالِ
وَلَٰكِنِّي بِعَيْــــــنِ الْقَلْبِ أَرْأَىٰ
جَمَالًا مَاحِقًا فَــــــيْءَ الظِّلَالِ
بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِي بَلْ وَنُطْقِي
وَبَطْشِي لَا بِمَـــزْجٍ وَانْفِصَالِ
وَكُلُّ مَعَالِمِي نُـــــورٌ تَسَامَىٰ
يَلُوحُ بِهَا بِلَا قَيْـــــــدِ اعْتِقَالِ
فَتَشْهَدُهُ بِهِ فِيهَا تَعَالَــــــــــىٰ
فَنَزِّهْ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَــــــالِ
مَقَامُ الْعَبْدِ فَوْقَ الْعَقْلِ قَـدْرًا
يَكَادُ بِهِ يَكُونُ مِنَ الْمُحَــالِ
فَقُرِّبَ بِالْقَرِيبِ إِلَىٰ قَـرِيبٍ
وَبُعِّدَ عَـــــــنْ بَعِيدٍ بِالْعِقَالِ
وَنُورُ اللَّهِ سِرُّ الْحُبِّ يُعْطَىٰ
بِفَضْلِ اللَّهِ لَا بالإِنْفِعَــــــالِ
وَمَا أُخْفِي لِعَبْدِ الذَّاتِ غَيْبٌ
عَنِ النَّفْسِ الَّتِي ذَاقَتْ مَقَالِي
بِقَدْرِ الْمُنْعِمِ الْوَهَّابِ يُعْطَىٰ
فَفِرَّ عَنِ التَّشَكُّكِ وَالْجِـــدَالِ
فَفَضْلُ اللَّهِ مَوْلَانَا عَظِيــــمٌ
يُنَالُ بِفَضْلِهِ مَحْضَ النَّوَالِ
وَعَبْدُ الذَّاتِ فَرْدٌ قَدْ تَحَلَّىٰ
بِأَخْلاَقِ الْمُهَيْمِنِ وَالْجَمَالِ
عَزِيزٌ بِالْعَزِيزِ عَظِيمُ قَدْرٍ
بِمَوْلَاهُ سَمَا رُتَبَ الْمَعَالِــــي
سَقَاهُ الْمُصْطَفَىٰ رَاحًا طَهُورًا
وَجَمَّلَهُ بِحُلَلِ الإِتِّصَـــــــالِ
وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ بِهِ فَصَحَّـــــتْ
مَعَارِجُهُ عَلَىٰ نَهْجِ الرِّجَالِ
هِيَ الأَخْلَاقُ نِسَبٌ وَاتِّصَالٌ
إِلَىٰ أَوْجِ التَّنَزُّلِ وَالْمَجَالِــــي
هِيَ النَّسَبُ الْقَرِيبُ إِلَىٰ قَرِيبٍ
وَحِصْنُ الْحِفْظِ مِنْ كُلِّ الْوَبَالِ
وَهَدْيُ الْمُصْطَفَىٰ مِعْرَاجُ قُرْبٍ
إِلَىٰ نَيْلِ السَّعَادَةِ وَالْوِصَـــــــالِ
عَلَىٰ ذَاتِ الْحَبِيبِ صَلَاةُ رَبِّي
وَأَصْحَـــــابٍ وَأَحْبَــــابٍ وَآلِ
السماع والعيان:
إذا أشرقت على القلب أنوار اليقين من فضل الله تعالى، تلقى خبر الصادق من حيث التصديق به، والعمل بأمره، كتصديق وعمل المعاين المشاهد، وهو الإيمان حقيقة الذي مدحه الله تعالى، وأثنى على أهله. وذلك لأن الأرواح في عالم الذر، شهدت الجمال الإلهي، وسمعت الخطاب الرباني، فهي في شوق إلى ما شهدت وسمعت، فإذا أخبرها الصادق اطمأنت وسكنت إلى الحق لما ذاقته من معاني خبره، الذي صادف ما تشتاق إليه، فوقع موقع الشهود العيني.
ولذلك ترى كثيرًا ممن لا يتصورون المعاني الإلهية، ولا الحقائق العلمية، إذا أخبر بحقيقة ما حنَّ إلى تلك الحقيقة، وإذا أمر بأمر قام به بشوق، مسارعًا مداومًا عليه، مشاهدًا فيه ما لم يشهده غيره ممن علم. بينما نرى أن كثيرًا ممن علموا يتهاونون بالأوامر، وربما وقعوا في المنهيات، فيستنتج من هذا أن خبر الصادق عند الممنوح، كرفع الحجاب عند أهل اليقين. والوسعة في العلم لا تقتضي الشوق والحب، ولذلك فالله تعالى أثنى على الذين يؤمنون بالغيب ثناء حقيقيًّا، وأخبر أنهم هم المفلحون، وأخبر أنهم يوقنون بالآخرة.
فالإيمان مواهب إلهية، به النور والنجاة، فإذا منَّ الله بالعلم لعبده، كان ذلك من الفضل العظيم، وبهذا أرى أن العلم غير الإيمان، وأن الإيمان لا بد منه قبل العلم. والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتعلمون الإيمان قبل القرآن، فيزدادون إيمانًا بالقرآن على إيمانهم.
ومن هذا ترى أن أهل الله يحبون أهل التسليم والانقياد؛ لأنهم أول أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين يقع منهم خبر الصادق موقع عين اليقين لصفاء قلوبهم. وهم الذين يعملون جميع الأركان والنوافل بشوق لشدة مشاهدتهم، وكمال تصديقهم؛ إلا أنهم يحتاجون إلى المرشد الكامل، والحكيم العارف، الذي يخبرهم بما يناسب نفوسهم من العلم والعمل؛ حتى يكون لهم رقي مناسب لقواهم، لينهجوا على المنهج الوسط، لتكون أحوالهم متوازنة بين الروح والجسد، ويدوم مزيدهم حتى يبلغوا من العلم أعلاه، ومن المعرفة أكملها.
وبذلك يكون الإنسان مؤمنًا حقيقة، عاملًا من عمال الله تعالى، مسارعًا إلى مرضاته من جهاد وإنفاق وعبادة ومعاملة، علمًا وكشفًا. وهذا الإيمان هو المطلوب من كل إنسان، بالنسبة للداعي إلى الله سبحانه على بينة، ثم بعد التصديق والإقرار يتلقى منه العلم، عاملًا بأوامره منتهيًا عن نواهيه.
أما أهل الجدل والغرة بالله تعالى – ممن أبعدهم الله عن نور التسليم – أو الهمج الرعاع – الذين ينقادون ويتبعون كل ناعق من غير تبصرة ولا علم – فإن الداعي إلى الله تعالى يدعو إلى التوحيد الذي هو صبغة النفوس الزكية، وإلى الفضيلة من العمل والخلق، وصلة الرحم، وإكرام الجار، وتقبيح الطمع والحرص وكل قبيح لدى العقول السليمة – أما أهل الجدل والهمج، فإن الله سبحانه قطع المجادلين لغرورهم بعقولهم المكسوفة، وعلومهم التي هي جهل، وآرائهم الفاسدة. وأما الهمج فإن الله سبحانه أبعدهم لحرمانهم من نور العقل، الذي به التمييز بين المحق والمبطل، ولعكوفهم على الحرص على النفع العاجل، وصرف هممهم عن الخير الآجل؛ لأنهم لم يمنحوا نور التسليم للحق، ولا نفسًا زكية تتصور معاني الحق.
وهذان النوعان في الناس كثيرون، وهم أعداء ما جهلوا. فالداعي إلى الله تعالى عليه أن يتحفظ على أهل التسليم من أهل الجدل، ويتحفظ على نفسه من الجهلاء الهمج. فإنهم لا يلبثون معه إلا ريثما يسمعون ناعقًا بباطل فيميلون إليه ويقصدونه. أو يسمعون سرًّا من المرشد من أسرار الحكمة، وغرائب العلوم، ولطائف المعرفة، فينشرونها أمام أهل الغرة والجدل. أو يزيدون عليها من الثناء على المرشد، وذكر أوصاف يكرهها وتنكرها النفوس، فيفتحون على أنفسهم أبواب الإنكار، وغوغاء أهل الفساد، مع عجزهم عن رد أباطيل المفسدين، ومداراة المغرورين.
فالمرشد مكلف شرعًا أن لا يصطفي لأسراره إلا الذين يسمعون منه الحكمة والمعرفة، ليكملوا أنفسهم ويعملوا ليزداد إيمانهم، لا الذين يستمعون القول فيجادلوا به، ويطلبوا به العاجل الفاني فيكونون أبوابًا مفتحة للفساد، أو سرجًا تضيء لتحترق.
والصالحون المصلحون قليلون، وواحد منهم كأمة، فليجتهد العارف بالله تعالى، ويجاهد ليفوز بمن يفقه علومه به، ويتجمل بأحواله وأخلاقه، ويكون رحمة للناس ونورًا لهم، يدعو إلى الله تعالى على بينة من أمره، ومنهج الأئمة الهادين، والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المواجهة:
هي صفاء القلب، واستراحة النفس الملكية من شواغل النفوس، ومن لوازم الجسم اللازمة له بحسن يقين ونور علم، وأمن على النفس والمال والولد، وتوكل حسن وادكار.
فإذا حصلت تلك المواهب للطالب الصادق، تجلى للقلب نور المعية، وللنفس أسرار معاني الأسماء، فتجمل الطالب بجمال الأخلاق، وأنس بالحضور، وغاب عن دواعي النفوس ولوازم الجسد غيبة سرور بما فاز به من الجمالات، وما انكشف له من الكمالات، وما تكشف له من دناءة الدنيا وما فيها من زهرتها، ودام له هذا الأنس حتى صار لازمًا له، بمزيد في كل نفس حتى يكون مقامًا له لا حالًا.
وفي هذه الحالة يكون مؤهلًا للمواجهة، وهي أن يمنح نفثة الروح القدسية، فينظر بعين القدس، وينطق ويبطش، ويكون مواجهًا بجميل الوجه وجماله، حاضرًا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهي منزلة الأفراد المحبوبين، المطلوبين للجانب العلي، وللفوز بمشاهدة الولي، والله ذو الفضل العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وورثته وسلم.
خير الأمور الوسط:
معلوم أن التغالي بطلان، والتهاون عن الوسط خسران، ذلك في الأمر كله، والوسط هو الخير الحقيقي.
والفضيلة الكاملة مختلف فيها، فقيل: ما يحكم به العقل السليم، وقيل: ما دلت التجربة على حقيقة نفعه وصحة خيره، وأجمع أهل التجربة على فائدته. وذلك وسط، ولكنه ليس هو الوسط الذي يطمئن به القلب، وتحصل به السعادة في الدنيا والآخرة، وينتج الإقبال والقبول، وتوارد الواردات الحقة، والأنوار الربانية.
والوسط الذي هو الفضيلة والخير البحت، والسعادة القصوى التي وعدها الله تعالى عباده الصالحين، هي الأوامر التي أمر الله بها، ورغب في عملها، وندب إليها من فرض ونفل. وأدنى تلك الفضائل أن يتحصن بالحد الفاصل بين الحق والباطل. وأكملها أن يتجمل بالعزائم والمسارعة إلى العمل الشاق من أعمال البر وتحمل مرارة جميل الأخلاق، من العفو والسماح والتواضع، والإحسان إلى المسيء، وصلة القاطع، وود البغيض. وما أشبهها مما لا يقوم به إلا من أعانهم الله سبحانه بعنايته. هذا هو الوسط.
والوسط في الاعتقاد أن يعقد قلبه على العقيدة الحقة، التي قررها القرآن وسكن إليها، ولا يبالغ في ذلك ولا يعادي أهل الإيمان، ولو أنهم لم يبلغوا مبلغه في العلم، ولا يرفع الخلق إلى درجه تجعله بما وقع في الشرك. وليضع كل إنسان موضعه، وكل مخلوق قدره الذي يجب له شرعًا.
هذا وإن كثيرًا من أهل الإيمان يظنون بالناس جميعًا خيرًا، فيوقعونهم في مضار كثيرة، وأنا أستحسن أن تظن بالناس خيرًا، ولكن تحتاط في معاملتهم حيطة تحفظ لك مودتهم، وتبقى لك عشرتهم، وليكن الاحتياط بطرق تخفى على الناس؛ حتى لا يشعروا منك أنك تحطاط منهم، فيسيئوا بك الظن، وتقع في مضرة عملهم.
واجعل حسن ظنك بالله سبحانه وحده، وثقتك به سبحانه وتعالى. واحترس من الناس جميعا احتراسًا لا يجعلك تقطعهم، ولا تتهاون لهم تهاونًا يفسدهم. ولكن كن يقظا، لا ينسيك حسن عملهم، وخضوعهم وإقبالهم، وسوسة الشيطان لهم، وإفساده لقلوبهم، وإبعادهم وتغيير حالهم.
فكن معهم إن أحسنوا، متوسطًا لهم، حتى إذا أساءوا لم تنزعج؛ لأنك متيقظ لهذا، متحقق أنهم محل الإحسان والإساءة، فتحذر السوء منهم في أكمل أحوال إحسانهم، فإن الحاجة والضرورة والخوف، ورغبة الخير، ظواهر تضطر الإنسان أن يظهر بالبر والإحسان والخشوع والخضوع. كما ترى الملتصقين بالسلاطين، كيف يخضعون ويتذللون لهم، ويمدحونهم ويقبلون منهم القبيح بأحسن القبول، بسرور من قبولهم الحسن من غيرهم؛ حتى إذا نكبتهم نكبات القضاء، تنكروا عليهم.
وكذلك المريدون، فإنهم – مع حسن إقبالهم، وجمال أعمالهم، وكمال تصديقهم – لا يؤمن عليهم من لمة الشيطان، وحظوظ النفس والهوى، فربما انقلبوا أعداء للحق.
فالعارف اليقظ في كل نفس، ينتظر ذلك، ويعمل بكل حيطة، لحفظ إخوانه من الفتور أو التهاون، أو الغفلة أو القطيعة. فإذا حصل شيء من ذلك، لم ينزعج لعلمه بالنفوس، وسرعة تغيرها، وينتظر فيئة الأخ إن كانت مما يعتاده المريد من الأحوال التي تحصل من المؤمنين، كالتساهل بالزيارة أو البحث عن حقيقة، أو العمل بأكثر مما أمر به.
أما إن كانت ناتجة عن خبث في النفس، وسوء في العقيدة، وظلمة في القلب، وسابقة السوءى – والعياذ بالله تعالى – فالأولى للعارف أن يداريه مداراة تجعله بدلًا من أن يشغله بإساءته، يستريح من شره، ويحفظ إخوانه من كيده، والله هو الحفيظ.
والوسط في العبادة اقتداء بالسيد J، حتى لا يدخل على نفسه الغرور بالغلو، ولا نسيان للخير بالتهاون، فالوسط خير الأمور، والله تعالى هو الموفق لا إله سواه.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية