أخبار عاجلة

أباطيل الإسلام السياسي (الأسس الفكرية للإرهاب) [91]

أهل الفترة هم الذين فتر عنهم الوحى أى انقطع، مثل الذين عاشوا بين أزمنة الرسل، فلم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثانى..

الدكتور محمد حسيني الحلفاوي

النواصب الجدد (4)

قال محدثى:

أريد معرفة بعض فتاوى علماء الأمة قديمًا وحديثًا حول هذه المسألة:

قلت:

أولًا– أقوال العلماء فى مصير أهل الفترة عمومًا:

وأهل الفترة هم الذين فتر عنهم الوحى أى انقطع، مثل الذين عاشوا بين أزمنة الرسل، فلم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثانى.

ورأى جمهور أهل السنة والجماعة (الأشاعرة ): أنهم ناجون وفى الجنة – بإذن الله – وعمدة أدلتهم:

الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).

وهذه بعض أقوال العلماء:

– يقول العلامة تاج الدين السبكى: “من لم تبلغه الدعوة فعندنا يموت ناجيًا”([1]).

– يقول العلامة الأبى: “ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة، علمنا أنهم غير معذبين”([2]).

– العلامة ابن حجر الهيثمى: “والذى عليه أكثر أهل السنة والجماعة أنه لا يجب توحيد ولا غيره إلا بعد إرسال الرسل إليهم، ومن المقرر: أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل A، وأن إسماعيل انتهت رسالته بموته”([3]).

ثانيًا– أقوال العلماء فى مصير الوالدين الكريمين:

قال الإمام السيوطى: “ذهب جمع كثير من الأئمة الأعلام إلى أنهما ناجيان ومحكوم لهما بالنجاة فى الآخرة، وهم أعلم الناس بأقوال من خالفهم… ومن أحفظ الناس للأحاديث والآثار ومن أنقد الناس للأدلة التى استدل بها أولئك، فإنهم جامعون لأنواع العلوم ومتضلعون من الفنون… فلا يظن بهم أنهم لم يقفوا على الأحاديث التى استدل بها أولئك معاذ الله، بل وقفوا عليها وخاضوا غمراتها وأجابوا عنها الأجوبة المرضية التى لا يردها منصف، وأقاموا لما ذهبوا إليه أدلة كالجبال الرواسى”([4]).

فهذا الخليفة العادل عمر بن عبد العزير:

يصاب بالصاعقة عندما يسمع من رجل من كتاب الشام القول بأن: أبا النبى مات مشركًا!! ويستنكر هذه المقولة قائلًا: آه. ثم سكت، ثم رفع رأسه، ثم قال: أقطع لسانه، أقطع يده ورجله، أضرب عنقه، ثم قال: لا تلِ لى شيئًا ما بقيت!!([5]).

وهذا الإمام القسطلانى:

يقول: “الحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذى النبى o؛ لأن العرف جاء بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه أو وصف بوصف وذلك الوصف فيه نقص، تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة”([6]).

وهذا الإمام ابن حجر الهيتمى:

يقول: “احذر أن تروغ عن القول بنجاتهما، فإنه صلى الله عليه وسلم حذرك من ذلك بقوله لما اشتكى إليه عكرمة رضى الله عنه أن الناس يسبون أبا جهل: (لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات) رواه الطبرانى فى الصغير… فعلى العاقل أن يصرف نفسه عن هذه الورطة الصعبة التى قد تفضي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى”([7]).

وقام بالرد على إدعاء أبى حيان بأن الرافضة هم القائلون: إن آباء النبى o غير معذبين، قائلًا: “إن مثل أبى حيان إنما يرجع إليه فى علم النحو وما يتعلق به، وأما المسائل الأصولية فهو منها بمعزل، كيف والأشاعرة – وهم أكثر أهل السنة والجماعة – ومن ذكر معهم، على أنهم مؤمنون فنسبة ذلك إلى الرافضة وحدهم – مع أن هؤلاء هم أئمة السنة قائلون به – قصور أى قصور وتساهل أى تساهل”([8]).

وهذا الإمام الأكبر شيخ الأزهر إبراهيم الباجورى صاحب ” شرح جوهرة التوحيد”:

يقول: ” إذا علمت أن أهل الفترة ناجون على الراجح، علمت أن أبويه o ناجيان لكونهما من أهل الفترة، بل جميع آبائه o وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر، ولا رجس، ولا عيب، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية بأدلة نقلية: كقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 219)، وقوله o: (لم أزل أنتقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات)، وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر”([9]).

ويقول العلامة محمد أبو زهرة:

“ولا شك أن الخبر الذى يقول أن أبا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فى النار خبر غريب فى معناه، كما هو غريب فى سنده؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15)، وقد كان أبو محمد عليه الصلاة والسلام وأمه فى فترة من الرسل، فكيف يعذبان؟!! إن هذا مخالف للحقائق الدينية، لقد مات أحدهما قبل أن يبرز الرسول إلى الوجود، وماتت الأخرى وهو غلام لم يبعث رسولًا، ولذلك كان الخبر الذى يقول أنهما فى النار مردودًا لغرابة سنده أولًا، ولبعد معناه عن الحقيقة ثانيًا، ولعل نهى النبى عليه الصلاة والسلام عن الاستغفار؛ لأن الاستغفار لا موضع له، إذ إنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبى مبعوث… وفى الحق أنى ضرست فى سمعى وفهمى عندما تصورت أن عبد الله وآمنة يتصور أن يدخلا النار؛ إنى ضرست لا لمحبتى للمصطفى الحبيب فقط وإن كانت كافية، ولكن لأن قصة آمنة جعلتنى لا استطيع أن أتصور هذه الصبور معذبة بالنار، وقد شبهتها بالبتول لولا أن الملائكة لم تخاطبها.. وخلاصة القول: أنه بمراجعة النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة لا يمكن أن يكونا فى النار، فأمه المجاهدة الصبور، الحفية بولدها لا تمسها النار؛ لأنه لا دليل على استحقاقها، بل الدليل على وجوب الثناء عليها هى وزوجها الذبيح الطاهر، وما انتهينا إلى هذا بحكم محبتنا لرسول الله o، وإن كنا نرجوها ونتمناها، ولكن بحكم العقل والمنطق والقانون الخلقى المستقيم والأدلة الشرعية القويمة ومقاصد الشريعة وغاياتها”([10]).

ويقول الشيخ محمد الغزالى:

“رأيت نفرًا من هؤلاء يغشون المجامع مذكرين بحديث: “إن أبا رسول الله فى النار” ، وشعرت بالاشمئزاز من استطالتهم وسوء خلقهم، قالوا لى: كأنك تعترض على ما نقول؟

قلت ساخرًا: هناك حديث آخر يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فاختاروا أحد الحديثين! قال أذكاهم بعد هنيهة: هذه آية لا حديث!! قلت: نعم جعلتها حديثًا لتهتموا بها، فأنتم قلما تفقهون الكتاب”!([11]).

ويقول في موضع آخر:

“وقد غاظنى أن أحدهم كان يطير فى المجامع بحديث “أبى وأبوك فى النار”، وكأنما يسوق البشرى إلى المسلمين، وهو يشرح لهم كيف أن أبوى رسولهم فى النار!!

قلت: قبحك الله من داع أعمى البصيرة! ما لديك شيء من فقه الإسلام، ولا من أدب الدعوة، ومثلك لا يزيد الأمة إلا خبالًا باسم السنة، والسنة منك براء!

وقد سمعت بأذنى من يقول: الحديث صحيح وهو يخصص عموم الآية، فأهل الفترة ناجون جميعًا – عدا عبد الله بن عبد المطلب!! قلت له: ماذا فعل حتى يستحق وحده النار؟ كان عبد الله شابًّا شريفًا عفيفًا حكى عنه التاريخ ما يزينه! ولم يحك عنه ما يشينه! والآية خبر لا يتحمل استثناء، فما حماسكم فى تعذيب عبد الله؟! وما جريكم هنا وهناك بهذه الشائعة؟ وماذا وراء تأكيدكم أن أبوى الرسول فى النار! إننى أشم رائحة النيل منه فى هذا الحماس الأعمى!([12]).

حتى العلماء الذين صححوا سند الرواية – رغم أن المتن شاذ ويخالف قطعيات القرآن الكريم – التزموا بالأب وقالوا لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك ومنهم الإمام السهيلى الذى يقول:

” وليس لنا نحن أن نقول ذلك فى أبويه بعد قوله o: (لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ (الأحزاب: 57)([13]).

واستدلوا بما جاء فى الحديث الصحيح:

جاءت بنت أبى لهب إلى رسول الله o فقالت: يا رسول الله، إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار، فقال o وهو مغضب: (ما بال أقوام يؤذون قرابتي، من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله)، رغم أن أبا لهب مقطوع بكفره ودخوله النار بنص القرآن الكريم.

فما بال أبوي النبي o ولم يسجدا لصنم قط، وكانا مثالين للأخلاق القويمة.. والنبي الأكرم حي في قبره.. فانتبهوا.

=============================

([1]) تاج الدين السبكى: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تحقيق على عوض، عادل عبد الموجود، عالم الكتب بيروت، ط1 1999م ج1 ص 474.

([2]) شرح الأبى والسنوسى على صحيح مسلم، دار الكتب العلمية، بيروت ج1 ص 370.

([3]) ابن حجر الهيتمى: المنح المكية فى شرح الهمزية، دار المنهاج، ط2، 2005م ص 103.

([4]) السيوطى: الدرج المنيفة فى الآباء الشريفة، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن، سنة 1316هـ  ص2، 3.

([5]) ابن عساكر: تاريخ دمشق، تحقيق محب الدين العمروى، طبعة دار الفكر، طبعة 1995م، ج45 ص 222.

([6]) القسطلانى: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، المكتبة التوفيقية بالقاهرة، ج1 ص 111.

([7]) وذلك فى كتابه ” النعمة الكبرى ” نقلًا عن كتاب ” ” سداد الدين وسداد الدين فى إثبات النجاة والدرجات للوالدين ” مرجع سابق “ص 87.

([8]) ابن حجر الهيتمى: المنح المكية فى شرح الهمزية “مرجع سابق”، ص103.

([9]) إبراهيم الباجورى: شرح جوهرة التوحيد، ج1 ص 83.

([10]) محمد أبو زهرة: خاتم النبيين ” مرجع سابق ” ص 118،119.

([11]) محمد الغزالى: هموم داعية ص 21.

([12]) محمد الغزالى: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 143، 144.

([13]) السهيلى: الروض الأنف فى شرح سيرة ابن هشام ” مرجع سابق ” ج2 ص 121،120.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …