في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 92]، يبين الله تعالى لنا أحوال اليهود التي ينكرها الشرع والعقل؛ وتقوم عليهم بها الحجة أنهم قوم لا يصلحهم إلَّا قهر فرعون لهم؛ لأنهم لما أنجاهم الله منه كان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله عليهم…
فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي
النفوس التي لا يصلحها إلا القهر يفسدها العدل والحرية والمساواة
في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 92]، يبين الله تعالى لنا أحوال اليهود التي ينكرها الشرع والعقل؛ وتقوم عليهم بها الحجة أنهم قوم لا يصلحهم إلَّا قهر فرعون لهم؛ لأنهم لما أنجاهم الله منه كان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله عليهم.
ولكن النفوس التي لا يصلحها إلا القهر؛ يفسدها العدل والحرية والمساواة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: 16 – 17].
وصدق الله العظيم، فإن اليهود أشهدهم الله تعالى من الآيات العلية ما تنجذب به قلوب الذين اهتدوا، ولكنهم أخزاهم الله تعالى؛ فلم يزدادوا إلا بغيًا وكفرًا بالله وبرسله.
“وفي تلك الآية رمز إشاري؛ وهو أن المعجزات المحسوسات والآيات البينات لا تُغَيِّرُ النفوس النَّجِسة، ولا تُزَكِّي الطبائع اللَّقِسَة، ولا ترفع العقول المنحطة، ولا الضمائر السافلة.
فلو كانت المعجزات تُخرِج الإنسان من الكُفر والظلمات؛ لنفعت معجزات موسى بني إسرائيل ونَجَّتْهُم مِن كُفرهم وعِبَادة العجل، وكانت أقدامهم لم تجف من البحر حين فلقه موسى A بعصاه!.”
البينات التي جاء بها موسى A
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الحجة عليهم، والبينات التي يذكرها الله تعالى منها:
العصا التي أبطلت عمل السحرة، وفلقت البحر، وأنبعت الماء من الحجر متفجرًا ينابيع.
ومنها: اليد البيضاء التي بعد ضمها إلى جيبه تخرج بيضاء، كأنما هي نجم ثاقب.
ومنها: أخذ الله منهم الميثاق أن يأخذوا ما في التوراة بقوة بعد أن رفع فوق رؤوسهم الطور.
وغيرها؛ مما بينه القرآن المجيد في آيات كثيرة.
و﴿الْبَيِّنَات﴾: جمع بَيِّنَة، وهي الآية التي تُعْجِز البشر.
الله تعالى منزه عن الجسمية التي تحتاج إلى حيز وحدود
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ ذم لليهود يخزيهم؛ لأن الله بعد أن أرسل موسى A وأشهدهم بحسهم وعقلهم آيات بينات أعجزت العقل، وأعجزت فرعون الذي كان يدعي الربوبية فيقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24] ويدعي الألوهة فيقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]ٍ، وغير ذلك مما لا تفي العبارة ببيانه.
وكل ذلك لتقوم عليه الحجة بتنزيه الله وعلوه عن الجسمية التي تحتاج إلى حيز وحدود، وعن الوالد والولد، وعن الاحتياج إلى المكان والمعين.
ثم بعد هذا كله يقدم لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار فيتخذونه إلهًا يعبدونه بحب وتعظيم عجيب!.
وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ يعني: من بعد مجيء موسى A؛ وبعد هذا البيان الذي يكاد يكون أقوى من لمس الحقائق.
يقول الإمام المجدِّد في هذا السياق من تفسيره لتلك الآية: “وتفسير هذه الآية بتلك العبارة أحب إليَّ، وإن جاز أن نفهم أن قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد خروج موسى لوفاء وعد ربه ليتشرف موسى بمناجاة ربه سبحانه”.
والمعصية التي ارتكبها قوم موسى، هي أنهم سرقوا حلي المصريات بحيلة، وفرحوا به، فابتلاهم الله تعالى فجعلوا هذا الحلي عجلًا بإضلال السامري، وكان عاقبة هذا الأمر غضب الله عليهم وقتلهم أنفسهم بسبب تلك المعصية.
فنسأل الله سبحانه أن يحفظنا من المعاصي.
الفرح بالمعصية قد يُوقِع فيما هو شر منها
في قول الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ ظَالِمُون﴾ أي: ظالمون لأنفسهم؛ لأن الخلق لا يقدرون على ظلم ربهم، وظلمهم هذا إنما كان لسلبهم مال غيرهم وفرحهم بمعصية الله تعالى، فأوقعهم الفرح بالمعصية – الذي هو فطرة النفس الأمارة بالسوء – فيما هو شر من المعصية، وهو الشرك بالله تعالى بعبادة العجل بعد قيام الحجة ووضوح المحجة.
مما يقال لمن أقام على عيبه ورضي بمرض قلبه
وفي إشارة لابن عجيبة: ويقال لمن أقام على عيبه، ورضي بمرض قلبه، حتى لقي الله بقلب سقيم: لقد جاءتكم أوليائي بالآيات الواضحات، ولو لم يكن إلا شفاء المرضى على أيديهم – أعني مرضى القلوب – لكان كافيًا، ثم اتخذتم الهوى إلهكم، وعبدتم العاجلة بقلوبكم، وعزَّتْ عليكم نفوسكم وفلوسكم، وأنتم ظالمون في الإقامة على مساوئكم وعيوبكم، مع وجود الطبيب لمن طلب الشفاء، وحسّن الظن وشهد الصفاء. “كن طالبًا تجد مرشدًا” وبالله التوفيق.
تذكير لبني إسرائيل بما وقع فيه سلفهم
وفي قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93]، يذكِّر اللهُ تعالى يهود بني إسرائيل من معاصري رسول الله o بما وقع فيه سلفهم؛ مما لا يخرج عما ارتكبوه هم مع رسول الله o.
من حكمة تكرير بعض الآيات القرآنية
الله I يأتي بالآية بعد الآية، فيظن الجاهل بهذا السياق أن الله تعالى يعيد الآية برمتها مكررة من غير حكمة، وهذا هو الجهل المركب.
لأن الله تعالى لا ينزل آية بعد آية فيذكر في المتأخرة شيئًا من الأولى إلا لحكمة يتذوقها العارفون بالله تعالى ويسلمها السالكون لله تسليمًا، والآيات في هذا الشأن أكثر فيما يقصه الله علينا من قصص الرسل وأخلاق أتباعهم.
فالله تعالى قال في الآية السابقة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63]، فلم يبين لنا سبحانه حال المخاطبين بعد تلك المعجزة الباهرة، وأنزل هذه الآية التي هي: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 93]؛ ثم بيَّن حالهم السيئة التي لا يقع فيها إلا ظلوم جهول؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاسْمَعُواْ﴾ بدل قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ﴾، فأجابوا بكلمة هي الكفر الصريح وهي أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.
وقيل في معنى: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93]؛ أي: خذوا ما آتيناكم بجد وحزم، واسمعوا ما أمرناكم به سماع تدبر وطاعة، ولكنكم – يا بني إسرائيل يا من تدَّعون الإِيمان بما أنزل عليكم – أعرضتم عما أُمِرتم به من قبول التوراة وقلتم لنبيكم: سمعنا قولك وعصينا أمرك.
وقيل: معنى “اسمعوا”: أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد: اعلموا ما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده؛ أي: قَبِل وأجاب.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية