أخبار عاجلة

وصية إلى الرجل المسلم (6)

أنتم الأمة ولكم ثمرات ما تعزمون، وبكم حياة الأمة وتقويم معوجها، أنتم حماة الأخلاق والآداب، ارفعوا أصواتكم عالية ليعود الدُّر إلى صدفه، والفضائل لأهلها، وتمحي الرذائل والمفاسد، ويعود للإسلام ما كان له من العظمة العلمية والصناعية والفنية، وحتى تصبح بلاد الإسلام كما كانت كعبة طلاب العلوم، ومبعث أشعة أنوار الحرية، ومصدر الحضارات التي عمت الغرب والشرق….

الدكتور جمال أمين

وصيتي إلى شباب الإسلام

نص الخطاب الذي ألقاه الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم 0 في دار الشبان المسلمين، غرة جمادي الأولى سنة 1346ھ، يوم الخميس الموافق 27/10/1927م.

يا شباب الإسلام:

أنتم الأمة ولكم ثمرات ما تعزمون، وبكم حياة الأمة وتقويم معوجها، أنتم حماة الأخلاق والآداب، ارفعوا أصواتكم عالية ليعود الدُّر إلى صدفه، والفضائل لأهلها، وتمحي الرذائل والمفاسد، ويعود للإسلام ما كان له من العظمة العلمية والصناعية والفنية، وحتى تصبح بلاد الإسلام كما كانت كعبة طلاب العلوم، ومبعث أشعة أنوار الحرية، ومصدر الحضارات التي عمت الغرب والشرق.

ارفعوا أصواتكم أيها النشء عالية في سبيل الرجوع إلى الفضائل الإسلامية، فأنتم غدًا رجال العمل، والوسيلة العظمى لنيل الأمل، أسمعوا أجدادكم المسلمين في البرزخ أنكم بقيتهم الباقية، أسمعوهم في الأندلس، أسمعوا أجدادكم الذين حملوا العلم من بلاد الإسلام فنشروه في أوروبا – مع بعد الشقة وطول المشقة وصعوبة المواصلات – أسمعوا أجدادكم أنكم أنتم رجال الحق بنص القرآن المجيد، قال تعالى: )فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِ( (يونس: 83).

يا شباب الإسلام:

اليوم يومكم، وغدًا لكم أو عليكم، فاعملوا لنيل السعادة غدًا، وتذكروا يا أبنائي فإن الذكرى تنفع المؤمنين، واعملوا لانتشال الأمم الإسلامية من وهدة الرذائل التي أشربتها القلوب، ومن حضيض التنافر والتخاذل والإسراف، فقد خربت الجيوب، وتداركوا الأمم الإسلامية فأيقظوها من نومها، ومن رقدة المسارعة وراء كل ضال يريد أن يخرق السفينة ليغرق أهلها، أو بتقليد كل مبتدع أثيم.

يا شباب الإسلام:

ارفعوا أصواتكم عالية ليعود للأمة الإسلامية صوابها، فترجع إلى ما كان به مجدها وطولها وحولها، اعملوا ولو يئس العاملون قبلكم، ولو فتر النشطاء قبلكم، واحذروا أبنائي أن تصغوا إلى غير ما يدعوكم إليه ضميركم، فإنما هي الأعمال المؤسسة على المبادئ القويمة بها نيل الآمال.

دينكم يا أبنائي دين وسعة، والأحكام الشرعية لصالح المجتمعات، وليمتع المسلمون بما أنعم الله به عليهم في كنوز الأرض وفي الأجواء والأرجاء، لم يحرم الله علينا إلا ما ثبتت مضرته للأجسام، أو للمجتمعات. أباح لنا كل شيء، ولم يحرم علينا إلا سبع عشرة كبيرة وإليكم نموذجًا منها:

* أباح الله للسان كل شيء، وحرم عليه سبحانه اليمين الغموس، وهو الذي يسلب به الإنسان مال غيره، أو دمه، أو عرضه، وقذف المحصنات الغافلات وشهادة الزور والكذب لضرر الغير، ولكنه رخص لنا الكذب في الصلح بين المتخاصمين.

* وأباح لليدين كل شيء، وحرم عليها القتل والسرقة.

* وأباح للبطن كل شيء، وحرم عليها شرب الخمر، ولحم الخنزير، ومال اليتيم، والمسروق.

* وأباح للذكر كل شيء، وحرم عليه الزنا وعمل قوم لوط.

* وأباح للرجلين كل شيء، وحرم عليهما التولي يوم الزحف، قال تعالى: )إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا( (النساء: 31) هذا بعض ما أباحه لنا من الطيبات وحرمه علينا من الخبائث.

ثم فرض علينا أن نعمل لديننا ودنيانا وآخرتنا، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، بما ألهمنا من تحصيل العلوم النافعة، والصناعات والفنون، وجعل للزارع وللصانع وللمجاهد منا وللتاجر أجرًا عظيمًا، يعجل بعضه في الدنيا من الصحة والثراء ونفوذ الكلمة، ومن العزة التي بشر بها المسلمون، والتمكين في الأرض بالحق مع الطول والحول، قال سبحانه: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ( (النور: 55).

أبنائي:

إن العمل بروح ديننا به يعود لنا مجد سلفنا، ففي البدء كان رسول الله o ليس معه إلا الله تعالى، ثم هدى الله غلامًا وهو علي بن أبي طالب، وسيدة وهي خديجة، ورجلًا وهو أبا بكر، ومولى وهو بلال ابن حمامة، فقاموا 4 مضحين بالنفس والنفيس، فتكون المجتمع الإسلامي الذي محى عروش الظلم والظالمين.

انتشر نور الإسلام كما تنتشر أشعة الشمس في الأفق الصحو، فلم يمض بضع عشرة سنة حتى انتشرت العدالة والحرية والمساواة في أكثر مدن آسيا وإفريقيا، وجنوب أوربا، ولولا ما حصل من الاختلاف في زمان عبد الله بن نصير وطارق بن زياد ومن إهمال الخلف ما كان عليه السلف لكان القرآن يرتل في عواصم دول أوربا شمالًا ووسطًا وجنوبًا كما يرتل في شرق أوروبا.

وقد وعدنا الله تعالى – بأننا إذا رجعنا إلى العمل بروح ديننا – بالعزة والمجد والطول والحول. فالعامل في الدنيا مثاب كالعامل في الدين، قال تعالى: )يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( (البقرة: 185).

وقال سبحانه: )إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد: 7)، وقال جل شأنه: )فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ( (المائدة: 54).

فأبشروا يا أبنائي بتأييد الله تعالى، وببذل ما في وسعنا جماعة الشيوخ للعمل معكم بما اكتسبناه من طول التجارب، ومن الخبرة بأمراض المجتمع، أعاننا الله جميعًا على القيام لإحياء روح ديننا، والعمل بوصايا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …