يؤثر عن السيدة زينب، أنها لما سمعت صيحة أخيها الإمام الحسين فى جنده صبيحة المعركة، خرجت من خيمتها تحمس الجند، وتثير فيهم النخوة وروح الجهاد فقالت: “أيها الطيبون الأحرار دافعوا عن بنات رسول الله J وحرائر أمير المؤمنين”…
المستشار رجب عبد السميع وأ. عادل سعد
بقية: ابتلاءات أهل البيت ومحنهم
بقية: ابتلاء واستشهاد آل البيت في عهد الدولة الأموية
3- إبتلاء السيدة زينب بنت علي 5:
بطلة كربلاء([1]):
جمعت 1 بين جمال الطلعة وجمال الطوية. وكما يقول الجاحظ في “البيان والتبيان”: “إنها كانت تشبه أمها لطفًا ورقة، وتشبه أباها علمًا وتقى”. وقد وصفها عبد الله بن أبى أيوب الأنصاري بعد ما شاهدها فى كربلاء حاسرة الرأس، بقوله: “فوالله ما رأيت مثل وجهها كأنه شقة قمر”.
وللسيدة زينب 1 عدة ألقاب وأوصاف: فكانت عند أهل العزم “أم العزائم”؛ لأنها كانت ذات عزيمة قوية فى طاعة الله وتقواه. وعند أهل الجود والكرم “أم هاشم”؛ لأنها كانت كريمة سخية كجدها هاشم، وكثيرًا ما كان يرجع إليها أبوها وإخوتها في الرأي فسميت “صاحبة الشورى”. كما كانت دارها مأوى لكل ضعيف ومحتاج فلقبت “أم العواجز”.
ولما جاءت إلى مصر، كان واليها وعلماؤها يعقدون جلساتهم فى دارها وتحت رئاستها فعرفت “برئيسة الديوان”، وهى العقيلة أى السيدة الكريمة على قومها العزيزة فى بيتها. ولقبت بالطاهرة لطهارة سريرتها ونسبها.
ولقد وصفها علي ابن أخيها الحسين بقوله: “أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة”، وهو يقصد بذلك أن علمها هو مما منح وفتح به على رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهامًا.
وقال لها أخوها الإمام الحسن مرة: “أنعم بك يا طاهرة، حقًّا إنك من شجرة النبوة المباركة ومن معدن الرسالة الكريمة”.
والسيدة زينب بالإضافة إلى علمها وفصاحتها وانتسابها إلى آل البيت، هى نموذج حي للسيدة المؤمنة الصابرة المتحملة للشدائد مهما كانت.
فقد سبق أن ذكرنا أن جدها الرسول J لاقى وجه ربه وهى بنت خمس، ثم فقدت أمها الزهراء بعد ستة أشهر من وفاة الرسول J، ثم استشهد أبوها علي بن أبى طالب سنة 40هـ وهو خليفة للمسلمين، ثم توالت عليها نوائب الدهر بوفاة أخيها الحسن، ومنيت فى العاشر من المحرم سنة 61هـ باستشهاد أخيها الحسين ومعه الرجال المؤمنون بربهم وذوو قرباهم ومنهم ولداها أمام عينيها عطشى لا يجدون الماء وهو منهم قريب، بعد خذلان أهل الكوفة لآل البيت وتفرقهم عنهم فى اللحظة الحاسمة خوفًا من بطش الأمويين.
ويفصل على أحمد شلبى فى كتابه عن السيدة زينب قائلًا: “إن ما تعرضت له السيدة زينب من أحداث الدهر، لم يكن بالأمر الهين، فقد فقدت جدها العظيم صلوات الله وسلامه عليه وهي بنت خمس، وفقدت أمها الزهراء 1 بعده بشهور قليلة لا تتجاوز السنة، بعد مرض شديد وضيق من العيش والاعتكاف في حزن، فألقى على عاتقها وهي صبية صغيرة عبء إدارة بيت أبيها ورعاية شئون إخوتها. وما أن تقدم بها الزمان نوعًا، حتى صدمت بمصرع أبيها الإمام علي، وهو خليفة للمسلمين سنة أربعين من الهجرة إثر طعنة قاتلة من مارق خارج على الدين هو عبد الرحمن بن ملجم. ومنيت من بعده بموت أخيها الإمام الحسن والذي مات مسمومًا على يد زوجته. ثم رأت بعد ذلك شقيقها الإمام الحسين 0 حين نزل أرض كربلاء، وهناك منيت باستشهاده فى العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، الموافق العاشر من أكتوبر سنة 680 ميلادية.
لقد رأت السيدة زينب كل ذلك بعينيها، رأتهم يستشهدون وهم عطشى محرومون من الماء، ثم ما تبع ذلك من المحن التى حاقت بها من هجوم الأعداء على رحلها ومتاعها.
تحملت كل ذلك في شجاعة وصبر راضية بقضاء الله، حتى أنها قالت حين وقفت على جسد أخيها الإمام الحسين وهو مقطع الأوصال بعد استشهاده: “اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان”.
وقد عرفت السيدة زينب ببطلة كربلاء، حيث كانت تضمد الجرحى، وتسقى العطشى، ترعى أبناء وبنات المقاتلين، وتحمس الأجناد، وقد حفظ لها التاريخ رعايتها لمن فقدوا أباءهم فى معركة كربلاء. فقد وقفت بجوارهم إلى آخر رمق من الحياة.
وعن علي زين العابدين 0 قال: إنى لجالس تلك العشية التى قتل أبى صبيحتها، وعمتى زينب تمرضنى إذ اعتزل أبى فى خباءة([2]) ومعه أصحابه وعنده جون مولى أبى ذر الغفارى، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول:
يا دهـر أفَّ لـك مـن خليل
كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل
والـدهـر لا يـقـنـع بالبـديل
وإنـمـا الأمـر إلـى الجلـيل
وكـل حــى سـالـك السبيل
تقول بنت الشاطئ: “إن الدور الذي لعبته السيدة زينب بنت علي هو الذي جعل من كربلاء مأساة خالدة، والواقع أن السيدة زينب هى أول سيدة فى الإسلام قدر لها أن تلعب فى مسرح الأحداث السياسية دورًا ذا شأن وهى التى فرضت على التاريخ مأساة منذ أربعة عشر قرنًا من الزمن تتحدى الزمن إلى أن يشاء الله”.
وحقًّا لقد كانت السيدة زينب بطلة، فاقت الكثير من الرجال فى معركة كربلاء، كانت السيدة الرائدة التى ظهرت فى اللحظات الحرجة من المعركة.
ويؤثر عن السيدة زينب، أنها لما سمعت صيحة أخيها الإمام الحسين فى جنده صبيحة المعركة، خرجت من خيمتها تحمس الجند، وتثير فيهم النخوة وروح الجهاد فقالت: “أيها الطيبون الأحرار دافعوا عن بنات رسول الله J وحرائر أمير المؤمنين”.
وحين نظرت السيدة زينب فى ساحة المعركة، ووجدت أخاها الإمام شهيدًا ومعه قرابة السبعين من أهله وأصحابه، نطقت مؤمنة صابرة، موقنة بأمر الله” “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
======================
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية