من أقوال السيدة زينب: يا من كفانى عن جميع خلقه، ولم يكفنى عن خلقه أحد سواه، يا أحد يا من لا أحد إلاه، انقطع الرجاء إلا منك يا الله، فاغثني يا غياب المستغيثين…
المستشار رجب عبد السميع وأ. عادل سعد
بقية: ابتلاءات أهل البيت ومحنهم
بقية: ابتلاء واستشهاد آل البيت في عهد الدولة الأموية
3- إبتلاء السيدة زينب بنت علي بطلة كربلاء([1]):
بقية: السيدة زينب 1 فى دمشق:
لما سمعت عقيلة بني هاشم أبيات يزيد التى أظهر فيها التشفى بقتل عترة رسول الله J انتقامًا منهم لقتلى بدر، سحقت جبروته وطغيانه فكأنها هى الحاكمة والمنتصرة وهو المخذول والمغلوب على أمره، وقد خطبت هذه الخطبة التى هى من روائع البلاغة والبيان، قالت 1:
“الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول: )ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون( (الروم: 10)، أظننت – يا يزيد – حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء – أن بنا على الله هوانًا، وبك عليه كرامة!! وأن ذلك لعظيم خطرك عنده!! فشمخت بأنفك ونظرت فى عطفك، جذلان مسرور، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلًا، أنسيت قول الله U: )وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ( (آل عمران: 178). أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المنازل والمناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي. وكيف ترتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟! وكيف لا يستبطأ فى بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان والإحن والأضغان؟! ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: لأهلُّوا واستهلُّوا فرحًا، ثم قالوا: يا يزيد لا تشل، منتحيًا على ثنايا أبى عبد الله 0 سيد شباب أهل الجنة تنكثها بمخصرتك. وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد J ونجوم الأرض من آل عبد المطلب؟! وتهتف بأشياخك، زعمت أنك تناديهم! فلتردن وشيكًا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت. اللهم خذ بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا. فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله J بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته فى عترته ولحمته، وحيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم )وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ( (آل عمران: 169). وحسبك بالله حاكمًا، وبمحمد J خصيمًا، وجبرئيل ظهيرًا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلًا وأيكم شر مكانًا وأضعف جندًا. ولئن جرت على الدواهى مخاطبتك، إنى لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى. ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدى تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكى تنتابها العواسل [الذئاب]. وتعفرها أمهات الفراعل [الضباع]، ولئن اتخذتنا مغنمًا لتجدنا وشيكًا مغرمًا، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما ربك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى، وعليه المعول. فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها. وهل رأيك إلا فندًا [كذب]، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادى المناد: ألا لعنة الله على الظالمين. فالحمد لله الذى ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة. ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل”.
ومن أقوالها: يا من كفانى عن جميع خلقه، ولم يكفنى عن خلقه أحد سواه، يا أحد يا من لا أحد إلاه، انقطع الرجاء إلا منك يا الله، فاغثني يا غياب المستغيثين.
1 فهي حقًّا مجاهدة صابرة محتسبة ضربت أروع المثل في الصبر والتحمل بما تنوء عن كواهله آلاف بل ملايين عواتق الرجال فهى ربيبة النبى محمد J وسليلة الأطهار وصفوة الأخيار، لؤلؤة آل بيت النبوة وجوهرته المكنونة.
حباها الجليل جل اسمه بالصفات الحميدة، وزادها قوة وثباتًا على الدين والعقيدة، وشد الله عزمها فى مواطن المحن الشديدة، وألهمها جميل الصبر، وأكرمها جزيل الأجر، سلام على من أحيت لياليها بالتهجد والعبادة، فنالت من الله أعلى درجات السعادة، سلام على من أولاها الإمام زين العابدين 0 بشهادته إذ قال مخاطبًا لعمته: “أنت عالمة غير معلَّمة، وفهمة غير مفهَّمة” تحية على الأخت التى واست أخاها فى مهمته، وشاركته فى نهضته، وتباهت بالإسلام وعزته، ناصرت الحسين فى جهاده، ولم تضعف عزيمتها بعد استشهاده، سلام على قلب زينب الصبور، ولسانها الشكور، تحية على من تظافرت عليها المصائب والكروب، وذاقت من النوائب ما تذوب منها القلوب، تحية على من تجرعت غصص الآلام والمآسي، وما لا تقوى على احتماله الجبال الرواسي، فأصبحت للبلايا قبلتها، وللرزايا كعبتها، تحية على من شاطرت أمها الزهراء في ضروب المحن والأرزاء، ودارت عليها رحى الكوارث والبلاء يوم كربلاء، تحية على من عجبت من صبرها ملائكة السماء، تحية على من فجعت بجدها وأبيها، وأمها وبنيها، والخيرة من أهلها وذويها، أبكى على زينب الكبرى وكربتها، أبكى على زينب الثكلى وغربتها، أبكى على زينب حزنًا لمحنتها، أبكى على هضمها من بعد عزتها، أبكى على المحزونة السليبة، أبكى على من داهمتها الدنيا بالمشاهد الرهيبة، ولم تشبه مصيبتها مصيبة، أبكى على من عاينت أشلاء الضحايا، مجزرين على صعيد المنايا، ورأت مصارع الشهداء من عشيرتها، وإخوتها وبني عمومتها، قد فرق السيف بين الرؤوس منهم والأبدان، وحرارة الشمس قد غيرت منهم الألوان، وبينهم ريحانة المصطفى سيد شباب أهل الجنة صريعًا على الرمضاء، فأجهشت بالبكاء، ونادت بهذا الدعاء: “إلهى تقبل منا هذا القربان”، ثم انثنت شاكية وجدها إلى جدها J وهى تقول: “يا محمداه: هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء وبناتك سبايا وذريتك مقتلة”، أبكى على من أبكت كل عدو وصديق، حتى جرت دموع الخيل على حوافرها، أبكى على من أبعدها الزمان عن الأهل والأوطان، وطاف بها الأعداء سبية فى البلدان، وسروا بها أسيرة من الكوفة إلى الشام، بجمع من الأرامل والأيتام، تحية إلى عزيزة الصديقة الزهراء وابنة خديجة الكبرى، تحية على من أصبح حرمها موئل آمال الآملين، وملتقى وفود الزائرين، ويتمسك بضريحها جميع المحبين والمحتاجين، ويؤم قبرها الخلائق في كل حين، تحية على سيدتنا ومولاتنا زينب بنت أمير المؤمنين على بن أبى طالب 0.
======================
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية