أخبار عاجلة

عبقرية العرب في تأليف المعاجم المتخصصة (1 /3)

لا شك أن الحديث عن المعاجم العربية هو في حد ذاته فصل من فصول شتى من عبقرية العرب في الابتكار وريادتهم في تأليف المعاجم. فمن الثابت تاريخيًّا أن العرب سبقوا الأوروبيين في هذا المجال، إذ يعود تأليف أول معجم عربي إلى القرن الثامن الميلادي..

الأستاذ محمد إسحاق عبد الرسول

مقدمة

لا شك أن الحديث عن المعاجم العربية هو في حد ذاته فصل من فصول شتى من عبقرية العرب في الابتكار وريادتهم في تأليف المعاجم. فمن الثابت تاريخيًّا أن العرب سبقوا الأوروبيين في هذا المجال، إذ يعود تأليف أول معجم عربي إلى القرن الثامن الميلادي. وهذا يعني أن العرب سبقوا الأوروبيين في هذا المجال بتسعة قرون قبل ظهور أول معجم إنكليزي، وبخمسة قرون قبل ظهور أول قاموس هجائي لاتيني([i]). ويعد الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٧٥هـ) بحق أول من صنف معجمًا لغويًّا جديرًا بهذا الاسم؛ لأنه جمع أول مرة ألفاظ اللغة ورتبها ترتيبًا علميًّا فريدًا وشرح معانيها([ii])، وتعددت بعد ذلك المعاجم، وتنوعت في نهجها وأساس ترتيب مفرداتها. وإذا كانت الشعوب قد عرفت المعاجم ذات الترتيب الأبجدي المتعارف عليها في عالم المعاجم والقواميس، فإن العرب قد ابتكروا أنماطًا أخرى من المعاجم مثل: معاجم الموضوعات، ومعاجم الأبنية، ومعاجم الحروف، ومعاجم الاشتقاق، ومعاجم المصطلحات… إلخ.

والحقيقة أنه لم تشتهر أمة من الأمم بكثرة معاجمها، وتنوع أنماطها كما اشتهار العرب بهذا النمط من فنون التأليف، فقد بلغ مجموع المعاجم التي ألفها العرب، ما بين رسائل قصيرة لا تتجاوز صفحات معدودة، وأسفار ضخمة تتجاوز الألوف من الصفحات، ما يقرب من ألف وأربعمئة كتاب([iii]). وإذا نحينا جانبًا المعاجم اللغوية، وهي من القواسم المشتركة في لغات الشعوب، سوف نجد أنفسنا أمام نمط مغاير من المعاجم لم يعرفه الغرب إلا بعد قرون كثيرة وهو نمط فريد في المعاجم، وغاية في الجدة والتنوع إذ تجمع فيه مفردات شيء خاص وترتب أبجديًّا وفق النهج المعجمي، لذا يحق لنا أن نطلق عليها “المعاجم المتخصصة”. تعبيرًا نراه أنسب ما يكون لهذا النمط من المعاجم. وفيما يأتي عرض لأهم تلك المعاجم:

1- معاجم المعربات

هي المعاجم التي تستخلص الألفاظ الأعجمية أيًّا كانت أصولها: فارسية أو هندية أو يونانية، ودخلت إلى العربية بحكم طبيعة الأشياء المتمثلة في الإقراض والاقتراض، وبحكم تأثير الجار في الجار، وترتيبها أبجديًّا لتأخذ الشكل المعجمي. ومن أشهر هذه المعاجم المعرب» للجواليقي (٥٤٠هـ). يقول الدكتور عبد الوهاب عزام في تقديمه الكتاب: “كتاب المعرب أجمع ما عرفنا من الكتب التي ضبطت الألفاظ المعربة جمع فيه مؤلفه ما عُرّب من الألفاظ الأعجمية، وحرص على أن يبين اللغات التي أخذت منها الألفاظ، وأصول الألفاظ في هذه اللغات”([iv])، وكثر هذا النمط من المعاجم وتعددت أسماؤها مثل: “المغرب في ترتيب المعرب” لأبي الفتح ناصر الدين المطرزي (٦١٠هـ)، و”شفاء الغليل في كلام العرب من الدخيل” لشهاب الدين الخفاجي … إلخ. أهم هذه المعاجم في أوروبا كتاب وولت تايلور Walt Taylor الذي عنوانه ARABIC WORDS IN ENGLISH، والصادر في سنة (۱۹۳۳م)، إذ اقتصر الكتاب على الألفاظ العربية التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية، ومن الطريف أنه قد أورد تاريخ كل لفظة عربية دخلت إلى الإنجليزية([v]).

2- معاجم المصطلحات

هي المعاجم التي تتخذ من ترتيب المصطلحات – بمختلف أنواعها وأنماطها – مادة لها، ولعل البداية كانت في كتاب التعريفات لعلي بن محمد الشريف الجرجاني (٨١٦ هـ) الذي يقول في فاتحة الكتاب: “هذه تعريفات جمعتها من كتب القوم، ورتبتها على حروف الهجاء تسهيلًا تناولها للطالبين، وتيسيرًا تعاطيها للراغبين والله الهادي وعليه اعتمادي في مبدئي ومعادي”([vi]).

غير أن هناك كتابًا في المصطلحات بلغ من السعة والشمول ما لا نظير له هو الكليات لأبي البقاء الكفوي (١٠٩٤هـ)، وجاء في مقدمة التحقيق: “آلة طيعة في ميادين العلوم النحوية والصرفية والبلاغية والعروض، وفي العلوم الفلكية والفيزيائية والطب والرياضيات والعمران، وغير ذلك من الفنون والعلوم منذ نشأتها عند العرب حتى عصر المؤلف”([vii]).

3- معاجم التراجم

وهي من الكثرة والشهرة بمكان، ولعل أشهرها “معجم الأدباء” لياقوت الحموي و”وفيات الأعيان” لابن خلكان. وهما غنيان عن التعريف، وقد تنوعت كتب التراجم بين ما يشبه الرسائل القصار، والموسوعات الطوال، وترجمت لأفراد طائفة بعينها، منها الشعراء أو الأطباء أو الحكماء، التي جاءت على النحو الآتي:

أولاً: تراجم الشعراء:

يحفل التراث الأدبي بكثير منها، ولكنها ليست بغرض الترجمة للشعراء، وعلى سبيل المثال كتاب “الأغاني” للأصفهاني لو جاء ترتيبه على حروف المعجم لكان سفرًا نفيسًا في تراجم الشعراء والمغنين، ومن هنا فقد تغاضينا عن كثير من المؤلفات مثل: “طبقات فحول الشعراء” لابن سلام الجمحي، وكذلك “طبقات الشعراء” لابن المعتز وغيرهما من المؤلفات، إذ إن اهتمامنا ينصب في الأساس على تلك المؤلفات التي غرضها الأساسي في التأليف هو الترجمة للشعراء.

وعلى هذا الأساس فإنّ أهم هذه المؤلفات كتاب “معجم الشعراء” للمرزباني، وللأسف الشديد إن هذا المعجم قد وصل إلينا ناقصًا، إذ كانت بدايته “باب ذكر من اسمه عمرو” وقد بذل عدد من الباحثين جهودًا محمودة في استكمال هذا النقص، منهم الدكتور إبراهيم السامرائي الذي ألف كتابًا بعنوان “من الضائع من معجم الشعراء للمرزباني”.

وهناك كتاب آخر وهو كتاب “نزهة الألباء في طبقات الأدباء” لأبي البركات كمال الدين الأنباري (٥٧٧هـ)، الذي يقول في مقدمته: “فقد ذكرت في هذا الكتاب الموسوم بنزهة الألباء في طبقات الأدباء، معارف أهل هذه الصناعة الأعيان، ومن قاربهم في المعرفة والإتقان، وبينت أحوالهم وأزمانهم على غاية من الكشف والبيان”([viii]).

==============================

([i]) عبد الله الصوفي اللغة ومعاجمها في المكتبة العربية، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق ١٩٨٦م، ص ٣٤.

([ii]) عبد الحميد محمد أبو سكين، المعاجم العربية … مدارسها ومناهجها الفاروق الحديثة للطباعة والنشر القاهرة ط ۲، ۱۹۸۱م، ص ۱5.

([iii]) أحمد الشرقاوي إقبال، معجم المعاجم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ۲، ۱۹۹۳م، ص جـ.

([iv]) أبو منصور للجواليقي، المعرب تحقيق أحمد محمد شاكر، مطبعة دار الكتب القاهرة، ط ٢، ١٩٩٦م، ص ٣.

([v]) عبقرية العرب في لغتهم الجميلة د. محمد التونجي المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان طرابلس ۱۹۸۲م، ص ٥٧ وما بعدها.

([vi]) علي بن محمد الشريف الجرجاني التعريفات دار الفضيلة القاهرة، ٢٠٠٤م، ص ٧.

([vii]) أبو البقاء الكفوي، الكليات، تحقيق د. عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط. ۱۹۹۸م، ص5.

([viii]) أبو البركات كمال الدين الأنباري، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم دار الفكر العربي القاهرة، ۱۹۹۸م، ص ۱۳.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (36)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …