لا شك أن الحديث عن المعاجم العربية هو في حد ذاته فصل من فصول شتى من عبقرية العرب في الابتكار وريادتهم في تأليف المعاجم. فمن الثابت تاريخيًّا أن العرب سبقوا الأوروبيين في هذا المجال، إذ يعود تأليف أول معجم عربي إلى القرن الثامن الميلادي..
الأستاذ محمد إسحاق عبد الرسول
4- معاجم البلدان
لم يُغفل العرب القدماء التأليف المعجمي في البلدان، ولعل العمل الرائد في هذا المجال هو “معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع” لأبي عبيد البكري (٤٨٧هـ)، وجاء في مقدمته: “هذا كتاب ذكرت فيه جملة ما ورد في الحديث والأخبار والتواريخ، والأشعار من المنازل والديار، والقرى والأمصار، والجبال والآثار، والمياه والآبار، والدارات والحرار منسوبة ومحددة ومبوبة على حروف المعجم.
فإني لما رأيت ذلك قد استعجم على الناس أردت أن أفصح عنه بأن أذكر كل موضع مبين البناء، معجم الحروف حتى لا يدرك في لبس ولا تحريف”([i])، وبعد ذلك نجد كتاب “الجبال والأمكنة والمياه” وهو من تأليف أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (٥٣٨هـ) اللغوي الشهير، وصاحب “أساس البلاغة” و”الكشاف”. لم يذكره ابن خلكان في ترجمته له، في حين ذكره ياقوت الحموي تحت عنوان “كتاب الجبال والأمكنة”([ii])، والكتاب – كما جاء على الغلاف – نشره المستشرق جون بول Juyn Boll سنة (١٨٥٥م)، ولا ندري على وجه اليقين هل أعيد تحقيق الكتاب على أيدي باحثين عرب أو لا؟
وتلاه بعد ذلك كتاب “الأمكنة والمياه والجبال والآثار ونحوها المذكورة في الأخبار والأشعار” لأبي الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري (٥٦١هـ تقريبًا)، ومن حسن حظ المهتمين بالتراث الجغرافي العربي أن يتصدى لتحقيق هذا الكتاب علامة الجزيرة حمد الجاسر – رحمه الله – ثم نصل إلى مؤلفات أفاد مؤلفوها من السابقين فتجنبوا ما قد وقع بها من خلل أو نقص فتصل إلى أشهر المعاجم الجغرافية وهو “معجم البلدان” لياقوت الحموي (٦٢٦هـ)، الذي لم يكتف بذكر موقع البلد أو الموضع الذي ورد في معجمه، بل تعرض لمعطيات شتى من البيئة والجيولوجيا والمناخ والأدب والتاريخ وأهم معادنها ونباتها، فضلًا عما قيل في فضائلها … إلخ. والكتاب يوجز في مواضع الإيجاز، ويسهب في مواضع الإسهاب والإفاضة، مثل تعرضه لمادة “بغداد”، التي استغرقت ما يقرب من عشر صفحات([iii]). وقد اختصر معجم البلدان صفي الدين عبد المؤمن البغدادي (۷۳۹هـ) تحت عنوان “مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع”.
ومن المعاجم المشهورة في مجال الجغرافية كتاب “الروض المعطار في خبر الأقطار” لمحمد بن عبد المنعم الحميري (۹۰۰هـ)، إذ ينهج نهجًا غير مألوف في التأليف المعجمي، ويوضح هذا النهج في مقدمته: “فإني قصدت في هذا المجموع ذكر المواضع المشهورة عند الناس التي تعلقت بها قصة وكان في ذكرها فائدة أو كلام فيه حكمة أو لها خبر طريف أو معنى يستملح أو يستغرب ويحسن إيراده. أما ما كان غريبًا عند الناس، ولم يتعلق بذكر فائدة ولا له خبر يحسن إيراده، فلا ألم بذكره، ولا أتعرض له غالبًا استغناء عنه واستثقالًا لذكره”([iv]).
5- معاجم الأمثال
إن معاجم الأمثال لهي ضرب من ضروب السبق، ونمط من أنماط التفرد والابتكار، وشاهد من شواهد العبقرية العربية فقد خضعت الأمثال العربية للتأليف المعجمي، أي ترتيبها حسب حروف الهجاء، أسوة بالمعاجم اللغوية العادية. ومن (٣٩٥هـ)، إذ يقول في مقدمة الكتاب: “ولما عرفت العرب أن الأمثال تتصرف في أكثر وجوه الكلام، أخرجوها في أقواها من الألفاظ ليخف استعمالها ويسهل تداولها، فهي من أجل الكلام وأنبله، وأشرفه وأفضله، لقلة ألفاظها وكثرة معانيها. ولما رأيت الحاجة إليها عزمت على تقريب سبلها، وتلخيص مشكلها، فعملت كتابي هذا مشتملًا منها على ما لم يشتمل عليه كتاب أعرفه، منظومة على حروف المعجم ليدنو مجتناها، ويسهل مبتغاها”([v]).
ومعجم آخر وهو “الوسيط في الأمثال” لأبي حسن علي بن أحمد الواحدي (٤٦٨هـ) وجاءت مقدمته موجزة مختصرة قائلًا: “ألفت هذا الكتاب في سبعة وعشرين بابًا، على حروف المعجم وسميته الوسيط في الأمثال، وكنت صنفت فيها البسيط والوجيز فجاء كتابي هذا محجر عينها وواسطة بينها”([vi]).
خاتمة
إن النظرة الأولى لتلك الطائفة من المعاجم تبين أننا أمام سبق عربي في مجال المعاجم، وهو سبق مجهول في تاريخ الفكر الإنساني، لم يذكره المستشرقون على الرغم من أن عددًا منهم قد حقق بعضًا من هذه المؤلفات، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يلفت نظر هؤلاء المحققين أنهم أمام معاجم نوعية لا سابق لها، ولا لاحق لها إلا بعد قرون وقرون؟ إنه قدر العرب ألا يظفروا بما يستحقون من الإنصاف على ما أوتوا من السبق والإبداع. فلو لم تكن في المؤلفات من مزية من المزيات سوى أنها تسقط الزعم الشائع الذي كاد لكثرة ترداده أن يصبح حقيقة من الحقائق المسلم بها، وهي أن العرب أسرى الإغريق في الفكر والثقافة والعلم لكفاها من مزية لا تعدلها مزية سواها، ويكاد يكون هذا الزعم هو القاسم المشترك في كتابات المستشرقين ومؤرخي العلم من الغربيين، فيقول مارتن بلسنر M. Plessner ضمن حديثه عن طبيعة العلم الإسلامي: “على الرغم من معرفة المسلمين المبكرة بالمنجزات العلمية للثقافات الأخرى ولا سيما الهندية، فإن علوم الإغريق كانت هي التي قدر لها أن تؤثر تأثيرًا حاسمًا في العلم الإسلامي”([vii]). ولكن، ها هي المعاجم العربية المتخصصة دلالة على مدى الاستقلال الفكري، والرؤية الذاتية. فهو نمط غير مسبوق ولم تعرفه أوروبا إلا في عصور متأخرة.
=======================
([i]) عبيد الله البكري، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تحقيق: مصطفى السقا، عالم الكتب بيروت، د.ت ص1.
([ii]) ياقوت الحموي، معجم الأدباء، نشر مرجليوث دار المأمون، القاهرة، ١٩٣٦م، ج ١٩ ص ١٣٤.
([iii]) ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر، بیروت ۱۹۷۷م، ج ١ ص٤٥٦ وما بعدها.
([iv]) محمد بن عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: د. إحسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، ط ٢، ١٩٨٤م، ص ٢.
([v]) أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال، دار الكتب العلمية، بيروت، ۱۹۸۸م، تحقيق: د. أحمد عبد السلام، ص 10.
([vi]) أبو حسن علي بن أحمد الواحدي الوسيط في الأمثال تحقيق د. عفيف محمد عبد الرحمن، ص۳۱.
([vii]) شاخت وبوذورث، تراث الإسلام، ترجمة: د. حسين مؤنس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت، ط۲، ۱9۸۹م، ج۲، ص٢١٤.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية