أخبار عاجلة

مدخل إلى تهويد القدس (3/ 4)

التهويد هو عملية نزع الطابع الإسلامي والمسيحي عن القدس وفرض الطابع الذي يسمى “يهوديًّا” عليها. وتهويد القدس جزء من عملية تهويد فلسطين ككل…

د. خالد عزب

كان اليهود قبائل من البدو الرُّحَّل، وبالتالي لم يكن لديهم فكرة الاستقرار في مكان محدد وتشييد حضارة خاصة بهم فيه. ولم يعرفوا الاستقرار إلا عند دخولهم مصر، ولكن من الواضح أنهم احتفظوا بترابطهم القبلي في أثناء وجودهم في مصر، وعند خروجهم منها لم يخرجوا بمفردهم بل خرج معهم من آمن من المصريين بدعوة موسى عليه السلام، وخرجوا وهم محملين بالتأثيرات الحضارية المصرية، وأثبتت الاكتشافات الأثرية أن كتب اليهود تأثرت بشدة بالموروث القصصي والعقدي السابق لها سواء في مصر أو العراق.

هنا يجب أن نتوقف عند فكرة الهيكل لدى اليهود وهو بيت الإله ومكان العبادة الأساس لديهم، فباعتراف اليهود البدو الرحل أنه لم يكن لديهم مكان عبادة مقدس ثابت منذ عصر موسى إلى عصر النبي سليمان عليه السلام. بل كانت لوحات الوصايا العشر توضع في تابوت كان يعرف باسم تابوت العهد، هذا التابوت خصصت له خيمة عرفت بخيمة الاجتماع، ترحل مع اليهود أينما رحلوا، فأين القداسة هنا لأي بيت أسس في القدس كما يرى اليهود. بل جاء تأسيس الهيكل ليكون المكان المفضل لوضع تابوت العهد وليكون بيتًا لرب اليهود نتيجة لتأثر اليهود بالحياة الحضرية في مدينة القدس. شيد سليمان الهيكل على قطعة أرض غير معلومة في القدس، بل حينما شيد الهيكل الثاني لا يوجد دليل قاطع على تشييده في موضع الهيكل الأول، وتاريخ بناء الهيكل في القدس هو تاريخ تحول عبادة يسرائل البدوية المتجولة إلى العبادة القربانية المركزية. وهنا يجب أن نلاحظ أن اليهود أثناء السبي البابلي صاغوا العديد من الثوابت التي يؤمنون بها اليوم كأرض الميعاد، وقدسية مكان الهيكل في محاولة منهم لمقاومة الذوبان في أرض المنفى في العراق.

بل إن الهيكل تعرض للإهمال وصار موضع ازدراء من اليهود في مراحل تاريخية لاحقة. تعرضت القدس للهدم مرات عديدة في التاريخ مما يجعل من الصعب تحديد موضع الهيكل اليهودي بها. بل طرأ تغيير على العهد القديم في خلال فترة السبي البابلي يجعلنا نشك في كثير من المسلمات اليهودية اليوم. أثبتها عالم الآثار الأكادي فريدريك ديليتش من خلال سلسلة من المؤلفات حول بابل والكتاب المقدس، انتهى فيها إلى اعتماد العهد القديم إلى حد ما على العقائد البابلية.

تعد إعادة بناء الهيكل واحدة من أهم القضايا الخلافية بين اليهود الذين ينقسمون إلى صهاينة وغير صهاينة، فغير الصهاينة يعارضون فكرة العودة وبالتالي إعادة بناء الهيكل، أما الصهاينة فقضية إعادة بناء الهيكل قضية محورية لديهم والمتطرفون من الصهاينة يولون هذه القضية أولوية شديدة، بحيث جعلت المنظمات الصهيونية هدم الآثار الإسلامية الموجودة في هذا الموقع من أهم أهدافها.

وقد قامت عدة محاولات من جانب الجماعات الصهيونية تستهدف تفجير الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس، أو حرقها، بل ضبطت محاولة لإلقاء قنبلة عليها من الجو، وهناك منظمة يهودية تسمى (أمناء جبل الهيكل) التي يمولها المليونير الأمريكي المسيحي الأصول تري رازنهوفر، جعلت بناء الهيكل الثالث هدفها الأساس. وقد أسست مدرستان تلموديتان عاليتان بالقرب من حائط البراق لتدريب مئتي طالب على شعائر العبادة القربانية وهي الشعائر الخاصة بالهيكل. وإحدى هذه المدارس، معهد الهيكل (يشيفات هبايت)، وظيفتها الأساسية محاولة التعجيل ببناء الهيكل. وقد بدأت هذه المدرسة في إعداد أدوات العبادة القربانية التي يبلغ عددها 103، وضعت الأدوات التي تم الانتهاء منها في متحف. وقد عقد في سنة 1990م مؤتمر يضم اليهود الذين يعتقدون أنهم من نسل كهنة الهيكل. ويوجد في فندق الهيكل في القدس مجسم صغير للهيكل. وينوون أن يبنوا مجسمًا آخر أكبر حجمًا يتكلف مليون دولار يتم جمعها حاليًا من يهود العالم.

وقد قامت جماعة أمناء الهيكل بوضع حجر الأساس للهيكل الثالث في احتفال تحت إشراف رئيس الجماعة المدعو جرشوم سالمون. وقد حضر الاحتفال الذي جرى في منتصف شهر أكتوبر عام 1989م، كاهن يرتدي ملابس كهنوتية خاصة مصنوعة من الكتان المغزول باليد من ستة خيوط مجدولة تم إعدادها في معهد الهيكل. وقد استخدموا في الاحتفال بعض الأواني الشعائرية، وبوق الشوفار، وأدوات موسيقية مثل الأوكورديون، أما حجر الأساس نفسه فحجمه متر مكعب، وقد قام حفاران يهوديان من القدس بإعداده دون استخدام أية أدوات حديدية (كما تتطلب الشعائر) وقد حاولوا الوصول بالحجر إلى ساحة حائط البراق عند حائط البراق، ولكن الشرطة الإسرائيلية تصدت لهم فحمل الحجر إلى مخزن الحفارين وأودع فيه. وتتجه النية على زراعة حديقة حوله. ويساند جماعة أمناء جبل الهيكل بعض أعضاء المؤسسة الدينية في إسرائيل.

ورغم هذا الانقسام بشأن إعادة بناء الهيكل فإننا نجد أن بعض الأطروحات التي صنفت في الماضي باعتبارها دينية مهووسة ومتطرفة، صارت مقبولة بل أصبحت جزءًا من الخطاب السياسي الصهيوني، أو ضمن برامج الأحزاب المعتدلة! ولذا فليس من المستبعد أن نجد جميع الصهاينة (الأقلية المتدينة والأغلبية الملحدة) تؤيد كلها بعد قليل إعادة بناء الهيكل باعتباره أمرًا أساسيًّا للعقيدة الصهيونية لا تكتمل بدونه. ويرى المسيحيون الأصوليون أن بناء الهيكل هو الشرط الأساس للعودة الثانية للمسيح. وهم ينظرون إلى قيام إسرائيل عام 1948م تأكيدًا لنبوءات التوراة حول نهاية العالم وإحلال مملكة جديدة مع المجيء الثاني للمسيح بعد عودة اليهود إلى الأرض المقدسة. وانتظرت المسيحية الصهيونية اكتمال خطة الرب بعد تأسيس إسرائيل، وبالتالي كان انتصار إسرائيل في حرب يونية 1967م، واحتلالها لبقية أرض فلسطين وبخاصة القدس، إضافة إلى أراض عربية أخرى، تأكيدًا على أن خطة الرب تكتمل، وأن النبوءات التوراتية تتحقق، وأن نهاية التاريخ أصبحت قريبة، وأنتجت المنظمة الأصولية الأمريكية العديد من الأفلام والبرامج التي تروج لهذه الرؤية. أبرزها ما رعى إنتاجه القس والواعظ الأمريكي التليفزيوني مايك إيفانز، ففي برنامجه الاستعراضي (إسرائيل: مفتاح أمريكا للبقاء) الذي كان يبث في 50 محطة تليفزيونية عبر 25 ولاية، لمدة ساعة يوميًّا، عام 1983م، تحدث إيفانز عن أن الرب أمره بوضوح برعاية إسرائيل، ولذا قام بإنتاج هذا البرنامج الخاص بإسرائيل، وقال: “إن إسرائيل تلعب دورًا حاسمًا في المصير الروحي والسياسي لأمريكا، كما أن تخلى إسرائيل عن الضفة الغربية سوف يجر الدمار على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة من بعدها” ونشر إيفانز في ديسمبر عام 1983م، إعلانًا في صفحة كاملة في صحيفة (نيويورك تايمز) جاء فيه: “إن بقاء إسرائيل حيوي لبقائنا، وإن الإيمان بإسرائيل يعزز موقف الولايات المتحدة الأمريكية”. وأنتج فيلم عنوانه (القدس عاصمة داود) ربط فيه بين أمريكا وعاصمتها واشنطن والقدس.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …