أخبار عاجلة

العلاقة بين العلوم الدينية والعلوم التجريبية (13)

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن خطوات المنهج العلمي التجريبي هي: مشاهدة الظاهرة الطبيعية المتكررة، ثم وضع فرض، ثم إجراء عملي لاختبار الفرض، ثم صياغة نتيجة البحث المحققة في صورة قانون علمي، وفي هذا المقال نواصل الحديث..

أ.د. فاروق الدسوقي

بقية: الاستقلال بين العلوم الدينية والعلوم التجريبية من حيث المنهج

بقية: ج- منهج العلوم التجريبية:

إن العلم التجريبي هو معرفة الإنسان لتأثيرات الأشياء والأحياء والظواهر بعضها ببعض، وتأثيرها بعضها من بعض. ومن خلال هذا التأثير والتأثر يستطيع الإنسان تسخير الأشياء لنفسه فيجتلب لنفسه تأثيراتها الطيبة، ويتجنب تأثيراتها الضارة.

ومثال ذلك هذا القانون الذي يحكم تأثير الحرارة في المعادن وتأثر المعادن بها.

ويهمنا بالنسبة لموضوعنا الرئيس – الإسلام والعلم التجريبي – ملاحظة الخصائص التالية لهذا المنهج:

1- إنه لا يصلح إلا الدراسة ومعرفة الماديات، أي الكائنات الواقعة تحت الحس البشري، فما يخرج عن الحس لا يصلح كموضوع للدراسة بهذا المنهج؛ وذلك لأن خطوات هذا المنهج تبدأ بالمشاهدة مع الملاحظة وهما لا يكونان إلا بالحس، ولذلك لا يصلح المنهج التجريبي للأمور الغيبية؛ لأن الغيبيات لا تقع تحت المشاهدة والملاحظة الحسية.

٢- لا يكفي أن تكون الظاهرة أو الشيء المراد دراسته أو تعليله ماديًّا ومحسوسًا؛ حتى يمكن أن تطبق عليه المنهج التجريبي، إذ لا بد أن تكون الظاهرة قابلة للتحضير معمليًّا، أو متكررة طبيعيًّا بما يسمح للإنسان بإخضاعها لشروط التجربة، وهذا يعني ضرورة تمكن الباحث من وضع الظاهرة في الزمان والمكان والكيفيات والأحوال التي يستلزمها تحقيق الغرض في المعمل أو مراقبتها في الطبيعة في الأزمنة والأمكنة المختلفة، وبما يمكنه من قياسها كميًّا ووصفها نوعيًّا وكيفيًّا، وكل ذلك حسب متطلبات تحقيق الفرض الذهني الموضوع.

وما لا يمكن تحضيره معمليًّا وإخضاعه للزمان والمكان والكيفيات التي تتطلبها التجربة فإنه يكون غير قابل للدراسة والبحث بالمنهج التجريبي؛ حتى لو كان كائنًا ماديًّا أو ظاهرة محسوسة.

ومثال ذلك الفرض القديم القائل بوجود حياة على المريخ، هذا الفرض وصفه بعض علماء الفلك نتيجة معلومات حصلوا عليها عن طريق الرصد بالتلسكوبات تقول: إن عناصر الحياة الموجودة على الأرض موجودة على المريخ. لكن هذا ليس علمًا يقينًا بل هو فرض مطروح لا يثبت إلا بالتجربة، ولكن عجز الإنسان عن الوصول إلى المريخ أو تحضيره معمليًّا أو تحليل تربته أو استقراء أنواع الكائنات التي فوقه، كل هذا ظل مانعًا لتحقيق هذا الفرض بالرغم من كون موضوع الفرض موضوعًا ماديًّا مشاهدًا. وظل الأمر كذلك مجرد فرض أو تخمين وليس علمًا؛ حتى وصلت مركبة فضائية آلية إلى المريخ ومجهزة بمعمل آلي لتحليل تربته ومواده فلم يجدوا فيه أي نوع من أنواع الحياة حتى ولا الفطريات. وبذلك بطل هذا الفرض بالتجربة.

وكذلك يعتبر الإنسان من الكائنات المادية المحسوسة التي لا تخضع في بعض جوانبها للمنهج العلمي التجريبي ولا يصلح لدراسة هذه الجوانب، فسلوك الإنسان الفردي والاجتماعي مشاهد ومحسوس في الواقع ولكنه غير قابل للدراسة بالمنهج العلمي التجريبي – بالرغم من قيام هذه الدراسات حديثًا في الغرب بهذا المنهج -؛ لأن الإنسان يصدر في أفعاله وسلوكه عن إرادة حرة مختارة، وهي عامل غير محدد وغير قابل للتحضير معمليًّا أو غير قابل للقياس الكمي أو الوصف النوعي المحدد باعتبارها حرة مختارة مما يمنع الديمومة والثبات في السلوك البشري، فالمقدمات التي تؤدي بإنسان ما إلى القتل مثلًا وفعل الشر تؤدي بغيره إلى التسامح والصفح، بل إن نفس المقدمات لو حدثت مع نفس الإنسان مرة أخرى تنتهي إلى أن يصدر عنه وباختیاره سلوك مخالف ومناقض للذي صدر عنه بنفس المقدمات من قبل.

كذلك الموضوعات الاجتماعية حيث يصدر سلوك الإنسان الاجتماعي عن الإرادة الجماعية للناس في المجتمع. وينطبق على التغير الاجتماعي مثلًا ما ينطبق على السلوك الفردي، حيث لا يصلح تحضيره تجريبيًّا من ناحية، وحيث لا يتكرر بنفس المقدمات والنتائج.

3- وينتج عن اشتراط إمكانية تحضير الظاهرة بكامل عناصرها وظروفها وأحوالها في المعمل عدم صلاحية هذا المنهج مع الأشياء والظواهر المجهولة العناصر أو التي بها بعض العناصر غير القابلة للتحضير معمليًّا كتلك التي تحتوي في كينونتها على عناصر غيبية، ولذلك تظل العروض المفسرة لبعض الظواهر الكونية في الفضاء الكوني والفلك مجرد فروض ذهنية غير قابلة للتحقيق التجريبي لوجود عناصر مجهولة كثيرة في الفضاء الكوني.

كذلك دراسة النفس الإنسانية باعتبارها أمرًا غيبيًّا، لا تصلح بالمنهج التجريبي وما قام أخيرًا في الغرب من دراسات تحت ما أسموه علم النفسي وعلم النفس التجريبي هو دراسة لسلوك الإنسان الفردي وبواعثه ودوافعه الذاتية، وليس للنفس الإنسانية التي هي مصدر وأصل هذا السلوك.

ويدل على فشل ما يسمونه بعلم النفس أنه بدأ معلنًا رفضه للأسلوب الفلسفي القديم في دراسة النفس ومستخدمًا بدلًا من المنهج العلمي التجريبي، وهذا يعني رفضه التام لافتراض أي أمر غيبي كأصل لتفسير السلوك الفردي، وإذا بمدارس علم النفس تنتهي إلى ضرورة افتراض أمر غيبي؛ حتى يمكن تفسير السلوك الإنساني بالرغم من إعلانهم للمنهج التجريبي، فقالت مدرسة: باللاشعور، وقالت أخرى: بالعقل الباطن، وقالت ثالثة: بالحاسة السادسة، وكل هذه الأمور غيبية؛ ومن ثم فقد انتهت هذه المدارس إلى افتراض أمر غيبي لتفسير سلوك الإنسان، وهذا يعني أنهم اضطروا إلى قبول ما رفضوه ابتداء وهو اعتبار النفس أمرًا غيبيًّا، وبذلك تقوم عليهم الحجة في عدم صلاحية المنهج التجريبي لدراسة سلوك الإنسان.

ومن ثم ننتهي إلى عدم صلاحية المنهج التجريبي للدراسات الإنسانية التي هي من اختصاص العلوم الدينية؛ لأن الإنسان ليس مجرد كائن حي بل هو جسد وروح ونفس، أو جسد ونفس، والنفس أو الروح ليستا قابلتين للتحضير معمليًّا؛ لأنهما أمران غيبيان، فلا تصح الدراسات النفسية والاجتماعية بالمنهج التجريبي حيث مصدر السلوك النفسي والاجتماعي الإنسان ككل هذا الذي خلقه الله من جسد وروح.

وسبب استخدام الباحثين النفسيين والاجتماعيين في الغرب المنهج التجريبي في العلوم الإنسانية التي هي موضوع المعرفة الدينية هو كفرهم وإلحادهم واعتقادهم وإيمانهم بالمادة فقط وإنكارهم للغيبيات، فاعتقدوا أن الإنسان مجرد كائن حي شأنه شأن سائر الكائنات الحية الأخرى، وأنه – من ثم – كالحيوان لا يفضله بالروح ولا بالإرادة الحرة المختارة، ومن ثم توقعوا من دراسة الإنسان بالمنهج التجريبي نجاحًا كالذي أحرزه علماء الطبيعة في أبحاثهم، لكنهم لم يتقدموا في هذه الدراسات، ولم يتفقوا على نتائج محددة، بل تخبطوا واختلفوا وتمذهبوا في نتائجهم على عكس اتفاق العلماء الطبيعيين والكيمائيين والرياضيين على نتائج علومهم، والسبب هو عدم صلاحية المنهج التجريبي للدراسات الإنسانية لوجود عنصر غيبي في الذات الإنسانية وهو الروح.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (25)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …