تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.
وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.
الدكتور سامي عوض العسالة
بقية الفصل الأول: الإلهيات
بقية المطلب الثالث: صفات المعاني
بقية: ب ـ المعتزلة:
بقية: الرد على حجج القائلين بنفي الصفات:
(3) صفة العلم
تعريف الإمام أبي العزائم لصفة العلم:
يعرف الإمام أبو العزائم العلم فيقول: “هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض”([i]).
ويذكر الإمام الكثير من الأدلة القرآنية على هذه الصفة فيقول: ” قال تعالى فى إثبات العلم له سبحانه ولو بأخفى الخفيات حتى بما يهجس على خاطر الإنسان وتوسوس به نفسه: )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ( [ق: 16]، وقال تعالى فى بيان كمال علمه بدلالة الخلق عليه: )وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ( [الملك: 13]، وقال تعالى في ذكر أنه تعالى عالم بالإنسان في حال كونه جنينًا في بطن أمه وفى حال نشئه: )أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( [المجادلة: 7].
تفصيل ذلك أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجرى في تخوم الأرضيين إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفًا به في أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالتحول والانتقال.
وقد التزم الإمام أبو العزائم بمنهج القرآن الكريم – كما هي طريقته – في إثبات صفة العلم وبيان ما يتعلق بها من أحكام، فهو 0 يستدل على ثبوتها لله U بالقرآن الكريم – كما رأينا – كما يتناولها بالشرح والتبيان كلما تعرض لتفسير آية تتحدث عن علم الله تعالى، وقد أجاد في ذلك وأحسن.
وهاك بعض النصوص من تفسيره توضح ذلك، أتبعها بتحليل مهم.
– يقول في تفسيره لقول الحق جل وعلا: )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ( [البقرة: 30]:
“… والله سبحانه هو الذي يعلم بذاته الأشياء قبل وجودها؛ لأن علم الله تعالى سبب في وجود الأشياء، فما من شيء يعلمه الله إلا أحدثه وأوجده. وعلم الحوادث لا يحصل إلا بوجود الأشياء؛ لأن وجود الأشياء – في الحوادث – سبب لوجود العلم بها، فالخلق لا يعلمون شيئًا إلا إذا تعلموه أو شهدوه موجودًا، وشتان بين علم الخلاق العليم وعلم العبد المقهور الذليل. فالله سبحانه يعلم الأشياء كُلِّيها وجزئيها قبل وجودها على ما تكون عليه في إيجادها وبقائها وفنائها، وما تؤول إليه بعد فنائها. كل ذلك يعلمه الله بعلم هو صفته الذاتية له، لا ينفك عنه سبحانه”([ii]).
وهنا نلاحظ أن الإمام يقارن بين صفة العلم عند الله تعالى، وبين العلم عند الإنسان، رغم عدم إكثاره من إجراء هذه المقارنات للصفات بين العبد ومولاه، ويرجع السبب فى ذلك – فيما أرى – لإثبات علم الله تعالى بالجزئيات، خلافًا لمن زعم أن علم الله لا يحيط إلا بالكليات، وأن الله لا يعلم بالجزئيات إلا بعد وقوعها، ولشبهة تغير صفة العلم، لأن ذلك كله إنما هو من صفات الحوادث. وللاعترض الذي ساقه الإمام الغزال للرد على الفلاسفة وسوف نرى أن الإمام يستنكر تشبه العلمين أحدهما بالآخر.
– وفى تفسيره لقول الله تعالى: )ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔۥدُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ( [البقرة: 255]، يقول: “وبهذه الآية انفرد الله تعالى بالعلم دون غيره، والمنفرد بالعلم سبحانه هو المعبود بحق، الذى لا تصح ولا تجوز العبادة لغيره”([iii]).
كل ذلك يعلمه الله، بل وما هو في كل ذرة من ذرات الكائنات وخواصها ومميزاتها، بل وما فوق ذلك من أسماء الله تعالى وصفاته ومعانى صفاته، بل وما حجب، فإن علم الله تعالى يحيط بواجب الوجود، وممكن الوجود، تنزهت حضرة العلم الإلهي أن يكون شيء ما كائنًا ما كان لا تحيط به، وتنزهت أيضًا عن أن يكون علم الله يتجدد بتجدد الأحداث أو بتجدد الأعيان، بل علم الله محيط بالجزئيات والكليات، خلافًا لمن زعم أن علم الله لا يحيط إلا بالكليات، والكل منكشف لعلم الله من الأزل إلى الأبد، فهو تعالى كما يرى النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، بل ويرى نياط عروقها، فهو تعالى يعلم كل ذلك بعلم خاص بذاته العلية ليس كمثله شيء؛ وما علينا إلا أن نسلم لله فيما أخبرنا به تسليمًا كاملًا، ونَكِلَ الكم والكيف إلى جهلنا الأول، حتى يطلعنا الله تعالى على ما يليق بكماله وجماله وجلاله وبهائه وضيائه ونوره سبحانه”([iv]).
=======================
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية