تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.
وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.
الدكتور سامي عوض العسالة
بقية الفصل الأول: الإلهيات
بقية المطلب الثالث: صفات المعاني
بقية: ب ـ المعتزلة:
بقية: الرد على حجج القائلين بنفي الصفات:
بقية: (3) صفة العلم
يرد الإمام “الغزالي” على ابن سينا بقوله: “فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه فلا يخفى هذا عن مذهبه ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره وهو الذي اختاره ابن سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء علمًا كليًّا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي”([1]).
وشبهة الفلاسفة في ذلك أن الله تعالى لو علم الجزئيات المادية والتي من طبيعتها التغير، للزم على ذلك التغير في القديم، وهو محال.
فمثلًا: لو علم الله تعالى أن زيدًا سيدخل الدار غدًا، ثم دخل زيد الدار في الغد، فهنا نتساءل: أبقي العلم على حاله، وهو أن زيدًا يدخل الدار غدًا أم أنه زال وحصل العلم بأنه دخل اليوم؟.
فإن قيل بالأول فهذا جهل؛ لأنه غير مطابق للواقع، وإن قيل بالثاني لزم تغير العلم الأول من الوجود إلى العدم، والعلم الثاني من العدم إلي الوجود وهذا محال بالنسبة للقديم؛ إذ من الثابت أن القديم لا يتغير، وعلم الله قديم.
وهذه الشُّبه “للفلاسفة” جعلت الإمام “الغزالي” وبعض علماء الكلام يشنعون على الفلاسفة، ونسبوا الكفر إليهم، ومنهم الإمام “الطوسي”.
وردوا على هذه الشبهة بأن التغير الذي يحدث في الأحوال المذكورة في المثال السابق إنما هو في التعلق، ومن الثابت أن العلم صفة لها تعلق، فالتغير المذكور في المثال وقع في التعلق، فلا تغير فيه أصلًا؛ إذ هو صفة لله وهو منزه عن الزمان، فليس له ماض ولا مستقبل، فنسبته إلى جميع الأزمان واحدة، فهو يعلم أزلًا الجزئيات والأحداث الزمانية مفصلة في أزمنتها.
وإذا كانت هذه هي وجهة نظر أصحاب الاتجاه الأول في فهم كلام الفلاسفة، فإنا نجد هناك من حاول تبرئتهم مما نسب إليهم، وأن القول بأن الفلاسفة ينكرون العلم بالجزئيات حال عليهم من لا يفهم كلامهم، ويمثله “الشيرازي وابن رشد”.
فقد ذهب “الشيرازي” إلى أن كلام الطوسي هنا من قبيل الخطابيات، والتي لا تغير في العقائد حيث يقول: “لما استحصل الشارح ظن المتكلم بمطلوبه بالمقدمات الخطابية السابقة برهن على المطلوب بأنه قد ثبت أن المبدأ الأول عالم بذاته أو ثبت أن ذات المعلول نفس العلة، فإنه لما كانت العلتين متحدتين لا محالة، إذ أن تغاير العلتين ليس إلا في الاعتبار كذلك تغاير المعلولين، ولقائل أن يقول لا نسلم أنه إذا كان التغاير بين العلتين اعتباريًّا يلزم أن يكون التغاير بين المعلولين أيضًا كذلك، ألا يرى أن العقل علته الأولى باعتباراته الثلاثة العقل، والنفس، والبدن، ولا شك أنها متباينة غير متحدة”.
والشيرازى هنا يرى أن اعتراض “الطوسي” وارد على فهمه لكلام الشيخ “ابن سينا” لا على مراده، وذلك لأن العلم بالجزئيات المتغيرة إنما يكون متغيرًا لو كان العلم زمانيًّا – أي مختصًّا بزمان دون زمان – ليتحقق وجود العلم في زمان، وعدمه في زمان آخر، كما فى علومنا، أما على الوجه المقدس عن الزمان.. فلا تغير أصلًا؛ لأن جميع الأزمنة كجميع الأمكنة حاضرة عنده أزلًا وأبدًا، فلا حال، ولا ماضي، ولا مستقبل، بالنسبة إلى صفاته تعالى”([2]).
وإذا كان هذا موقف “الشيرازى” تجاه رأى الطوسي والحكماء، فإنا نجد “ابن رشد” ينحو نحوه حيث يرى: أن (الغزالي) لم يفهم كلام الفلاسفة ومرادهم، منه في هذه المسألة، ولذا كفرهم فيها.
فيقول: ” قد نرى أبا حامد قد غلط على الحكماء المشائين فيما نسب إليهم من أنهم يقولون إنه تقدس وتعالى لا يعلم الجزئيات أصلًا، بل يرون أنه تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا، وذلك أن علمنا بها معلول للمعلوم به فهو محدث بحدوثه، ومتغير بتغيره، وعلم الله سبحانه “بالوجود” على مقابل هذا فإنه علة للمعلوم الذي هو الوجود، فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدة، فذلك غاية الجهل”([3]).
=================================
([1]) كتاب تهافت الفلاسفة للإمام، حجة الإسلام، أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، الطوسي ص206،
المسألة /13.
([2]) بين الفلاسفة والكلاميين ج 2 ص353، 354.
([3]) فصل المقال: ابن رشد، تحقيق: محمود عمارة ص 38، 39. دار المعارف.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية