أخبار عاجلة

من يبني مستقبلنا إذا ضاع شبابنا؟ (1/ 2)

الشباب هم السواعد التي تشيد، والعقول التي تبتكر، والدماء التجديدية التي تتدافع في شرايين الوطن لتبقيه حيًّا نابضًا بالإنتاج والمستقبل...

السيد علاء أبو العزائم

شيخ الطريقة العزمية

ورئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

من يبني مستقبلنا إذا ضاع شبابنا؟ (1/ 2)

مثل الأُمم في جوهرها كائنات حية، تُولد وتنمو وتزدهر، أو تمرض وتشيخ وتندثر، والطاقة الحركية والمحرك الذاتي لنمو أي أمة واستمراريتها يُختزل في كتلتها الشبابية.

الشباب هم السواعد التي تشيد، والعقول التي تبتكر، والدماء التجديدية التي تتدافع في شرايين الوطن لتبقيه حيًّا نابضًا بالإنتاج والمستقبل.

غير أننا عندما نلقي بنظرة فاحصة على الواقع الراهن، نجد أنفسنا أمام مشهد إنساني ووطني شديد القسوة والتعقيد؛ مشهد يتجسد في ظاهرة “هجرة الشباب للخارج”، حيث أضحت الغربة والأحلام المهاجرة هي الهوس الشاغل والأمل الأخير لشرائح واسعة من أبناء الوطن.

لم تعد الهجرة اليوم مجرد تحسين لظروف المعيشة أو فرصة لاكتساب خبرات عالمية ثم العودة لاستثمارها في الداخل، بل تحولت إلى اندفاع يائس نحو النجاة والهروب من واقع ضاغط؛ حتى لو كان ثمن هذه النجاة الموت المحقق.

لقد صرنا نرى الشاب المصري يسعى بكل ما أوتي من قوة، ويدفع مبالغ مالية طائلة يُضطر لاقتراضها أو بيع ما يملكه وأهله، فقط ليشتري بطاقة سفر في “قوارب الموت”، مخاطرًا بحياته في عرض البحر، متحملًا أهوال الأمواج والبرد والضياع.

إن المفارقة المفجعة تكمن في أن هذا الشاب وصل إلى مرحلة من اليأس المطبق تجعله يتمنى الموت في البحر على أن يستمر في الحياة بلا أمل وبلا كرامة، رافضًا بكل جوارحه أن “يعيش في وطنه” في ظل ظروف تسلب منه أدنى مقومات الحياة الكريمة وتحرمه من أسباب الاستقرار.

إن حوادث الغرق المتكررة في البحر المتوسط، والأخبار القادمة من السواحل النائية التي تحمل أسماء العشرات بل المئات من الضحايا النضرة، ليست مجرد أرقام تُقرأ في النشرات الأخبارية وتُنسى مع مر الأيام؛ بل هي نزيف متواصل لجسد الوطن.

إنها جنازة مستمرة لطاقات كان يمكن أن تكون هي العقول المدبرة والأيدي البانية والمبتكرة داخل الأراضي المصرية.

إن الشاب الذي يركب البحر لا يهرب لمجرد البحث عن الترف، بل يهرب من انسداد أفق المستقبل، ومن شعور قاتل بالعجز والتهميش والمهانة المادية والمعنوية.

إن المعاناة اليومية في توفير أبسط متطلبات الحياة تجعل مخاطرة الموت في عرض البحر تبدو في عين الشاب خيارًا منطقيًّا، إذ يرى أن الاحتمالين متساويان: إما موت بطيء باليأس والفقر في الداخل، أو موت سريع في البحر يحمل في طياته نسبة ضئيلة للنجاة والوصول إلى بر الأمان.

وهنا يطرح السؤال الوجودي والحاد نفسه على كافة مستويات صناعة القرار والمجتمع: عندما يهاجر أولئك الشباب، أو يموتون في ظلمات البحر، من سيبني الوطن؟

من سيبني الوطن؟

إن بناء الأوطان عملية سيمفونية تتطلب تتضافر كافة الأجيال، لكن العلاقة بين جيل الخبرات الكهلة والراشدة وجيل الشباب المتحمس والمندفع أحيانًا هي علاقة العقل بالعضلات، أو علاقة المخطط بالمنفذ.

إن القاعدة الأساسية في علم الاجتماع الإنساني وإدارة الدول تُقر بأمر ثري ومهم: “الشباب هم من يبنون البلاد”، في حين أن “الخبرات توجه الشباب”.

الخبراء، والعلماء، وكبار التكنوقراط، والمهندسون والمخططون الذين امتدت سنوات عطائهم لعقود، يمتلكون المعرفة العلمية والتراكم التجريبي الذي يحدد الرؤى والمسارات، لكنهم بحد ذاتهم لا يملكون القوة البدنية أو الطاقة التنفيذية الاستمرارية لنزول الميدان، وحفر الأنفاق، وإقامة المصانع، ورعاية الحقول، وتطوير التكنولوجيا بشكل يومي شاق.

إن ما يحدث عند استنزاف الطاقة الشبابية وتهجيرها أو إغراقها في طموحات الموت هو إخلال صريح بالمعادلة الوجودية للبناء.

إذ يطرح الواقع تساؤلًا منطقيًّا شديد القسوة: إذا ضاع جيل الشباب أو قُضي عليه باليأس والضياع والهجرة، فمن سيوجه الخبرات؟

حين تخلو الساحة الوطنية من القوة الشابة المعطاءة، تصبح الخبرات والعقول الكبيرة مجرد دوائر مفرغة تعيش في أبراج عاجية؛ تخطط لقواعد لا وجود لها، وتصيغ استراتيجيات لعدمٍ لا يستجيب.

فمن يبني حقيقة هم الشباب المنتجون، وحين يموت هؤلاء الشباب في البحار أو يُدمرون نفسيًّا واقتصاديًّا بالداخل، فإن خبرات الوطن العريقة تصبح بلا فائدة ولا أثر لها، وتتحول الدولة تدريجيًّا إلى كيان مشلول يمتلك خططًا على الورق دون وجود أذرع قادرة على تحويل هذه الخطط إلى واقع ملموس.

إن فقدان العنصر الشاب لا يعني فقط خسارة عمالة بدنية، بل يعني تدمير نقل الخبرة التراكمية بين الأجيال.

فالمهندس الخبير يحتاج إلى مهندس شاب ينقل إليه أسرار المهنة، والطبيب المقتدر يحتاج إلى طبيب مقيم يتدرب على يديه ليستلم الراية، والباحث العالم يحتاج إلى طلاب ماجستير ودكتوراه يكملون مسيرته البحثية. فحين يُفرغ الوطن من شبابه، تنقطع السلسلة المعرفية والمهنية، وتجد الدولة نفسها فجأة أمام جيل من أصحاب الخبرات المتقدمين في السن دون وجود صف ثانٍ أو ثالث لاستلام مقاليد العمل، مما يؤدي إلى انهيار المؤسسات وتعطل الإنتاج.

من هنا تبرز الحقيقة التي لا مرية فيها: إنه يجب على الدولة الحفاظ على أولادها وشبابها باعتبارهم الأصل الاستثماري والأمني الأهم على الإطلاق، قبل أن تجد نفسها أمام واقع خاوي العروش، ومجتمع عاجز عن الحركة والإنتاج.

جذور الرؤية الرسمية للحقوق والعدالة

لكي نفهم الأزمة الحالية وأبعادها النفسية والاجتماعية التي تحكم علاقة الشاب المصري بالدولة، يجب أن نعود بالذاكرة إلى الوراء لنستقرئ الجذور الفكرية والسياسية التي أدارت بها النخب الحاكمة عقودًا طويلة ملفات حقوق المواطن، والتعليم، والعدالة الاجتماعية.

ومن القصص الدالة في هذا السياق، ما حدث عندما كان الرئيس الأسبق حسني مبارك نائبًا لرئيس الجمهورية أنور السادات، حيث قام بزيارة رسمية لسفارة مصر في فرنسا، وأبدى رغبته في لقاء أفراد الجالية المصرية من حملة الماجستير والدكتوراه والمبتعثين للدراسة هناك للوقوف على مشاكلهم وآرائهم.

وخلال هذا اللقاء الذي جمع بين السلطة والتكنوقراط الشباب وأصحاب العقول الفذة، دار حوار كشف بوضوح عن فلسفة الحكم والنظرة إلى مفهوم الدولة والمواطنة.

سأل الحاضرون مبارك عن رأيه في فرنسا كدولة ومجتمع، فأشاد بها، وأكد أنها بلد عريق، وقوي، ومتقدم يملك مؤسسات راسخة.

وهنا طرح عليه الشباب السؤال الفطري والتلقائي: “هل تتمنى أن تصبح مصر مثل فرنسا أو أفضل منها؟”

فكان رده “بالتأكيد، أتمنى أن تكون مصر أفضل من فرنسا”.

ولكن عندما تحول النقاش إلى كيفية الوصول بمصر إلى تلك المرتبة، وحدد الحاضرون أن فرنسا بلغت ما بلغت من تقدم وتطور عبر التزامها بثلاثة أركان أساسية: (الحرية، والتعليم، والعدل)، جاءت ردود مبارك النائب لتعكس منطقًا سياسيًّا ألقى بظلاله الكثيفة على مستقبل الأجيال التالية:

مفهوم الحرية: حين أشار الحاضرون إلى أهمية الحرية في استغلال الطاقات البشرية وتحفيز الإبداع، اعتبر مبارك أن الحرية أمر صعب ومنفذ الخطر في مصر، بحد قوله: إننا شعب ظل خاضعًا للاحتلال والسيطرة على مدى ألفي عام، وبالتالي فإن إعطاء الحرية الكاملة للشعب فجأة سيؤدي بالضرورة إلى الفوضى المطلقة والانفلات، وكأن الشعب غير جدير أو غير قادر على ممارسة حريته بوعي ومسؤولية.

هذا الطرح يعكس نظرة أبوية وصائية ترى في الشعب والمواطن قاصرًا يحتاج دائمًا إلى الوصاية والضبط الأمني، بدلًا من إعداده لممارسة حقوقه الديمقراطية.

منظومة التعليم: وعن التعليم باعتباره المحرك الأساس لأي نهضة، أشار إلى أن التعليم في مصر بالمجان، وأن “اللي عايز يتعلم يتعلم”.

لكن الواقع الحالي يؤكد أن منظومة التعليم قد تدهورت وأصابها العطب وتخلت عن جودتها، دون تقديم رؤية إصلاحية جذرية أو إرادة سياسية لإعادة بناء هذا المرفق الحيوي.

لقد اختصرت النظرة الرسمية للتعليم في مجرد تقديم خدمة شكلية ومجانية بلا مضمون حقيقي، مما أدى لتردي المستويات وتخريج أجيال تفتقر للمهارات التي يحتاجها سوق العمل الحديث.

قيمة العدل: وكان الرد الأكثر إيلامًا وتكثيفًا لفلسفة العجز يتجسد في التعليق على “العدل”، إذ اعتبره مجرد “قضاء وقدر ملناش دخل بيه”، مفرغًا بذلك مؤسسات الدولة والسياسات العامة من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية عن إقامة العدل وتكافؤ الفرص وسيادة القانون بين المواطنين.

إن هذه النظرية الثلاثية – الحذر الشديد من الحرية باعتبارها مفسدة وفوضى، والتعامل مع التعليم بجمود وشكلية وتجاهل للتردي، وإحالة العدل والمساواة إلى القدرية المحضة للتهرب من المسؤولية – أدت على مدار العقود الماضية إلى تآكل الثقة بين المواطن الشاب ودولته.

إذ نُزع من الشباب شعورهم بالحق في التغيير والتعبير، ورُفعت يد الدولة عن تقديم تعليم يواكب العصر، وتراجعت معايير العدالة الاجتماعية لصالح المحسوبية وتراكم الثروات في أيدي فئات محدودة، مما خلق بذور الاغتراب النفسي والسياسي التي أثمرت لاحقًا رغبة عارمة في الخروج والهروب والبحث عن وطن بديل يحترم الآدمية.

مسألة الولاء بين واقع المعاناة والخطاب الرسمي

تستمر آثار هذه المفاهيم التاريخية في التلقي والتعاطي السياسي حتى وقتنا الراهن، ويتجلى ذلك في التباين الصارخ بين معيشة المواطن اليومية والخطاب الشكلي للولاء.

منذ عدة أشهر، شهدت الجلسة العامة لمجلس النواب المصري نقاشًا حادًّا وشفافًا بين أحد النواب ورئيس المجلس، وهو النقاش الذي تلخصت فيه كافة أبعاد المعاناة النفسية والاجتماعية للشباب المصري اليوم.

تحدث النائب بنبرة تعبر عن الشارع المأزوم، واضعًا يده على الجرح النازف وتساءل باستنكار واقعي:

“إزاي المواطن يبقى عنده ولاء للوطن وهو حقه متاكل ودخله مش مكفيه؟”.

كان هذا التساؤل يعكس الحقيقة الميدانية الصعبة؛ فالشاب الذي يصحو يوميًّا ليواجه الغلاء المتصاعد، ويعجز عن تدبير أدنى احتياجاته الأساسية من غذاء ومسكن وعلاج، ويرى حق جدارته يُسلب منه لصالح الوساطة والمحسوبية، يجد صعوبة بالغة في استشعار الانتماء لكيان يراه غريبًا عنه ومستغِلًّا لجهده.

إلا أن رئيس المجلس رد بالعبارة التقليدية الحازمة:

“الولاء للوطن لا يُشترى بالفلوس يا سيادة النائب”.

رغم أن المقولة في ظاهرها تنطوي على قيمة أخلاقية سامية تنص على أن الوطن ليس سلعة تُباع وتُشترى، وأن الوطنية عاطفة مجردة لا تقاس بالمال، إلا أن استخدامها في هذا السياق يحمل نكرانًا للواقع البيولوجي والنفسي للإنسان.

الولاء نبتة رقيقة تحتاج إلى تربة من الرعاية والكرامة كي تنمو وتثمر.

إن المواطن لا يبيع ولاءه، لكنه يفقد هذا الولاء تلقائيًّا حين يشعر أن هذا الوطن تحول بالنسبة له إلى سجن أو ساحة طاردة لا توفر له أسباب بقائه، وتعامله كخصم أو مجرد أرقام جباية.

المؤلفة قلوبهم

لذلك، يجب أن نتجاوز هذا الخطاب الإنشائي والوعظي، ونعترف بأن الشباب الحالي يجب اعتبارهم من “المؤلفة قلوبهم” في الولاء لوطنهم.

إن مفهوم تأليف القلوب في هذا السياق السياسي والاجتماعي يعني أن الدولة مطالبة بالسعي الحثيث لكسب أجيالها الشابة، عبر تقديم أدلة مادية ملموسة تؤكد أن الوطن يرعاهم، ويحميهم، ويصون كرامتهم، ويوفر لهم أسباب الحياة.

إن إطعام جائع وتوفير ملاذ لشباب مهدد بالضياع ليس “شراءً للولاء”، بل هو إقامة لأركان العقد الاجتماعي الصحيح بين الدولة ومواطنيها؛ عقد يضمن الواجبات في مقابل الحقوق المكفولة.

فكيف نبني هذا العقد الاجتماعي بين الشباب والوطن؟ وكيف نحفظ وطننا من مصير الديناصورات؟.. هذا ما سنتحدث عنه تفصيلًا في المقال المقبل.

وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وسلم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإعلام: بين سيدنا الحسين.. وسيدهم يزيد!!

إن حياة الإمام الحسين هى مدرسة الأجيال الكبرى التى تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعًا …