النجاة من الهول في الدنيا والآخرة، والحظوة بالحسنى في الدنيا والآخرة، والقرب من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله J في الدنيا والآخرة أن تُحِلَّ حلال القرآن قولًا وعملًا، وأن تُحَرِّم حرامه قولًا وعملًا. فهو إمام الحق، الذي لا تشوبه ظلمة، وحبل الله تعالى الذي هو ممسوك بيمينه، من تمسك به وصله الله. بيَّن رسول الله J بقوله وعمله وحاله أسرار القرآن، وكشف أنواره، ووضح مناهجه…
الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
مصادر الشريعة الإسلامية
أولًا: القرآن الشريف:
النجاة من الهول في الدنيا والآخرة، والحظوة بالحسنى في الدنيا والآخرة، والقرب من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله J في الدنيا والآخرة أن تُحِلَّ حلال القرآن قولًا وعملًا، وأن تُحَرِّم حرامه قولًا وعملًا. فهو إمام الحق، الذي لا تشوبه ظلمة، وحبل الله تعالى الذي هو ممسوك بيمينه، من تمسك به وصله الله. بيَّن رسول الله J بقوله وعمله وحاله أسرار القرآن، وكشف أنواره، ووضح مناهجه.
القرآن، القرآن: إخواني موتوا به واحيوا به، واعملوا به، وأطيعوا به ربكم I، وكلوا به، واشربوا به، وناموا به، وتاجروا به، وازرعوا به، أي لا تعملوا عملًا حتى يظهر لكم من القرآن الشريف حكمه، فإن أحلَّ فاعملوا، وإن حظر فامتنعوا.
القرآن الشريف: حجة الله تعالى وحجة خلقه، فمن كان القرآن حجة له رضي الله عنه وأرضاه، ومن كان حجة عليه سخط عليه وأقصاه.
القرآن: اقرءوه بلسان الفكر وعين العبرة وهمة الاتباع وعزيمة العمل به.
القرآن: نجا به من فهمه عن الله تعالى وعن رسوله J، وهلك من فهمه بعلومه العقلية، وأفكاره الدنيوية، وحظوظه النفسانية.
القرآن: كلام الله تعالى، ووصفه، وأخلاقه، وكمالاته، وجمالاته، وجلاله.
القرآن: ذات وأحكام، وأوصاف وأسماء، وعبرة وتنزل، ورموز وأسرار، ومحكم ومتشابه. اقرءوا القرآن لله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن: 1 – 2).
وصلى الله وسلم على من كان خُلقه القرآن، ومعجزته القرآن، وآياته القرآن، وعمله القرآن، وحاله القرآن، ومقامه القرآن، وعلى آله ورثته والتابعين آمين.
ثانيًا: السنة المحمدية:
حصن الله الحصين، الذي وهبه لأهل خصوصيته، ومنحه لأحبابه. والسُّنَّة المحمدية: لسان الحق المبين لكلامه الموضح لسبيله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ﴾ (آل عمران: 31). أثبتت المعجزة والآية أنه رسول الله J، وأنه متجمل بأكمل الأوصاف التي يحبها الله تعالى من عباده، وأجمل الأعمال التي يريدها الله من أحبابه، وأتم الأخلاق التي هي أخلاق الله، نطق على لسانه J بكلامه القديم، وهدانا J للإيمان والتوحيد، فهو الحج البالغة، والآية الظاهرة، به يهتدي المهتدون، وباتباعه يتقرب المتقربون، فمن رغب عن سننه ـ ولو عمل بكل الكتاب ـ فهو هالك. ومن أقام سنته واهتدى بهديه وتابعه نجا، وحظى بحظوة الشهود.
فالسُّنَّة السُّنَّة، إخواني اعملوا بها ولو في آخر نفس من الحياة، احيوها تحيوا، وانصروها تنصروا.
الحلال بيِّن والحرام بيِّن، اللهم احفظنا بالسُّنَّة في قولنا وعملنا وحالنا، واجعلنا ناصرين لها في أنفسنا وأهلنا وإخواننا يارب العالمين.
اللهم احفظنا من البدعة والمخالفة، ومتابعة الحظ والهوى، والغرور بالدنيا وبعلومها يارب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أولاً: السلف الصالح:
قوم نصروا الله ورسوله، بذلوا أموالهم وأولادهم وأنفسهم وديارهم، وتركوا دنياهم في حب الله تعالى وحب رسوله وحب دينه، ورضيهم الله أنصارًا لنبيه، وحملة لدينه، وأئمة للمخلصين من عباده، مدحهم في كتابه، ورضي عنهم، وأخبر برضوانه عنهم في الذكر الحكيم. بهم قام الدين وانتشر، وعضد النبي J وانتصر. هلك من خالفهم أو نقصهم أو نقدهم، خصوصًا أولي العزائم منهم، الأئمة المرشدين، والخلفاء الراشدين، المشهود لهم بالجنة من الصادق الأمين.
أول من أسلم من الصبيان علي كرم الله وجهه، ومن النساء خديجة الكبرى B، ومن الرجال الصديق المخصوص بأكمل الخصوصية أبو بكر 0، ومن الموالي بلال وحارثة وولده زيد. والسيدة البارة النقية الطاهرة بضعة النبوة الزهراء B. وبقية الصحابة من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان.
الله الله إخواني في أصحاب النبي J وأنصاره ومن تبعهم بإحسان من سلف المؤمنين، فهم الأئمة، من اهتدى بهديهم نجا، ومن سلك مسلكهم هدى. رضوان الله عليهم أجمعين.
ثانيًا: المعاصرون
المعاصرون إخوانكم في الدين وأصدقاؤكم، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10) ليكن الكبير كالوالد، والمساوي أخًا، والصغير ولدًا بجميع شروطهم. لا تفرقوا بين بينكم، ولا تحتقروا مسلمًا، فإن الله تعالى ما رضيه للإسلام إلا وهو عنده عظيم، “محمد ماضي” بريء ممن يفرق بين مسلم وبين نفسه لسبب “محمد ماضي”.
إخواني، إني أعتقد أن كل مسلم خير مني ـ ولو ارتكب أكبر الكبائر غير الشرك ـ لأن الله سبحانه له سر بينه وبين من رضي لهم الإسلام دينًا يخفى على البصيرة، ويسترهم بستور لتخفى مراتبهم.
“محمد ماضي” لا يرى مسلمًا مرتكبًا كبيرة إلا نظر له بعين الشرع رحمة له، ويعظه بالحسنى نيابة عن صاحب الشريعة، ونظر له بعين الحق فأوَّل حاله قائلًا: لعله من أهل الخصوصية الإلهية، وستره الله تعالى بفضله، فإني أعتقد أن القضاء لا يمنع الإعطاء من فضل الله تعالى، فأعظمه في قلبي، وأخافه في نفسي، تعظيمًا لسر الله الذي ورد على قلبي؛ لأن الله تعالى لا يعطي فضله لعلة عمل، ونصحته بلساني حُبًّا له، وتعظيمًا للشرع، فأكون معظمًا الله تعالى في الحالتين.
إخواني، اتقوا الله في عباده، وعليكم أنفسكم، فاجلوا مرآة قلوبكم بعمل القلوب، واشتغلوا بذنوبكم، فإنكم محاسبون عليها لا على ذنوب غيركم، وارحموا عباد الله تعالى، ذكروهم بالحسنى، عظوهم باللين، أعيونهم بفضل أموالكم وجميل كلامكم، وأحبوا لهم ما أحببتم لأنفسكم، والله ولي المؤمنين، وصلى الله على سيدنا محمد الرءوف الرحيم وعلى آله وصحبه وسلم.
كيف الوصول؟
الوصول بحفظ الأصول:
تحقق أن الأعمال البدنية لم يقم بها العبد عبثًا، بل بوازع قلبي، وهمة دعته للقيام بها، والهمة التي توجه كُمَّل الرجال لغايتها من التربية، والإشارة هي الهمة في تطهير قلب السالك من الحظوظ التي تخالط العزيمة الباعثة على العمل، فإن الأعمال البدنية نتائج تلك المقاصد القلبية، ولا يكون لله منه إلا ما كان خالصًا لوجهه؛ لأنه I عظيم غني قادر، لا يحتاج إلى عمل الأبدان ولا عمل القلوب، ولكنه يحب من عبده الإخلاص لذاته سبحانه؛ لأنه هو الذي منح العبد كل خير، وأمده بكل نعمة، فالإخلاص لذاته سبحانه يكون كشكر للمنعم الحقيقي، وامتزاج الأعمال البدنية بتلك الحظوظ والأهواء من الرياء ؛ وحب الشهرة،؛ وحب مدح الخلق؛ ونوال العرض الفاني ؛ وأن يقول الناس: فلان مجاهد؛ أو: حاج ؛ أو صالح ؛ أو: عالم ؛ يعد كشكر لغير المنعم، وعمل غير خالص للمقصود به، فيحرم العالم بسبب نيته هذه رضا المنعم الحقيقي، وربما عوقب في الدنيا ولم ينفعه عمله؛ لأنه صدر عن عزم لغير الله تعالى، ونيته في غير وجهه الكريم.
مع أن هذا العالم لو ذاق حلاوة الإيمان، وتحقق كمال التحقق بما يناله ـ لأخلص لهذا الرب الكريم – من إسباغ النعم، وتوالى المنن، والرضوان الأكبر، والفوز في الدنيا والآخرة، ولبخل بنفس يتنفسه لغير الله، ولعد نفسه مشركًا عندما يحدث أمرًا من صغير الأمور وكبيرها بغير نية صادقة، ووجهة صادقة لوجه الله تعالى، فكيف يكون حال عامل يعمل بنيته لغير الله تعالى من نوايا الحظوظ والشهوات الخفية؟ أترك هذا الحكم للبصير المتدبر. فالسالك طالب الوصول والقرب من الله تعالى لا يتنفس نفسًا، ولا يتحرك حركة إلا وله نية صادقة في الله تعالى، حتى يكون حاضرًا معه سبحانه، لا يغيب جسدًا ولا عزمًا، وهذا معنى قوله J: (أكثر شهداء أمتي أصحاب الفُرُش، ورب قتيل بين الصفين لا أجر له؛ لأنه قاتل لا لإعلاء كلمة الله تعالى، بل ليقال، أو ليغتنم).
فتدبر أيها السالك، واحفظ أنفاسك ولحظاتك وأعمالك، وكن حاضر القلب مع الله تعالى مخلصًا في النية فإنها أصل الأصول، ومتى سلم الأصل قبل الفرع وسلم. والله I يمنحنا القبول والإقبال، ويحسن سريرتنا، ويجمل حالنا، وحسن مآلنا، إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مشاهد الروح:
الروح مشهدها الملكوت، فإذا صفت فمشهدها حضرة العزة، فإذا تجملت بنفخة القدس فمشهدها الجبروت، ولكل مشهد أنوار وأسرار وأحوال.
والقلب بيت التجلي وعرش المتجلي.
والنفس إذا زكت أشرفت على غيب التنزلات، وكوشفت بالمنازلات.
والإنسان الكامل سره مشرق بأنوار الإطلاق، وعلنه مستنير بنور الحصون من سر ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الفتح: 29).
إنما يقوم الدين باليقين:
الإنسان وما أدراك ما الإنسان، هو ذلك الحيوان الناطق المفكر، فبحيوانيته المطلقة يلتحق بكل نوع من الحيوانات جبنًا وافتراسًا وإقدامًا وانقيادًا. وإنما تؤثر عليه بواعث النفس المكتسبة من مشاهدات الحوادث، وأخبارها المتبادرة على سمعه تارة بحقيقة وآونة بخديعة؛ حتى يحصل له من مؤثرات تلك الأسباب والاتصاف بالنوع المناسب لها، إقدام أو إحجام. هذا هو الإنسان.
فإذا أشرق على قلبه نور اليقين الحق، وباشر سره وأثر فيه حسن الاعتقاد الجازم بأن الكون له مكون مدبر قادر مريد فاعل مختار، وأنه هو النافع الضار القوي المتين، وتحقق أنه عبد لهذا السيد الكبير المتعال، مكلف بأن يقوم بما أوجبه عليه ابتغاء مرضاته ونوال الحظوة لديه، انبعث فيه روح الإقدام، واثقًا بنوال النجاح، مطيعًا في تأدية ما كلفه به I، إما بالنجاح في الدنيا والآخرة، أو بالنجاح في الآخرة، وهو المقصد الذي تتشوق إليه أرواح أولي العزم من الكُمَّل، والمتيقنين أن الدار الدنيا لا بقاء لها، وأن الآخرة دار القرار، وبهذا اليقين الحق يقوم المسلم ناصرًا لله I، مدافعًا عن حقوق دينه وإخوانه ووطنه، مدافعة يلاحظ فيها القيام لله تعالى من دون حرص على حظ، ولا أمل قاصر على عاجل، وغير متيقن كمال نجاحه في أمر الدنيا، بل يفعل ذلك قيامًا بالواجب للحق سبحانه، وإرضاء له جلت قدرته، والأمر مفوض لجنابه الأعظم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (الأنبياء: 23).
كل ذلك نتائج اليقين، على أنَّا لو ثبت اليقين في قلوبنا، وكمل الإخلاص عندنا، وقمنا على هذا الوجه محافظين على كل ما يلزم له من تطرق دسائس الشيطان، وخفايا الحظ والهوى، لحكمنا أن الله سبحانه منجز ما وعد ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 9).﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) ولكن داعية النصر متوقفة على أن يكون العزم والقصد نصرة الله تعالى، وإحياء دينه في أنفسنا وفي غيرنا؛ حتى تطمئن قلوبنا بما وعدنا ربنا I.
فعلى كل فرد تنورت بنور الإيمان بصيرته، وباشر اليقين الحق قلبه أن يجاهد نفسه لتذل وتنقاد، موقنة بأن الله سبحانه قادر على كل شيء، ينصر من يشاء، ويؤيد من يشاء، بجماعة وغير جماعة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ (آل عمران: 126).
الجهاد الموصل:
تَعْلُقُ النفس بعالم الكون بحسب فطرتها العنصرية؛ لأن الأجسام أصلها من صلصال من حمأٍ مسنون، وقد ركبت بحكمة بديعة اقتضى تركيبها امتزاج الأخلاط المتنافرة بنسبة تحفظ كيان الجسد لزمن ما، بحيث لا يكمل نعيمه في هذا الكون إلا بحفظ تلك النسبة، وتعادل الأخلاط، فينشأ عن كل نوع خلق خاص، ينبعث عن خواصه اللازمة له بحسب التركيب، فقد يحيط بالنفس عدة تأثيرات منبعثة عن تلك الأخلاط، فتكون بحسب قوة الداعي، ويصدر عن النفس أقواها ولذلك كان الإنسان في كل أفراده لا يمكن أن يجتمع اثنان على مبدأ واحد من كل جهاته، وإن اتحدت الأعمال بحسب المقتضيات، فقد يعمل الإنسان العمل مكرهًا وهو ينوي غيره، أو يمهد به لغيره، ولا تكاد ترى القوى الباطنة إلا مفكرة في أمور تغاير أعمال الأبدان، سواء كان ذلك في عمل الأبدان أو راحتها، فالقوى الباطنة دائمة الدأب في كل أفراد الإنسان، ولكن تتفاوت المقاصد وتختلف المطالب، حكمة بالغة، وأسرار خفية.
فمن أفراد الإنسان من يقهره عامل فكره، فينجز كل باعث انبعث عن نفسه، ويظهر كل هم هجس بضميره، غير متدبر ولا متفكر في عواقبه؛ لأنه جاش بخلده وحسَّنه له الخيال أو الوهم، بعدة بواعث في حظ أو لذة أو أمل أو طمع في خلود، أو حب سيادة وشهرة وسمعة، أو مناظرة لنظير، أو حسد لقرين، فيعمل العمل بإقدام بلا روية ولا اعتبار بالحوادث، بل يُهوِّن عليه كلَّ صعب حظُّه الخفي، وهواه المتبع، حتى تنكبه الكوارث، وتنوبه الخطوب، فيحدث عنده ألم الندم على الإقدام، ويتمنى أنه لم يفعل، ويفتح عليه باب “لو” آمالًا وأوهامًا، تجعله في حضيض الغفلة.
هذا شأن الإنسان وتعلقه بالعمل، فإذا كانت القوى الباطنة قابلة للعبرة والذكرى؛ درست من تلك الحوادث في نفسها أو غيرها درس الأخلاق التي بها تحسن عيشتها في تلك الحياة الدنيا، ووقفت عن الإقدام حتى يتبين الرشد من الغي.
وإذا أهِّلت النفس للتزكية واستعدت للصفا تكون في النفس قوى حاكمة قابلة للفكر وسماع الموعظة، فحاكمت كل هم انبعث عن تلك العناصر المختلفة إلى الحق، وغالبت تلك الهمم الداعية، حتى تقهر الشهوات، وتتوسط في المجاملة بالبحث عن أحوال السابقين، وأعمال المقربين، وتقابل أعمال أهل الغي التي توجب النفور، وتثير نيران البلايا النفسانية، بحكمة وتودد وتثبت، فما رأته لا يضر في الدين ولا في البدن صبرت عليه أو رضيت به، بحسب مكانتها من تلقى القدر. وما رأته يضر بالدين أو بالبدن وأمكنها زواله بطريق يرضى الله ورسوله استعانت بحول الله وقوته على دفعه بالحيلة، أو العمل، أو بمحو موجبه من نفسها ـ إن كان له موجب ـ وما لا قبل لها به ابتهلت إلى الله سبحانه في صرفه، متفكرة في الحيلة التي تدفعه عنها.
وعلى ذلك، فعلى المجاهد أن يعد القوة والحصون، التي يدفع بها النازلة من العدو، ويقى بها نفسه، ومن القوة عمل كل حيلة، وإعداد كل مساعد، وهذا من الإيمان، وليس عليه أن يهمل العَدد والعُدد ويتسالم تسالم الجماد أو النبات؛ لأن الله أودع في كل رتبة من رتب الوجود قوى إلهية تحفظه وتعينه، وبهذا يكون الجهاد موصلًا، وهو مبدأ الجهاد الأكبر.
عمل لا قول:
نعم، ثبت بالشرع الشريف أن الأعمال نتائج العلم، والعلم نتائج العقيدة، والعقيدة نتائج السابقية، وينتج عن كل ذلك “الأحوال” والأحوال نتائج الملاحظة، والملاحظة نتائج الحضور، والحضور نتائج الذكر، والذكر نتائج الحب، وليس لقلب ذاق حلاوة الحب أن يلتفت لقول يصرف به الوقت لشدة محافظته على العمل النافع الذي يقر به لنوال منزلة لدى الحق سبحانه، والفوز بالنعيم المقيم، في دار كرامة نعيم الفردوس الدائم الذي لا ينفد، ولذة الشهود الباقي التي لا تزول، وهو مراد أهل النفوس العالية، التي باشر اليقين الحق قلوبهم، وتحققوا من زوال هذه الدار الدنيا، وزوال ما فيها، وعلموا أن ما فيها من النعيم لا ينال إلا بالهمِّ أو بالسفاهة أو بمضرة الغير ـ مع زواله – فانقطعوا عنها بما تحققوا من بقائه سرمديًّا، ونواله فضلًا وكرمًا بدون طلب للعباد، ولا تحمل مشاق، ولا رضًا بذل ومسكنة.
نصر الله الحقيقي:
قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7). المجاهد الذي يتحقق النصر من الله تعالى، ويتيقن بأن الله سبحانه وتعالى يثبت قدم مجاهد جاهد نفسه الحيوانية عن ميلها الشهواني والعدواني، وحفظها من الطمع الشهوة، والنفس الإبليسية من الاتصاف بالصفات الخبيثة من الكبر والحقد والغرور والفخر والزهو والعلو في الأرض والأثرة والمزاحمة، ونفسه الإنسانية من الأمل والحرص والمنافسة وحب الذات، حتى يطهر من جميع الدسائس الحاجبة للروح عن التحلي بمقام الإخلاص والصدق، وفهم خفايا النفوس، وكشف أسرار النوايا والمقاصد؛ حتى يكون على يقين حق من علم خفيات الحظوظ والأهواء، ودسائس النفوس.
فإذا قام مجاهدًا علم كيف يقوى، وتبين له طريق الرشد في سيره وعزمه، وصح توجهه إلى مولاه، وصدقه في قصده، ولدى ظهور سبيل الخير ووضوح منار الحق، يتحقق بالنصر والظفر من الله تعالى، ويكون كالقلب للعالم الإسلامي؛ لأن نيته وقصده وإخلاصه يعم الجميع، فينظر الله سبحانه إليهم من قلبه، فيكون الجميع كقلب واحد في النية والوجهة.
وإذا تحقق نصر الله لعبد نصر، ولو قابلته الجن والإنس بكل قوة وعدة؛ لأن الأسباب الكونية والعادات العقلية والعدد القوية منمحقة في جانب قدرة من ﴿أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82) وهو سبحانه ما وعد بالنصر من قام ينصر نفسه، أو يدافع عن ملكه، أو يظهر عظمة، أو ينتقم من عدوه؛ لأنه سبحانه لا ينظر إلا إلى القلب وهمه ووجهته، ولا يتمكن عبد من العباد أن يتحلى بحلة الصدق والإخلاص وحسن القصد قبل أن يجاهد نفسه.
فعلينا – إذا أردنا يقينًا أن ينصرنا الله I ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ (آل عمران: 126) سبحانه – أن نعتمد على جنابه العظيم، ونستعين بقدرته وقوته ومعونته وتوفيقه في مجاهدة أنفسنا، وتطهير أخلاقنا.
ومتى تحلينا بجميع الأخلاق في ذاتنا أولًا، غير ناظرين إلى شيء آخر ائتلفت قلوبنا وحسنت سريرتنا، وتعين علينا بعد ذلك الجهاد الأصغر، قمنا متيقنين بالنصر الحقيقي أو بالخلود في دار الفردوس. إذا بقى أحد بقى ناشرًا للسنة، عاملًا بالدين، منفذًا لأحكام الله تعالى، وهي سعادة الدارين، وهذا هو النصر الحقيقي، ولو صدقنا فيه لأعزنا الله سبحانه وأذل الكافرين كما أعز حزبه وجنده، وهو الحي القادر الفاعل المختار.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية