أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (188)

 الحكمة الثامنة والثمانون بعد المائة

قدِّم الرجَاءَ على الخوفِ عند التوبة، والخوفَ على الرجَاءِ إن منحَك قُرْبَة، فإن الفضْلَ بيده، والأمْرَ منه وإليه.

الأستاذ سميح محمود قنديل

الرجاء والخوف مقامان من مقامات اليقين، لا يستغنى المؤمن عنهما؛ لأنهما كالجناحان للطائر لا يستطيع الطير إلا بهما معا، وقد أفرد الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم 0 في تراثه مكانًا لهما لتربية المريدين عليهما، بمفهموم صحيح وبيان جلىِّ واضح.

ويعرِّف الإمام 0 الرجاء في: “مصطلحات الصوفية” فيقول: “الرجاء: مقام جليل، وحال شريف، لا يصح إلا للكرماء من أهل العلم والحياء، وهو إصغاء إلى محادثة القريب، والتلطف في التخلق للحبيب، وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف، يروِّحون به الكرْب، ويستريحون إليه من مفارقة الذنب”

ويعرفه أيضًا في جوامع الكلم فيقول: الرجاء: اسم لقوة الطمع في الشيء، والخوف: اسم لقوة الحذر من الشيء، الرجاء: إقبال على الله قبل الكشف، والرغبة: إقبال على الحق بعد الوجود، ويناجى ربه قائلًا: لولا طمعي فيما هو منك، ليأَّسَني ما هو مني، ومن معانى الالتجاء: توجه القلب إلى الله تعالى بصدق الفاقة إليه، وما ألذ مناجاة طالب الله حين يناجى ربه راجيًا أن يرفع سبحانه عن عيني قلبه الحجب المانعة، حتى يشاهد أنواره الساطعة.

ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنًا في رجائه؛ لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته، لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء، والرجاء هو ترويحات الخائفين، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفًا؛ لأنهما وصفان لا ينفك أحدهما عن الآخر، كذلك حقيقة الرجاء والخوف في معاني الملكوت، إذا ظهر الخوف كان العبد خائفًا، وظهرت عليه أحكام الخوف عن مشاهدة التجلي بوصف مخوف، فسمي العبد خائفاً لغلبته عليه، وبطن الرجاء في خوفه، وإذا ظهر الرجاء كان العبد راجيًا، وظهرت منه أحكام الرجاء عن مشاهدة تجلي الربوبية بوصف مرجو، فوصف العبد به؛ لأنه الأغلب عليه وبطن الخوف في رجائه؛ لأنهما وصفان للإيمان كالجناحين للطير، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه.

وقال مطرف: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، فهذا أصل في معرفة حقيقة الرجاء وصدق الطمع في المرجو، فللمؤمنين في اعتدال الخوف والرجاء مقامان، أعلاهما مقام المقربين، وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوة، والثاني مقام أصحاب اليمين، وهو ما عرفوه من بدائع الأحكام.

الخوف تنزيه السر عن السِّوَى

الخوف اسم جامع لحقيقة التقوى، والتقوى: معنى جامع للعبادة، وهي رحمة الله تعالى للأولين والآخرين، والخوف نوعان: خوف العموم: حفظ الرأس وما حواه من السمع والبصر واللسان، وحفظ البطن وما وعاه: من القلب والفرج واليد والرِّجْل، وخوف الخصوص: ألا يجمع ما لا يأكل، ولا يبنى ما لا يسكن، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل، ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل.

وفى حكم جميلة يبين الإمام أن من سُلِّط عليه الرجاء هلك بالأمن، ومن سُلِّط عليه الخوف هلك بالقنوط، فمقام الخوف تنزيه السر على السوى، ومن خاف الله مولاه خاف منه كل ما سواه، وإذا لم تخف أن يهلكك الله بالنقص في أعمالك الصالحة، فضلًا عن معاصيك فأنت هالك، وإن الله يرفع العبد بخوف ساعة أكثر مما يرفعه بعمل سنين، المغرور من أمن على نفسه وخاف على غيره، وقد أخفى الله عنك سر القدَر ليستوي الخوف والرجاء، ولتعبده لذاته لا للنجاة والعطاء.

وقد كان بعض الصحابة عليهم رضوان الله يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرًا، وقد بشروا بالجنة يقينًا في غير خبر، من ذلك قول أبى بكر 0: ليتني مثلك يا طير وأنى لم أخلق بشرًا، وقول عمر 0: وددت أنى كنت كبشًا ذبحني أهلي لضيفهم، وغيرهم من الصحابة كأبي ذر وطلحة والزبير وابن مسعود رضى الله عن الجميع، ونحن في ارتكاب الكبائر ونحدث نفوسنا بالدرجات العلا، والقرب من سدرة المنتهى، ونسينا أن أبانا آدم صلوات الله عليه أخرج من الجنة بعد أن دخلها بذنب واحد، ونحن لم نرها بعد، فإنما نضرب في حديد بارد، وفى سورة التكوير خواتم المصير، وهى صفة القيامة لمن أيقن، وفيها تجلى معانى الغضب لمن عاين، آخر ذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ)، وروى أن لقمان عليه السلام قال لابنه: (خف الله تعالى خوفًا لا تأمن فيه مكره، وارجه رجاء أشد من خوفك، قال: كيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر).

طبقات الخلق بين الخوف والرجاء

خلق الله الخلق على أربع طبقات في كل طبقة طائفة:

1- فمنهم من يعيش مؤمنًا ويموت مؤمنًا، وهؤلاء رجاؤهم لأنفسهم ولغيرهم من المؤمنين، إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته، وأن لا يسلبهم بفضله ما به بدأهم.

2- ومن الناس من يعيش مؤمنًا ويموت كافراً والعياذ بالله، فهؤلاء موضع خوفهم عليهم وعلى غيرهم، لمكان علمهم بهذا الحكم، ولغيب حكم الله تعالى بعلمه السابق فيهم.

3- ومن الناس من يعيش كافرًا ويموت مؤمنًا.

4- ومنهم من يعيش كافرًا ويموت كافرًا، فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم الثاني للمشرك، إذ رأوه فلم يقنطوا بظاهره أيضًا، خوف هذا الرجاء خوفًا ثانيًا أن يموت على تلك الحال، وأن يكون ذلك هو حقيقة عند الله.

فعِلْم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة، ورَّثه الخوف والرجاء معًا، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به، وحكَم على الخلق بالظاهر، ووَكِل إلى علام الغيوب السرائر، ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر، بل يرجو له ما بطن عند الله من الخير، ولم يشهد لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير، بل يخاف أن يكون قد استتر عند الله تعالى باطن شر، إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه؛ لأن ذلك وجْدُ المؤمنين من قِبَل أنهم متعبدون بحسن الظن، فهم يحسنون الظن بالناس، ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور، وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور، ثم هم في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها، ويوقعون الملام عليها، ولا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم، ولخوف التزكية منهم لهم، فمن عكس عليه هذان المعنيان فهو مستدرج يحسن الظن بنفسه، ويسيء ظنه بغيره، فيكون خائفًا على الناس راجيًا لنفسه محتجًّا لها، لائمًا للناس ذامًّا لهم، فهذه أخلاق المنافقين، أعاذنا الله من النفاق وأهله.

وفى الحكمة التي بين أيدينا يضع الإمام 0 منهجًا راقيًا وفهمًا دقيقًا في استخدام الخوف والرجاء في الوقت المناسب، بعد أن وضع ميزانًا دقيقًا في التخلق بهما، بحيث لا يتسلط على العبد الرجاء بشكل دائم ومبالغ فيه، وإلا هلك بالأمن يعنى الأمن لجانب الله تعالى، ولا يتسلط عليه الخوف الشديد المستمر فيهلك بالقنوط، يعنى شدة اليأس من رحمة الله، ويوصي المريد التائب من ذنوبه وخطاياه مبينًا له أن تقديم الرجاء عند التوبة أولى من تقديم الخوف، فالله تعالى ناظر إلى قلبه ويعلم أنه راجع إليه سبحانه معترف بذنبه ومُقر بتقصيره، نادم على ما فرط في جنب الله، راجيًا العفو والمغفرة، فذلك أرجى لقبول توبته؛ لأن الرجاء لله فيه استعطاف ودعاء، وخضوع وتذلل وطمع في وسعة رحمته سبحانه.

أما في حالة القربة، وهي ما يتقرب به العبد إلى ربه سبحانه من أنواع القربات، كالفرائض والنوافل وأعمال البر، فعليه أن يقدم الخوف على الرجاء؛ لأنه يكون في العمل على وَجَل وعلى حذر وشك، ألا يقبل الله منه تقربه، ولأنه يعلم أن العبرة بالقبول لا بالإقبال؛ لأن الجاهل يهتم بالإقبال، والعالم يهتم بالقبول.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …