أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (186)

 الحكمة السادسة والثمانون بعد المائة

من كمَالِ الشكْر: أن يرى الإنسَانُ أنه ليس أهْلاً للنعْمَة.

الأستاذ سميح محمود قنديل

الشكر لله من أوجب الواجبات على الإنسان، لما تفضل به سبحانه عليه من النعم التي لا تحصى ولا تعد، وهو من أهم مقامات اليقين، وله أسرار ومشاهد وكمال. ومن كمال الشكر: أن يرى الإنسان أنه ليس أهلًا للنعمة، والشكر عند الإمام أبى العزائم 0: قيام كل جارحة بما أوجبه الله عليها، فالشكر حقيقة: هو العمل بشرائع الإسلام، كما قال الله تعالى: )اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا( [سبأ: 13]، فثبت أن الشكر عمل، ويعلمنا إمامنا في الحكمة أن: العطية بالفضل، واستدامتها بالشكر مع الأدب، وليس على المتفضل أن يحفظ العطية، وإنما ذلك على من نال العطية.

ومن الأدب في الشكر التحقق بالعجز عن الشكر، وأشكَرُ الخلق لله من لم ير أنه شكرَ الله قط، إذا شكرتُ بعد عجزي، شكرتُه به Y، العجز عن شكره شكر، والشكر عمل وهو معاوضة، والذي أعطى النعمة هو الله، والذي أعان على العمل هو الله، فمن أين للعبد أن يقوم بالشكر؟! إحسانه عليك يقتضي شكرك إياه، ليمنحك المزيد من فضله وجدواه، وأشباه اليهود: هم من ليسوا على حياء من الله، لم يشكروا إن أعطاهم، ولم يصبروا إن ابتلاهم.

يقول الإمام أبو العزائم 0: الشكر على النعمة: طمع في غير الله، وإنما العبد حقًّا من شكر الله بالله بعد عجزه عن حصر نعماه، والحيْرة في عليِّ ضياه، قال سبحانه: )وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ( [سبأ: 13]، كمال العبد في ثلاثة أمور: إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلاه صبر، وإذا أذنب استغفر، ومن منحه الله في يوم من الأيام بمنحة خير من شفاء أو عطاء، فليحي هذا اليوم بالشكر كلما أتى عليه، ولا بد من شكر الوالدين قبل شكر الله تعالى كما قال سبحانه: )أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ( [لقمان: 14]، وكل فتى لم يشكر أباه قبل أن يشكر الله، لا يرى راحة في جسمه وأولاده.

الشكر في السراء والضراء

وفى كتابه: “أصول الوصول ـ الجزء الثاني” يبين الإمام أبو العزائم 0 أن الشكر هو: الاعتراف بالنعمة من الله تعالى، وطهارة القلب من أن ينسب فضلًا أو نعمة أو إيجادًا أو إمدادًا لغير الله تعالى، فالشكر أدق بكثير من الذكر؛ لأن الله تعالى يقول:

)وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(، والشكر عمل بالجوارح الظاهرة، وبالقوى الباطنة من القلب والنفس والعقل والروح، قال تعالى: )اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا(، وإنما يشكر الله تعالى من عرفه بأسمائه الحسنى، فلم ير في الوجود بأجمعه أثر لغير الله تعالى، بل الوجود جميعه آثار قدرة الله وحكمته.

ومن جهل ذلك كيف يشكر الله تعالى؟ ولا يُشكر على السراء والضراء إلا الله تعالى، فما من نعمة ولا نقمة إلا وهي جواذب من الله لعبده، فالنعمة تسر العبد وتذكره المنعم، والنقمة تخيفه وتذكره المنتقم، فيرجع إليه سبحانه، فجعل مقابل الشكر الكفر، كما جعل مقابل الحج الكفر فى قوله تعالى: )وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ( [آل عمران: 79]، أى من لم يحج مع الاستطاعة فى موضع (ومن كفر).

شكر القلب وشكر الجوارح

يقول ابن عطاء الله السكندري 0 في الحكمة: “الشكر على ثلاثة أوجه: شكر باللسان، وشكر بالأركان، وشكر بالجَنان” وفى القرآن الكريم الكثير من الآيات الدالة على ذلك، والشكر بالأركان يعنى بالجوارح، والشكر بالجَنان يعنى: بالقلب، ويقول أيضًا في حكمة أخرى: “مَن لم يَشْكُرِ النّعمَ فقد تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرها فقد قَيّدَها بِعِقَالِهَا”، ولقد جعل الله الزيادة في النعم والبركة فيها مرتبطة بالشكر، ولمن كفر بها عذاب شديد، فقال تعالى: )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ( [إبراهيم: 7]، فالشكر للنعم يزيدها، وعدم الشكر يزيلها.

والشكر في الحقيقة أساسه العمل، فشكر القلب عقده على التوحيد، وتقلبه بالفكر في آلاء الله تعالى، وتصريف النوايا في محاب الله ومراضيه، وشكر الجوارح قيامها بالعمل في طاعة الله تعالى، قال سبحانه: )وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(، أي القائم بقلبه وجوارحه موجهًا وجهه إلى الله تعالى بكله.

وفى شرح “الحكمة الثامنة والأربعين” من كتاب: “شروح الحكم” الجزء الثاني، بيان لمعنى الشكر بالجوارح الظاهرة كالأذن واللسان والعين وغيرها، والحقائق الباطنة كالقلب والروح والنفس والعقل وغيرها، وذلك من علوم الإمام 0، لمن أراد المزيد من فضل الحميد المجيد.

وقد اختلف علماء السلف في التفضيل بين الغنى الشاكر والفقير الصابر، ويبين الإمام ذلك فى كتاب: “أصول الوصول ـ الجزء الثاني” قائلًا: وعندي أن كل واحد منهما في حال ما يوصف بالصبر يكون أفضل، فإذا صبر الغنى مع قدرته على تنفيذ مراده، وجاهد نفسه، كان أفضل من صبر الفقير مع عجزه عن تنفيذ مراده، لكمال مشاهدة الغنى ومراقبته للرقيب، وخوفه من الحسيب، ومجاهدته نفسه، وأما في مقام شكره على النعم، وصبر الفقير على النقم، فلا مناسبة في التفضيل بينهما؛ لأن هذا منعم به عليه مما يوجب السرور والفرح والثناء والحمد للمنعم، فقام بما وجب عليه، وهذا مبتلى بما لو أنه انزعج أو التجأ إلى الخلق لعذر، ولكنه صبر واحتسب وكتم أمره وجاهد نفسه، فهذا في مقام عليٍّ، ممن قال الله فيهم: )إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ( [الزمر: 10]، ولأن الصبر أشق على النفس وأكرهه، وأمره على الطبع وأصعبه، فيه الألم والكظم عند الذل والحلم، ومنـه التواضع والكتم، وفيه الأدب وحسن الخلق، وبه يكون كف الأذى عن الخلق، واحتمال الأذى من الخلق، وهذه من عزائم الأمور التي يضيق منها أكثر الصدور”.

يقول الإمام أبو العزائم 0 عن الشكر والعجز عنه:

أعِن على الشكْر من أوليتَه نِعَمًا

وافتحْ كنوزَ العَطايا سيدي كَرَما

قد كنتُ ماءً مَهينًا بدءَ مَرتبتـِـــى

بل كنتُ من قبْله فى طِينتى عَدَما

فضْلًا لقد صُغْتنى بيديْك مَرحَمةً

أوليتها سيدى بالفضل لى قِدَمــــا

إلى أن يقول:

عجْزى جَلىّ عن الشكر الجَميل وهل

تقوى نفوسٌ على شكْر الذي رَحِما

أنتَ الشكُور ولا أحصِى الثناء علــى

نُعْمَى تُعْجِز التعْبيرَ والقَلمـَـــــــــــا

أدعوكَ بالعجْز والتقصِير مُرْتجِيًـــــا

فضلَ المزيدِ فأسْعِدنى به كَرَمــــا

وأئمة أهل البيت D لهم في الشكر أقوال وأحوال، يقول الإمام عليّ A: “من شَكَر النعم بجَنانِه، استحق المزيد قبل أن يظهر على لسانه”، وعنه أنه قال: “لا تكن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي”، وعنه A: “من شكر الله سبحانه وجب عليه شكرٌ ثان، إذ وفَّقه لشُكره، وهو شكْر الشكْر”، ويقول الإمام زين العابدين A في المناجاة: “فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر؟! فكلما قلت: لك الحمد، وجب عليَّ لذلك أن أقول: لك الحمد”، ويقول الإمام الصادق A: “مكتوب في التوراة: “اشْكُر من أنعَم عليك، وأنعِم على من شكَرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرتَ، ولا بقاء لها إذا كفرتَ، والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير”، ويقول أيضًا: “إن الله U أنعم على قوم بالمواهب فلم يشكروا، فصارت عليهم وَبالًا، وابتلى قومًا بالمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة”.

اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين الشاكرين في كل وقت وحين، وعلى هدى أهل البيت الطيبين الطاهرين سائرين.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (40)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …