أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (151)

 الحكمة الواحدة والخمسون بعد المائة

كـمالُ المعرفة: أن تعرف مــن أنـتَ فلا تتعدى قــدْرك، (وَلِـمَــنْ خَـافَ  مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).

الأستاذ سميح محمود قنديل

المَعرِفَة هي الإدراك والوعي، وفهم الحقائق عن طريق العقل المجرد، أو بطريقة اكتساب المعلومات، بإجراء تجربة وتفسير نتائج التجربة أو تفسير خبر، أو من خلال التأمل في طبيعة الأشياء وتأمل النفس، أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين، وقراءة استنتاجاتهم.

وقد اهتم أهل التصوف بالمعرفة، وربما ظهر هذا الاهتمام عند الصوفية بشكل واضح المعالم، فمن رقى عندهم في طريق التصوف يسمى العارف بالله، وبنوا جُل علاقة العبد بالرب على المعرفة من جهة اصطلاحية سيأتي بيانها.

والمعرفة لغةً: هي من العُرف مضاد النكر، والعرفان مضادّ للجهل، كما وردت المعرفة والعرفان بمعنى العلم بالأمر والسكون له، واستخدمها الزمخشري بمعنى المجازاة وذلك في قوله: لأعرفن لك ما صنعت، بمعنى لأجازيك به، واستخدمت كلمة المعرفة للدلالة على الشيء العالي والطيب، كأن يقال هذا الإنسان غرُّ المعرفة أي تطيب معرفته.

أما تعريف المعرفة اصطلاحًا: فهو إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم، ولذلك يسمى الحق تبارك وتعالى بالعالم دون العارف.

وقد تناول الإمام 0 المعرفة في كثير من علومه النثرية والنظمية، ليقدم لنا تعريفات ومعاني جديدة لم يسبق بيانها حيث يقول منها:

لا كمال إلا بالمعرفة، ولا معرفة إلا بالتوحيد، ولا توحيد إلا بالتسليم، )فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( (النساء: 65)، ومن عرف الحق استغنى به عن الخلق، ومن عرف الله تجلت له أنواره، فلا يُرى أجمل منه، ولا يلتفت إلى سواه، ومن عرف الله صغر فى نفسه كل شيء، فمن عرف ربه أنس به.

معرفة العبد قبل معرفة الله

ويؤكد الإمام أنه لا معرفة لله إلا بعد معرفة العبد الكامل، الذى يعرِّفه نفسه أولا حيث يقول: من عرف العبد، سعد بالزلفى، ومن تشبه به فاز بالحسنى، والعبد لا يعرفه إلا من أحبه الله، ولا يتشبه به إلا من اختاره واصطفاه، ومن لم يجلس أمام عارف بالله عالى الهمة، لا تعلو همته، ومن ادعى أنه يعرف الله ولم يعرف العبد، لم يعرف الله، إنما يعرف الله من عرف العبد؛ لأن أساس معرفه الله تكون بمعرفة العبد، كما يقول إمامنا 0:

من يعرف العبدَ يعرف ربَّه فضلًا

من يجْهل العبدَ يبلى ثَم بالصَّــــــــد

من يعرف الله قبل العبدِ يجهلــــــه

العبدُ روضُ الرِّضا فى مشهد المجْد

شَمَّة من المعرفة خير من خير العمل، لا تذوق من علوم المعرفة؛ إلا إذا فارقت الخلق، وأول الخلق نفسك، ومتى عرفت الله، لا يخطر على قلبك سواه، وقد أباح الله العلم لجميع العامة، وخصَّ بالمعرفة أولياءه، وبالمكاشفة أصفياءه، وبالمشاهدة أحباءه، واحتجب بربوبيته عن بريته، فإذا ظنوا أنهم عرفوا تحيروا، وإذا توهموا أنهم كوشفوا احتجبوا، فسبحان من أمره عجيب.

المعرفة بها كمال التحقق بالعبودية، فمن ادعى المعرفة وعمل ما يخالف الشريعة، مظهرًا أن ذلك من المعرفة في شيء، فقد جهل حقيقة المعرفة، ولو أن المعرفة تبيح مخالفة الشريعة لكان أولى بذلك الخلفاء الراشدون الكاملون، إلا أن كل معرفة تبيح مخالفة الشريعة معرفة، ولكنها معرفة الشيطان، وإلهام ولكنه من إبليس، ومخالفة الشريعة دليل على الخيبة.

من ادعى أن المعرفة بالكسب جَهِل، ومن ادعى أن المعرفة بالعجز أساء الأدب، ولو كانت بالبحث والبرهان، لكانت أفعال العبد كلها موصلة إلى الله تعالى، إذن المعرفة لا تكون إلا بفضل من الله تعالى، إن المعرفة ترفرف على القلب إن كان فيه ضياء وإلا ارتحلت، ومعرفة الله فوق كل نعمة، وحين سئل البسطامي 0 عن المعرفة تلا قوله تعالى: )إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ( (النمل: 34)، أراد بذلك أنه كذلك المعرفة إذا دخلت القلب، لا تترك فيه سخطًا ولا شكًّا ولا حظًّا للنفس إلا أذلته وأحرقته.

من أنت في الحقيقة؟

وفى هذه الحكمة يؤكد الإمام 0، أن كمال المعرفة بالنسبة لك أيها العبد هو أن تعرف من أنت بداية ونهاية، فالإنسان مظهرٌ لظهور أوصاف الربوبية وأوصاف العبودية، فيقول مخاطبًا الإنسان: أجلى فيك ما به التعريف لو فقهت، ومنحك نورًا به التعرف لو علمت، كما منحك أن تراك فيك وفى الآفاق بما اقتضته أسماؤه سبحانه من الأخلاق، فكنت مظهرًا لظهوره، أمرك لتظهر حكمة إيجادك، وهي ظهور عبوديتك، ووفقك لتكون خليفة عنه في المُلك الصغير، وسيدًا وجيهًا متصرفًا في المُلك الكبير، وأعد لك فيك وفى الآفاق من المشاهد العلية ما لا تبلغ ذوقه أعلى الملائكة، ولن يدركه أحد من العالمين، فإننا إنما ندرك منه سبحانه ما هو فينا، مما لم ينله أحد من العالمين سوانا، والسعادة والشرف  الذي حصل لنا هو به سبحانه ليس بنا ذاتيًّا، وما ليس لنا ذاتيًّا يقتضي الشكر.

ومن جهل قدره فغَرَّه أنه مخلوق باليدين، وأنه مظهرٌ وظهورٌ لتظهر صفات الربوبية، ونسى أنه مظهرًا أيضًا لظهور صفات العبودية، حُرم ذلك المُلك الكبير، ورُد إلى أسفل سافلين السعير، فتفضله علينا بالإيجاد موجب لشكره، وإحسانه إلينا بخلقه لنا بيده، ونفخه فينا من روحه، وإقامتنا للخلافة عنه سبحانه، موجب لعبادته ودوام الرهبة منه والخشية سبحانه.

إن الإنسان مثنوي التركيب، فهو مجموعة من جسد جسماني ونفْسِ روحانية وعقل بينهما رقيب، والنفس والجسد جوهران متضادان في الصفات، متباينان في     الغايات، مشتركان في الأفعال العارضة، وفى الصفات بلا مفاوضة، فالإنسان بمقتضى جسده الجسماني ميال بطبعه الحيواني إلى البقاء في الحياة الدنيا، وكانت معصية آدم في الجنة لتلك البغية، فخلوده في الدنيا متمناه، فيرتكب لأجل ذلك من الرذائل ما لا يرضاه الله، وهذا هو مطلب الجسم الدَّنى وقصد الإنسان الغَوي.

أما الروح فهو من أجلها طالبٌ للدار الآخرة، وبغيته الوصول إليها بالقلب اليقظ والعين الساهرة، ولذلك ترى أكثر شئون الإنسان مثنوية متتابعة، بين حيوانية وروحانية، فهو بين حياة وممات، ونوم ويقظة، وعلم وجهالات، وتذكرة وغفلة، وعقل وحماقة، وفجور وعفة، وبخل وسخاء، وألم ولذة، فتراه مترددًا بين صداقة وعداوة، وذكاء وغباوة، وفقر وغناء، وبسط وغنى، وخوف ورجاء، وصدق وافتراء، وهرم وشباب، ومعصية فمتاب، وخطأ وصواب، وحق وباطل ، وقبح وحسن، جمع الله فيه الأضداد، وتفضل عليه بخير الإمداد، أسجد الله له ملائكته لما خلقه فيه من العجائب، وحير فيه الحجا لما أودع فيه من الغرائب، فتراه بين راق يتكلم في رقيه مع الله شفاها، وبين هاو إلى حضيض الأسفلين سفاها.

إن هذه المعرفة بنفسه وقدره وحقيقته، تكسبه معرفة بربه I، ومن عرف الله بجماله وجلاله وكماله، خاف مقامه سبحانه وعلته الخشية، فأدخله الله الجنات، ولذلك اختتمت الحكمة بقول الله تعالى: )وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ( (الرحمن: 46).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (20)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …