أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (159)

الحكمة التاسعة والخمسون بعد المائة

التخلص من الآدمية: هو عين الفناء، والإخلاص في العبودية: هو البقاء..

الأستاذ سميح محمود قنديل

رُتب الوجود كثيرة ومتنوعة وبينها تفاوت وتفاضل وتكامل، ومعلوم أن الله عز وجل سخر للإنسان كل ما فى الوجود عاليه ودانيه بلا استثناء، قال تعالى: )وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ( (الجاثية: 13)، وذلك بفضله وكرمه، وأقل رتبة فى الموجودات هى رتبة الجماد؛ لأنها ليست فيها حياة ولا نمو ولا حركة ولا حس، ولا يتغير إلا تغيرًا محدودًا بعوامل خارجية تؤثر فيه، ثم تأتى رتبة النبات الذى ينمو ولا يتغير من حال إلى حال، ولكن لا إحساس له، وبعدها تأتى رتبة الحيوانات وهى أعلى؛ لأن فيها حياة ونمو وحركة وإحساس، وقابلة للتغيير والتدريب بنسب محدودة.

ثم تأتى بعد ذلك رتبة الآدمية، نسبة إلى أبينا آدم A، وهى أرقى من الرتب السابقة، واختار الله الخلافة فى الأرض منها، وفيها تفاوت كبير بين أفرادها فى كل شيء، مع قبولهم للترقى إلى أعلى الدرجات، أو التسفل لأسفل الدركات، وفيها أسرار كثيرة وحكم عديدة، وبعد ذلك رتبة الملكية، نسبة إلى الملائكة المكرمين الذين لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم مخلوقون بكيفية مخصوصة، قائمون بالعبادة لله فى كل أنفاسهم، وهم أيضًا متفاوتون فى المنازل والدرجات، ولهم أعمالهم الموكلون بها لخدمة الإنسان بصفة خاصة، والكون كله بصفة عامة.

وهناك رتبة الإبليسية، نسبة إلى الشيطان الذى أُبلس عليه الأمر واختلط، وأبى السجود لأبى البشر آدم A تكبرًا، وله ذرية وأعوان وجنود، وخلق من نار السموم، واقتضت حكمته سبحانه أن يحفظ لكل رتبة من الوجود مكانتها، التي بها تكون مقهورة مربوبة، أبدعت بعد العدم، وأوجدت بعد أن لم تكن.

والإنسان اجتمعت فيه كل رتب الوجود، ففيه الجمادية والنباتية والحيوانية والآدمية والإبليسية والملكية يقول الإمام 0:

رتبُ الوجودُ تلوحُ لى فى ذاتى

وأنـا لـهــا أصْــلٌ لــدَى الآيات

رتبُ الوجودُ عَليُّــهــا ودَنيُّـهــا

بــعْـضِــى وكُلىِّ كنتُ بالإثبَات

بدَت المـراتبُ لى مثَالا ظاهرًا

وأنا المثـالُ لنــورِ مجْلى الذات

ظهَر الوجُودُ مـجـمَّلا ينْبى بما

فــى هــيْكــلِى من أكْمَل الآيات

الآدمية وما أدراك ما هى؟

والآدمية تتكون من جسم ظاهر محسوس، وحقائق ملكوتية باطنة غير ملموسة ولا محسوسة، كالنفس والعقل والقلب والفؤاد، ونفخة القدس والسر والأخفى، والكل يشترك فيها مع التفاوت فى درجتها وصفائها وقوتها، فالمؤمن والكافر والمنافق والملحد مشتركون فى الآدمية شكلًا وليس حقيقة، ولذلك جاءت الحكمة تدعو إلى التخلص من الآدمية، بمعنى عدم البقاء فى شكلها الظاهر فقط، وعلى العبد أن يدرك حقائقها وأسرارها، ليفك له رمزها، وينتقل إلى الإنسانية وما فوقها، كما يقول الإمام 0 في الحكمة: “سر من حيوانيتك إلى آدميتك بما أنت عليه من حسن حليتك، وانهض من قيود الآدمية إلى رحيب الإنسانية، بما فيك من الحكم الربانية، وتخلص من أدران إنسانيتك بنور ملكيتك، وأنب بربك من الوقوف عند الملكية إليه بنور البصيرة الإلهية”، وإذا تخلص  العبد من رتبة الآدمية، التى يشترك فيها جميع بنى آدم مترقيًا منها إلى رحيب الإنسانية، فيكون ذلك هو عين الفناء.

والفناء كما يعرفه الإمام 0 هو: الإقبال على الله من غير فترة، وهو تجريد عن لوازم البشرية، ومقتضيات الآدمية، ونوازع الإبليسية، وميول النباتية، ودواعى الجمادية، وهو العجز عن إدراك العبودية. والبقاء: دوام مشاهدة الألوهية، وحقيقة العبودية واقعة بين الفناء والبقاء، فالفناء هو الغيبة عن الخلق بشهود الحق.

وقد أشار القوم بالفناء: إلى سقوط الأوصاف المذمومة، وأشاروا بالبقاء: إلى قيام الأوصاف المحمودة به، وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القِسْمين، فمن المعلوم: أنه إذا لم يكن أحدُ القِسْمين كان القسمَ الآخر لا محالة، فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة، فإذا فنى عن سوء الخُلق بقي بالفتوة والصدق، ومن استولى عليه سلطان الحقيقة، حتى لم يشهد من الأغيار لا عينًا ولا أثرًا؛ ولا رسمًا، ولا طللًا؛ يقال: إنه فنى عن الخلق وبقي بالحقِّ، ومتى تجلى الله على العبد، أفنى وجوده فظهر الرب.

ويقول الإمام في الحكمة: والإخلاص في العبودية هو: البقاء، فإذا تجمل العبد بالإخلاص في القول والعمل، ولم يشهد لنفسه حولًا ولا طولًا، ولم يطلب على عمله أجرًا ولا ثوابًا، ولم ينتظر المدح والثناء من الخلق على ما يقول وما يفعل، عندها يكرمه الله بالبقاء الذي هو أعلى من الفناء.

ما هو البقاء؟

ويعرف الإمام البقاء بأنه: هو شهود الخلق بالحق، إن كان بعد الفناء، وإن كان قبله فهو شهود خلق بلا حق، وهو محل أهل الحجاب، وبقاء العبد: هو الاستغراق فى شهود الألوهية، وهو مراقى الاصطفاء، فالبقاء: الإخلاص فى العبودية، ثم يقول 0:

تجَرد عن الكوْنينِ إن رُمْتَ ترآهُ

وانـفِـيــك واثـبِــتْ يــا بُنـــى الله

ولـتــفْن حــتــى عــن فَـنـائِك إنُّه

عـيـنُ البـقَــاء فـعِـنـــد ذاكَ تـراه

عـيــن الـبـقـاء فـعـنــد ذاك تـراه

وقد تناول السابقون تعريف البقاء وبيان حقيقته فى أقوالهم، على معانٍ وأحوال متعددة منها:

يقول الشيخ محمد بن وفا الشاذلي 0: حقيقته البقاء: “امتناع ما استحال تقدم وجوده بعدم، وغايته: قيام لا يجول، ودوام لا يزول في ظهوره، وسوابقه في أوليته التي لا تتبدأ، ولواحقه في آخريته التي لا تتناهى.

ويقول الشيخ الأكبر ابن عربي 0: إن البقاء الحاصل لأهل التمكين لا يكون إلا بقدر الفناء، والرجوع إلى الخلق لا يكون إلا على حسب العروج، فالفناء التام والعروج الكامل لا يكون إلا للقطب: الذي هو صاحب الاستعداد الكامل الذي لا رتبة إلا قد يبلغها، ويلزم أن يكون الرجوع التام الشامل لجميع تفاصيل الصفات عند البقاء له، وهو الخاتم ولهذا قال: كأن بنيان النبوة تم، وبقي منه موضع لبنة واحدة، فكنت أنا تلك اللبنة”.

ويقول الشيخ السراج الطوسي 0: الفناء والبقاء اسمان، وهما نعتان لعبد موحِّد يتعرض الارتقاء في توحيده من درجة العموم إلى درجة الخصوص، ومعنى الفناء والبقاء في أوائله: فناء الجهل ببقاء العلم، وفناء المعصية ببقاء الطاعة، وفناء الغفلة ببقاء الذكر، وفناء رؤيا حركات العبد، لبقاء رؤيا عناية الله تعالى في سابق العلم.

ويقول الشيخ ولي الله الدهلوي 0: الفناء والبقاء: المغلوبية والغلبة، فإذا غلب على الإنسان شيء من تلك اللطائف، وصار مغلوبًا لها، وظهر عليه أحكامها، قالوا: فني الرجل في كذا: وبقى في كذا”.

ويقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني 0: وقوف العبد في مقام البقاء أفضل؛ لأن الله تعالى ما أبقى العبد إلا ليفيض عليه من رحمته ونعمته، ويشعر العبد بذلك فيحمده ويشكره، ولا هكذا مقام الفناء، فإنه أشبه شيء بالعدم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …